في مرآة الوعي: سقوط الهوية المستعارة
فاطمة عبد الله
من أنا؟
اسمي؟ نسبي؟ جنسيتي؟ معتقدي الموروث؟ مؤهلي الدراسي؟ أم مهنتي التي أرتزق منها؟
كل هذه الأوصاف إما مُنحت لي دون إرادتي، أو عَلِقَت بي عبر المسار الاجتماعي لتؤطرني من الخارج كبطاقة تعريف رسمية. لكن، ماذا لو جُرّد الكائن البشري من هذه الطبقات دفعةً واحدة؟ ماذا لو سقطت أوراقه الثبوتية وألقابه الاجتماعية ثم سئل في عراء روحه: من أنت؟
ما يتبقى حينها ليس سوى جوهر واحد: الوعي.
الوعي هو العدسة المركزية التي تُشكل إدراكي لذاتي، وتموضع وجودي في مواجهة الآخر والعالم. من قاع هذا الوعي تنبثق فلسفة المرء، وتتولد منظومته القيمية، وتصاغ مبادئه التي تحكم قراراته المصيرية. الهوية الحقيقية ليست قالباً جامداً من المعطيات الجاهزة، بل هي بنية الوعي الحاكم للذات. من ثم فإن المعادلة الأدق تقول: الهوية = الوعي.
غير أن الوعي المقصود هنا لا يُقصد به المزاج العابر أو الانفعالات الطارئة. قد يغضب الإنسان اليوم، ويحزن غداً، وتغمره بهجة مباغتة بعد قليل. هذه الانفعالات أشبه بحكومات متعاقبة ومؤقتة تدير المشهد اليومي لكنها لا تصنع سياسة الكيان. أما الوعي الجذري فهو “الدولة العميقة” للإنسان: بنية داخلية صلبة، بطيئة التبدل، غير مرئية في السطح، لكنها القوة التي تملي الاتجاه العام، وتجذب نحو مدارها كل الأفكار والانفعالات والاختيارات.
في تلك الأعماق، يستقر شعور محوري يُهيمن على الوجود: قد يكون هذا القاع خوفاً مزمناً، أو غضباً مكظوماً، أو كبرياءً مستنفِرة، أو شجاعةً متأهبة، أو قبولاً هادئاً، أو حباً سارياً، أو طمأنينةً راسخة. وهذا الحضور الطاغي ليس حكماً أخلاقياً نهائياً على صاحبه، بل هو توصيف دقيق لمستوى الوعي الذي يقف عليه في رحلته الوجودية الراهنة.
إن تفكيك هذه “الدولة العميقة”، دولة الوعي التي تسكن روح الإنسان، وإعادة بنائها لا يحدث بالمصادفة. قد يتطلب الأمر زلزالاً وجودياً، أو صدمة كبرى تُسقط اليقينيات الزائفة، أو مجاهدة روحية ومعرفية مديدة ومضنية. لكن ما إن يتزحزح هذا القاع الداخلي حتى يتداعى العالم القديم بأسره؛ تنقلب نظرة الفرد لنفسه وللآخرين وللحياة برمتها، وتتبعها بالضرورة ثورة في قيمه ومبادئه وموقعه من الوجود. تتبدل هويته الحقيقية جذرياً من الداخل، وإن ظل اسمه ورسمه وجنسيته وجسده وملامحه كما هي دون أدنى تغيير في دفاتر السجل المدني.
تجسد سيرة “أبي حامد الغزالي” هذا الانقلاب الوجودي، حيث لم يغير اسمه ولا بلده، لكنه تحول من عقلية أستاذ النظامية المسكون ببريق الجدل والمناظرات وسطوة الحجج الكلامية، إلى تجربة روحية ذوقية تحتل فيها المحبة والمعرفة القلبية الصامتة مركز الثقل.
تتعاقب التقلبات النفسية وتتبدل ردود الأفعال السطحية، لكن عندما يتحول المرتكز الباطني، ينقلب مسار البوصلة الإنسانية كلياً. الهوية لم تكن يوماً صكاً موروثاً أو معطىً معلقاً على الجدران، بل هي الوعي الذي يُشكله الإنسان ويتحقق به؛ كينونة حية تقبل الرقي والانحدار، تتسع باتساع البصيرة وتضيق بضيقها.
قد يظل الغلاف الخارجي ساكناً، لكن الروح في باطنها خضعت لإعادة خلق.
إذن هل يمكن أن نقول أن الهوية هي الوعي؟
الهوية هي الوعي.
05 أكتوبر 2026
فكر
