الوصف
تأخذ رواية «زهر الخريف» للأديب والباحث عمَّار علي حسن قارئها إلى عمق الريف المصريّ في صعيد مصر، وتحديدًا في قرية «الوصلية» التابعة لمحافظة المنيا، لتقدّم لوحةً سرديّةً بالغة الإنسانيّة والعمق، ترصد من خلالها حياة البسطاء وتحوّلات الوجدان الجمعيّ في حقبةٍ تاريخيّةٍ مصيريّة تمتدّ من مرارة نكسة يونيو 1967 ومظاهرات الطلبة، مرورًا بملحمة العبور في نصر أكتوبر 1973، وصولًا إلى استعادة طابا وتداعيات عقود السلام والتحوّل الاجتماعيّ والفقر.
تنهض البنية الدراميّة للعمل على أسطورة التآخي الإنسانيّ النبيل الذي يجمع بين شابَّين من نبت الأرض: «علي عبد القادر» المسلم، و«ميخائيل ونيس» المسيحيّ. يستلهم الشابّان قيم المروءة والفروسية من مقاطع السيرة الهلاليّة التي يصدح بها منشد القرية أبو سليمان على ربابته، فيتّحدان في مقاومةٍ شعبيّةٍ فتيّةٍ لحماية قريتهما من بطش عصابات لصوص الليل بزعامة «الدمشاوي» وجواسيسهم. وسرعان ما تنتقل هذه البطولة العفويّة من أزقّة القرية وجسورها إلى الجبهة العسكريّة تلبيةً لنداء الواجب الوطنيّ، ليغادر علي قريته بعد أسبوعين فقط من زواجه بعروسه «وفاء»، ويودّع ميخائيل خطيبته «جورجيت» وأسرته، في تضحيةٍ تؤكّد وحدة الهمّ والمصير.
تنسج الرواية خيوطًا نفسيّةً وشعوريّةً مشحونةً بالوجع الإنسانيّ عبر شخصيّاتٍ تحفر في الذاكرة جراح الحروب وآثارها الغائرة؛ حيث يبرز «إبراهيم» المحارب العائد من حرب 1967 وهو يحمل عجزًا جسديًّا وصدمةً عصبيّةً قاسية بعدما رأى بأمّ عينيه المروحيّات المعادية تجزّ رؤوس الجنود المنسحبين، كما يحضر «رفاعي» بائع الخبز الذي استشهدت زوجته وأبناؤه ودُمّر مخبزه في بورسعيد إبّان عدوان 1956، متسلّحًا بالرضا والبسمة لمداراة فجيعته. ومع انتهاء معارك أكتوبر، يعود ميخائيل شهيدًا في صندوقٍ خشبيّ لتنعزل جورجيت في محراب وفائها الأبديّ، بينما يظلّ مصير عليّ لغزًا معلّقًا بين الأسر والفقد، لتبدأ مأساة الانتظار الطويل التي يتقاسمها والده المكلوم عبد القادر حتى موته، وزوجته الصابرة وفاء، وأمّه التي لا تبرح عتبة الدار، متنقّلةً بين كشف الودع، وقراءة القرآن، وكرامات الأولياء في جبل الطير، وصلوات الكنائس، في تلاحمٍ روحيٍّ وفطريٍّ يعكس أصالة النسيج المصريّ.
تصل الرواية إلى ذروتها التراجيديّة عبر مفارقةٍ قدريّةٍ مروّعة؛ إذ تقضي الأمّ نحبها وهي شاخصةٌ ببصرها نحو المدى على العتبة، وخلال تشييع جثمانها نحو مدافن سفح الجبل بشرق النيل، يلتقي المشيّعون بمحض الصدفة بضابطٍ أزهريٍّ كان يدفن أحد أقاربه، ليكتشفوا أنّه كان رفيق علي في سلاح المظلّات، ويشهد أمامهم باستشهاده البطوليّ خلف خطوط العدوّ حين أصاب صاروخٌ طائرته فقفز بمظلّته المشتعلة لتلتهم النيران جسده في سبيل وطنه. تنكشف الحقيقة في اللحظة ذاتها التي يهال فيها التراب على قبر الأمّ، لتوحي الرواية بأنّ روحي الأمّ وابنها الشهيد قد التقيتا أخيرًا في رحاب الخلود بعد عقودٍ مضنية من الشوق والانتظار، مقدّمةً نصًّا أدبيًّا رفيعًا ينتصر للمحبّة، والتضحية، والوفاء الذي لا ينكسر.




