03 أكتوبر 2026 فكر

هناك مهن ندخل إليها كل يوم ونحن نمنح أصحابها قدرًا كبيرًا من الثقة من دون أن نتوقف طويلًا عند معناها. نجلس في الطائرة فنثق بالطيار، ونسلّم أجسادنا للطبيب، ونضع أبناءنا في عهدة المعلم، ونترك سائق الحافلة يمضي بنا في طريق لا نملك التحكم في تفاصيله. وفي كل مرة نفعل ذلك، فإننا لا نسلّم مهمة فقط، بل نسلّم جزءًا من أمننا وحياتنا وطمأنينتنا إلى إنسان آخر.

الحياة الحديثة لا يمكن أن تستمر من دون هذا النوع من الثقة. فليس من الممكن أن نتحقق بأنفسنا من كل إجراء، أو نراقب كل قرار، أو نمتلك الخبرة اللازمة للحكم على كل ما يجري من حولنا. نحن نعيش، في جانب كبير من حياتنا، لأننا نصدق أن آخرين يعرفون ما يفعلون، وأنهم سيدركون حجم المسؤولية الموضوعة بين أيديهم.

ولهذا تحديدًا تكون لحظة اهتزاز الثقة ثقيلة. فهي لا تمس خطأً أو إجراءً منفردًا فحسب، بل تمس الفكرة التي يقوم عليها قدر كبير من حياتنا المشتركة: أن هناك أشخاصًا يستطيع الإنسان أن يطمئن إليهم، وأن المسؤولية ليست مجرد وظيفة، بل التزام تجاه من لا يملك في تلك اللحظة سوى أن يثق.

أعادني الحادث الأخير على إحدى الرحلات الجوية المغادرة من دبي إلى هذا المعنى الإنساني، بعيدًا عن تفاصيل التحقيق التي ينبغي أن تظل في عهدة الجهات المختصة. لم يشغلني البحث عن دوافع، ولا محاولة بناء رواية حول أشخاص لا نعرف عنهم إلا القليل. ما شغلني هو سؤال أبسط وأعمق في الوقت نفسه: ماذا نفعل بالثقة بعد أن نمنحها؟

هل تتحول الثقة إلى حق ثابت لا يقبل المراجعة؟ أم أنها تظل مسؤولية متجددة يحملها الإنسان ما دام الآخرون قد وضعوا شيئًا من حياتهم بين يديه؟

بين مصر والإمارات مساحات اجتماعية وثقافية تتشابه أكثر مما ننتبه إليه. فما زلنا نمنح المهنة وزنًا أخلاقيًا يتجاوز حدود الوظيفة، ونربط اسم الإنسان بسمعته، واسم العائلة بالسلوك، وننظر إلى كلمة «أمانة» باعتبارها أكبر من عقد مكتوب أو التزام وظيفي.

في القاهرة كما في دبي، يمكن أن تسمع أمًا تقول عن طبيب أو معلم أو سائق: «أنا أثق فيه». تبدو الجملة بسيطة، لكنها تحمل في داخلها معنى كبيرًا. فالقول «أنا أثق فيه» يعني في الحقيقة: أقبل أن أضع بين يديه شيئًا لا أستطيع حمايته بنفسي في هذه اللحظة.

قد يكون هذا الشيء جسدًا، أو طفلًا، أو رحلة، أو مالًا، أو سرًا، أو حتى قرارًا سيؤثر في مستقبل الإنسان.

وللثقة في الثقافة العربية مكانة خاصة. نقول عن شخص إنه «ثقة»، وكأن الكلمة شهادة كاملة لا تحتاج إلى تفسير. وهي صفة جميلة، لكنها قد تصبح خطرة إذا فهمناها باعتبارها حصانة دائمة لا تقبل السؤال.

القيمة الحقيقية للثقة لا تأتي من افتراض أن صاحبها لا يخطئ، بل من شعوره الدائم بثقل ما وضعه الآخرون في يده.

فالطبيب لا يصبح جديرًا بالثقة لمجرد أن أبواب المستشفى فُتحت له، والمعلم لا يستحقها فقط لأنه دخل الفصل، والطيار لا يحتفظ بها لمجرد امتلاكه رخصة، والكاتب لا تظل كلمته موضع ثقة لأن اسمه طُبع مرة. كل مهنة تمنح صاحبها سلطة ما، لكن هذه السلطة لا تكتسب معناها إلا عندما يرافقها إحساس مستمر بالمسؤولية.

الثقة، بهذا المعنى، ليست مكافأة تُمنح مرة واحدة. إنها علاقة تتجدد كل يوم.

تُبنى بالفعل، وتُصان بالفعل، وقد تضعف بالفعل أيضًا.

وربما لهذا تبدو أقرب إلى الأمانة منها إلى الامتياز.

