الوصف
تنطلق المجموعة القصصيّة «بعد موتي» للكاتب الفلسطينيّ أحمد موسى من عتبة وجوديّة قوامها مغالبة الفناء، حيث يستحضر في مستهلّ أوراقه مقولة غسّان كنفاني التي تدعو الإنسان ألّا يموت قبل أن يكون نِدًّا لمصيره. يقدّم المؤلّف نصوص مجموعته بوصفها محاولةً أخيرة للنجاة، وسعيًا لترميم ملامح سُكبت على الإسفلت، وإصغاءً لما تهمس به الجدران والحقائب المتروكة في العتمة. وتتنقّل المشاهد بين أزمنةٍ وأمكنةٍ تتقاطع فيها مآسي حلب وغزّة وأزقّة القدس العتيقة، حيث تتشارك الشخوص شفرةً واحدةً عنوانها رفض الموت المجّانيّ والحرص على ترك أصواتها حيّةً في باطن الكلمات.
تتجلّى في المجموعة نزعةٌ ميتاسرديّةٌ واعية تكسر الحدود التقليديّة بين الصانع وكائناته الورقيّة، وتجعل من الكتابة مسرحًا للصراع على امتلاك الإرادة. يظهر ذلك بوضوح في قصّة «إجرام كاتب»، حيث يجلس السارد بين دفاتره محاولًا تدبير مكيدةٍ لقتل إحدى شخصيّات روايته لعصيانها أوامره، متأثّرًا بمسار اعتراف روديا في رواية الجريمة والعقاب لدوستويفسكي، غير أنّه يُفاجأ في الختام بتلك الفتاة الجالسة قبالته وهي تطوّقه لتعلن أنّها هي الكاتبة الحقيقيّة التي خطّت سطوره وتملك قرار تصفيته وإنهاء دوره. ويتكرّر هذا المنحى الساخر في قصّة «ولاء المسكينة»، حين يلتقي البطل بحبيبته في باحة الجامعة، وبعد فيضانٍ من الشوق والدموع ينفصل عنها ببرود الكاتب، مؤكّدًا أنّ حياته لا تنحبس في شخصيّةٍ ورقيّةٍ واحدة، ومبرّرًا تركه لها بضرورة ختم القصّة الآن مع وعدٍ بلقاءٍ أو زواجٍ في روايةٍ مقبلة.
تحتلّ وقائع الحرب والتنكيل مساحةً غائرةً في العمل، حيث تُنقل الوقائع بحساسيّةٍ تنفر من الاستعراض وتلتقط هول الكارثة الإنسانيّة. ففي قصّة «من يأتيني بأبي»، تنقلب لحظة الإفطار العائليّ في رمضان إلى مذبحةٍ ماحقة إثر غارةٍ حربيّة سوّت البيت بالأرض، ليزحف الطفل الناجي بساقٍ مبتورة حاملًا طرفه المقطوع ورأس أمّه التي طمر الركام جسدها، متشبّثًا بأمل نجاة والده الذي لم يشهد القصف، قبل أن يخبره المسعفون في المشفى بأنّ أباه ارتقى شهيدًا في اللحظة ذاتها بدار عمّه. وتتجسّد شراسة البطش في قصّة «ظل الشجرة» حين تلوذ الأمّ آسيا بطفلها إبراهيم خلف شجرة لوز هربًا من الرصاص والغاز، وحين يفلق رصاص جنديّ رأس الصغير تثور الأمّ بصدرٍ عارٍ لتلقى حتفها برصاصةٍ غادرة مستندةً إلى كتف التراب وحاضنةً وليدها بأنفاسها الأخيرة. كما ترصد قصّة «ثلاثة عشر مؤبدًا» فظائع التحقيق والتعذيب التي يُكابدها فتىً في حيّ شعفاط بالقدس بعد إجباره على الاعتراف بجريمةٍ لم يرتكبها، لينتهي به الحال في قاعة المحكمة محرومًا من محامٍ ومحكومًا بثلاثة عشر مؤبّدًا، قبل أن يُقاد إلى العزل الانفراديّ تمهيدًا لإعدامه.
يمتدّ خيط الاغتراب في نصوص المجموعة ليعاين حصار المكان وارتباك الزمن الفيزيائيّ. ففي قصّة «خارج الزمن»، يتجادل ركّاب حافلةٍ حول توقيت اللحظة الراهنة بين فجرٍ وقيلولةٍ ومساء، ليتبيّن أنّ قطاع غزّة بأسره يعيش خارج إيقاع الأرض وتواقيتها، حيث تدور الساعات حول ذاتها في حلقةٍ مفرغة لا تنتهي. وتكتمل هذه المعاناة في نصّ «معبر رفح»، حيث يُعدّ السارد نفسه للارتحال بعد إنهاء روايته، فيخلع رأسه أمانةً لبيته ويلقي كفنه من الحقيبة متأهّبًا للحياة، غير أنّ قرار الرفض الأمنيّ يعيده قسرًا من الصالة المصريّة إلى نقطة الصفر، فيدسّ كفنه في عمق الحقيبة من جديد بانتظار محاولةٍ ثامنةٍ تائهة.
تتشابك هذه المآسي الكبرى مع انكسارات الذات والأسئلة الفلسفيّة العميقة، كما في قصّة «ابنة عمي» التي يُرغم فيها الشابّ سعيد على ترك حبيبته رزان والاقتران بابنة عمّه الصمّاء البكماء رضوخًا لسلطة المال والعرف العائليّ، ليعود إلى داره خائبًا ومستسلمًا لصمتٍ يفقده القدرة على الكلام. وفي قصّة «سارة»، تدفع الأكاذيب الأسريّة طفلةً محرومةً من أمّها إلى طعن أحشائها بسكّينٍ عقب اكتشافها أنّ والدتها لا تزال حيّةً وأنّ الأب كذب عليها طوال سنين طفولتها. وتتقاطع المأساة العربيّة في «من حلب إلى غزة» من خلال فتاةٍ سوريّةٍ نازحة تبيع علب الكبريت والأغلفة في ساحة الجنديّ المجهول بغزّة، وتلتمس الدفء في كتابٍ قديمٍ استخرجته أمّها من النفايات وآخر أهداه لها كاتبٌ عابر، قبل أن يفاجئها المذياع بخراب حلب واستحالة العودة إليها. أمّا في «الحب أعظم ديانة»، فيرتقي الكاتب بالعاطفة الإنسانيّة فوق الحواجز والبنادق عبر قصّة شابٍّ مريضٍ بالسرطان من غزّة يُعتقل في بيت لحم ويُبعَد عن حبيبته المسيحيّة مريم، مؤكّدًا لحظة الوداع أنّ المحبّة هي الديانة العظمى التي تجمع الأرواح. وتختتم المجموعة رؤيتها في قصّة «بعد موتي»، حيث يسير السارد حاملًا دماغه بين يديه بعد جدالٍ طويلٍ جمع في رأسه المتنبّي بأفلاطون وغسّان كنفاني، مؤجّلًا لقاءه بمن يسأله إلى ما بعد موته، في تأكيدٍ رمزيّ على أنّ الأثر الإبداعيّ هو الحقيقة الباقية التي لا يقوى الفناء على تغييبها.




