الوصف
يقدّم الناقد والروائيّ سيد الوكيل في كتابه «نجيب محفوظ.. في فضاء السرد» رؤيةً نقديّةً مغايرة تنفذ إلى عمق المشروع السرديّ لعميد الرواية العربيّة، متجاوزةً حدود التوصيف المدرسيّ المستقرّ لتدخل في حوارٍ استقصائيٍّ عميق يُسائل الخطاب النقديّ المؤسّسيّ الذي رافق تجربة محفوظ لعقودٍ طويلة. ينطلق العمل من فكرةٍ مركزيّةٍ مفادها أنّ التعاطي الأمين مع نصوص أديب نوبل يقتضي قراءتها بوصفها وحدةً عضويّةً كبرى تتضافر فيها الرواية مع القصّة القصيرة والتأمّلات الحلميّة، بعيدًا عن التجزئة المصطنعة أو القوالب الجاهزة التي قيّدت رحابة هذا الأفق الإبداعيّ.
يشرع الكتاب في هدم تلك القسمة التقليديّة الشائعة التي حصرت القفص السرديّ بين زعيمين؛ فمنحت يوسف إدريس إمارة القصّة القصيرة وتوّجت محفوظ على عرش الرواية، كاشفًا عن أنّ هذا الترسيم الشكليّ المتصلّب تسبّب في غبنٍ نقديٍّ فادح طمس ثلث المنجز المحفوظيّ. ويبرهن الوكيل على أنّ القصّة عند نجيب محفوظ لم تكن يومًا مجرّد حجمٍ كميٍّ أو مشروع روايةٍ مجهضة، بل هي طريقةٌ لرؤية الوجود وزاوية نظرٍ مركّزة تختزن طاقةً دلاليّةً وبنائيّةً تعادل أعتى الروايات؛ وهو ما يتجلّى في نصوصٍ رائدة مثل «فتوة العطوف» و«الخوف»، وفي البنية الأبجديّة الملحميّة لرواية «حديث الصباح والمساء»، والتجلي البينيّ لأعمالٍ تتنزّل على التخوم مثل «قلب الليل» و«ملحمة الحرافيش».
كما يفتح المؤلّف ملفّ ما أسماه بـ«العنف النقديّ» الذي مارسه نقّاد الواقعيّة الاشتراكيّة والاتجاهات الأيديولوجيّة (أمثال عبد المحسن طه بدر، وغالي شكري، وسيد قطب) حين تعسّفوا في استنطاق نصوص محفوظ لحساب قناعاتٍ مسبقة وثنائيّاتٍ حدّيّة، كإقحام الاشتراكية قسرًا أو افتعال مواجهةٍ صفريّةٍ بين الدين والعلم. وينتصر الكتاب لمفهوم «الواقعيّة الإنسانيّة» عند محفوظ، مبيّنًا أنّ بطل نصوصه ليس مجرّد معادلٍ طبقيٍّ أو حاملٍ لعقيدةٍ سياسيّة، بل هو الإنسان المأزوم في تيهه الداخليّ وتنازعه التراجيديّ بين نداء الغريزة، وضلالات العقل، والموروث الروحيّ، مستشهدًا برحلة «جعفر الراوي» في «قلب الليل» واكتئاب «عمر الحمزاوي» الوجوديّ في «الشحاذ».
ويبلغ الكتاب خصوصيّته التحليليّة حين يتقصّى أسرار الصنعة في النصوص المتأخّرة للأستاذ، ولا سيّما في «أصداء السيرة الذاتية» و«أحلام فترة النقاهة»؛ حيث يرصد تحوّل آليّات الحلم والإزاحة والتكثيف إلى نوعٍ سرديٍّ فريد يتجاوز الأطر المألوفة للسيرة والقصّة، ليرقى إلى مرتبة اليوتوبيا التي تعيد إحياء الشخوص الأثيرة (كالستّ عين من «عصر الحب») وتؤسّس لفكرة العود الأبديّ وتحدّي الفناء.
يضع هذا الكتاب بين يدي القارئ وثيقةً نقديّةً رصينة، تصدر عن خبرة روائيٍّ ممارس وبصيرة ناقدٍ محقّق، لتحرّر عالم نجيب محفوظ من أسر التنميط، وتعيد الاعتبار لطاقته التجريبيّة والجماليّة اللانهائيّة.