ومن هنا، لا أرى أن مراجعة صاحب المسؤولية تنتقص من قدره. على العكس، المراجعة قد تكون إحدى الوسائل التي تحميه وتحمي من وثقوا به في الوقت نفسه. فالمجتمع الناضج ليس ذلك الذي يشك في الجميع، لكنه أيضًا ليس المجتمع الذي يمنح أصحاب المواقع المهمة حصانة من السؤال.

نحن في مصر والإمارات، وربما في مجتمعات عربية كثيرة، نحتاج إلى استعادة المعنى القديم لكلمة «الثقة» من دون أن نحولها إلى طاعة، وإلى الحفاظ على الاحترام من دون أن نجعله مانعًا من المساءلة.

من نحبه نستطيع أن نحاسبه من دون إهانة. ومن نحترمه يمكن أن نسأله من دون عداء. ومن يحمل مسؤولية تتعلق بحياة الناس أو أمنهم أو مستقبلهم يجب أن يعرف أن السؤال ليس طعنًا في كرامته، بل جزء من طبيعة المسؤولية التي اختار أن يحملها.

فالاحترام لا يعني الصمت.

والثقة لا تعني تعطيل السؤال.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مهنة هو أن يصبح صاحبها مقتنعًا بأن مكانته تكفي وحدها لكي يظل موضع ثقة. عندها تتحول المهنة من مسؤولية إلى سلطة، ويتحول الاحترام من قيمة متبادلة إلى حاجز يمنع الآخرين من الكلام.

أما الثقة التي تقبل المراجعة، فهي أكثر قوة؛ لأنها لا تعتمد على الصورة وحدها، بل على القدرة على إثبات الجدارة بها باستمرار.

لهذا تحتاج مجتمعاتنا أحيانًا إلى إعادة الحديث عن ضمير المهنة، لا عن اللوائح وحدها. فليس كل ما يحمي الإنسان مادة مكتوبة في نظام، ولا كل ما يمنع الخطأ يمكن اختزاله في إجراء إداري.

هناك أشياء أكثر هدوءًا، لكنها لا تقل أهمية: أن يشعر الإنسان بأن عمله أمانة، وأن يمتلك الزميل الشجاعة ليقول لصاحبه إن شيئًا ما ليس على ما يرام، وأن يستطيع صاحب المسؤولية نفسه أن يتوقف ويسأل: هل أنا في أفضل حالة تسمح لي بأن أحمل مسؤولية الآخرين الآن؟

وفي المهن التي يتعلق بها أمن الناس وحياتهم، قد تكون هذه اللحظة من الصدق مع النفس أهم من كثير من القواعد.

أن يعرف الإنسان متى يستطيع أن يكمل، ومتى يحتاج إلى مساعدة، ومتى يجب أن يتراجع خطوة قبل أن يتحول خطؤه الشخصي إلى ثمن يدفعه آخرون.

هذه ليست ثقافة شك.

إنها ثقافة مسؤولية.

وليست دعوة إلى مراقبة الناس في كل لحظة، بل إلى بناء بيئة يستطيع فيها الإنسان أن يقول إنه متعب، أو غير مستعد، أو يحتاج إلى من يراجعه، من دون أن يشعر أن الاعتراف بالنقص سيهدم مكانته.

فالأنظمة القوية لا تقوم فقط على اختيار أشخاص جيدين، بل على بناء ثقافة تجعل الخطأ قابلًا للاكتشاف قبل أن يتحول إلى كارثة، وتجعل طلب المساعدة علامة وعي لا دليل ضعف.

ونحن حين نربي أبناءنا نقول لهم إن الثقة تُكتسب. وربما علينا أن نضيف إلى ذلك جملة أخرى: الثقة تُصان أيضًا.

وبين اكتسابها وصيانتها تمتد حياة كاملة من القرارات الصغيرة؛ من الالتزام حين لا يراقب أحد، ومن الاعتراف بالخطأ قبل أن يكبر، ومن القدرة على وضع المسؤولية فوق الكبرياء، ومن إدراك أن مكانة الإنسان الحقيقية لا تأتي من أن الناس لا يسألونه، بل من أنه لا يخشى السؤال.

لهذا لا أخاف من مجتمع يسأل صاحب المسؤولية، بقدر ما أخاف من مجتمع يظن أن السؤال إهانة.

ولا أخشى على أصحاب المهن من المراجعة بقدر ما أخشى عليهم من تلك اللحظة التي تصبح فيها الثقة الممنوحة لهم شيئًا يعتبرونه مضمونًا.

فالإنسان الذي نحبه ونحترمه ونثق به لا نخدمه حين نحوله إلى شخص لا يجوز أن يُراجع، ولا حين نفترض أنه أكبر من الخطأ. نخدمه حين نساعده على أن يظل أهلًا للثقة التي منحناها له.

لأن الثقة، في النهاية، ليست شهادة نعلقها على الإنسان.

إنها أمانة يحملها.

 

شارك المقال: فيسبوك تويتر