حين لا يكون الطريق الآخر بديلًا
عبد الله سعيد الحبسي ـ الإمارات
أدرك الإنسان منذ فجر التاريخ أن الارتهان لمسارٍ واحد مغامرة غير محسوبة، فكانت القوافل تخط لنفسها دروباً بديلة، والبحارة يستقرؤون حركة الرياح قبل ارتياد الممرات، والمدن العتيقة تحاذر أن تبني بقاءها على بوابة وحيدة أو شريان واحد. لم تكن تلك المجتمعات تعرف المصطلحات الأكاديمية لإدارة المخاطر، لكنها وعت بفطرتها أن البقاء رهنٌ بتعدد الخيارات.
واليوم، ورغم امتلاكنا مسارات أسرع، وبنى تحتية أكثر تعقيداً، وأنظمة أشد ذكاءً، يظل السؤال الأزلي قائماً دون تبديل: ماذا نصنع حين ينقطع المسار؟
مفارقة العصر الحديث تكمن في التشابك العميق بين المسارات، فقد نملك ميناءين منفصلين جغرافياً لكنهما يرتبطان بشبكة اتصالات واحدة، أو محطتي طاقة تتبعان نظام تحكم رقمي مشترك، أو مركزاً احتياطياً لإدارة الأزمات يديره الطاقم البشري ذاته المنوط به إدارة المركز الرئيس. هنا يتحول “البديل” إلى مجرد افتراض نظري على الورق، يفقد استقلاليته وفاعليته لحظة الاختبار الحقيقي.
يتجلى مفهوم “الممر” كعنصرٍ محوري في تشكيل الهوية والجغرافيا، ففي مصر، كان النيل شريان حياة لا بديل عنه، والبحران بوّابتين على فضاءين حضاريين، وقناة السويس رابطاً استراتيجياً بين قارات العالم. وفي الإمارات، صاغت العلاقة مع البحر والصحراء والموانئ وعياً مبكراً بالحركة والاتصال، لتتحول اليوم شبكات الطاقة واللوجستيات وسلاسل الإمداد إلى ركائز سيادية في نموذج الدولة المعاصرة.
من هنا يتجاوز التراث كونه سجلاً لماضي الأولين، ليغدو دليلاً على منهجهم في استدامة البقاء، فالمرتحل الذي يحمل ماءً فائضاً في قيظ الصحراء لا يفترض سكب زاده، لكنه يحسب حساب امتداد المسافة، والربان الذي يسترشد بعدة نجوم لا ينتظر أفول دليله، بل يرفض رهن نجاته بنجمٍ واحد.
هذا المبدأ الفطري تحول في زمننا إلى علوم ومنهجيات معقدة، نطلق عليها “خطط الطوارئ”، و”استمرارية الأعمال”، و”المرونة المؤسسية”، بيد أن جوهرها الإنساني واحد: لا تعلق مصيرك بمسارٍ منفرد.
غير أن الدرس الأعمق يكمن في فك الارتباط، إذ لا يكفي امتلاك خيار ثانٍ إن لم يكن محصناً ضد الصدمة ذاتها التي عطلت الخيار الأول. فطريقان يعبران الجسر المهدد نفسه هما في حقيقة الأمر طريق واحد مهما اختلفت المسميات.
يقتضي ذلك مراجعة مفهوم “البديل”، فالبديل الحقيقي ليس خطة احتياطية مسطورة في الدفاتر، بل قدرة تشغيلية تصمد حين تتبدل المعطيات على الأرض. وتلك ليست قاعدة أمنية أو هندسية فحسب، بل ناموس يحكم ديمومة المدن، والمؤسسات، والبشر.
الحضارات التي كُتب لها البقاء لم تكن دوماً الأشد بأساً، بل كانت الأسرع تكيّفاً وابتكاراً للمسارات البديلة حين تنسد المنافذ؛ فما بين بصيرة القافلة القديمة وحسابات غرف العمليات المعاصرة، يبقى الدرس ثابتاً: الاستمرار لا يعني استحالة انقطاع الطريق، بل امتلاك القدرة على مواصلة المسير حين ينقطع.
