أحمد خالد موسى.. حين تتحول الكتابة من وجع الإنسان إلى سؤال الخلاص
حاوره محمود الدخيل ـ الأردن
بين القصة القصيرة والشعر والنص المسرحي وأدب الأطفال والناشئة، يتحرك الكاتب والقاص والشاعر أحمد خالد موسى، محاولًا أن يختبر قدرة الكتابة على الاقتراب من الإنسان في لحظاته الأكثر هشاشة وتعقيدًا. لا تأتي تجربته من منطقة أدبية واحدة، بل تتشكل عبر تنوع الأجناس وتعدد الأسئلة، مع حضور واضح للبعد النفسي والإنساني، والاشتغال على اللغة بوصفها أداة للتكثيف والإيحاء لا مجرد وسيلة للحكي.
أصدر موسى مجموعتين قصصيتين هما «ثلاثُ ليالٍ وليلة» و«بعد موتي»، فيما تتجه مجموعته «ولم أدرِ ما حسابيَه» إلى الطباعة، إلى جانب مشاركاته في إصدارات أدبية مشتركة في القصة القصيرة والشعر العربي. كما يكتب المقالة الأدبية والنقدية، ويشارك في الأمسيات والندوات والملتقيات الثقافية، ويعمل مدربًا في مجالات الكتابة الإبداعية، بما يتيح له أن ينظر إلى فعل الكتابة من موقع المبدع والممارس والمهتم بتطوير أدواتها في آن واحد.
وتتخذ تجربته بعدًا آخر من خلال ما حققته من حضور وتقدير؛ فهو عضو في اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين، وحاصل على الإقامة الذهبية في دولة الإمارات العربية المتحدة ضمن فئة المبدعين وأصحاب المواهب في مجال الكتابة والأدب، كما فاز بجائزة أدبية في ألمانيا عن قصته القصيرة «ليلة التحوّل».
لكن الجوائز والإصدارات لا تكشف وحدها عن جوهر التجربة. ففي كتاباته يبدو الإنسان، بما يحمله من خوف وفقد وأسئلة ورغبة في النجاة، مركزًا متكررًا للنظر. وهو ما يختصره موسى في فلسفته للكتابة بوصفها محاولة لبناء «جسر بين الوجع الإنساني والبحث عن الخلاص»، مستندًا إلى لغة تقوم على التكثيف والمجاز والعمق النفسي.
في هذا الحوار، نقترب من أحمد خالد موسى بوصفه كاتبًا متعدد التجارب، ونسأله عن بداياته، وعن انتقاله بين الشعر والقصة والمسرح وأدب الطفل، وعن علاقته باللغة والشخصية والوجع الإنساني، كما نتوقف عند تجربته في الكتابة الإبداعية والتدريب عليها، وحضوره في المشهد الثقافي العربي، وما الذي يعنيه أن يكتب الإنسان في زمن تتسارع فيه التحولات وتتغير فيه علاقة القارئ بالنص.
حوار يكشف بعضًا من خلفية التجربة، ويترك للكاتب أن يتحدث عن الكتابة كما عاشها، لا كما تُكتب عادةً في السير الذاتية.
- تُعرف القصة القصيرة بأنها فن الخاطفة والتكثيف العالي. كيف تجد نفسك قادراً على رسم عوالم وشخصيات معقدة ضمن مساحة سردية ضيقة مقارنة بالرواية؟ وما الذي تجذبه إليك في هذا الفن تحديداً؟
في الحقيقة أنا أعتبر أن القصة القصيرة تكمن قوتها في كيفية توظيف أسطر ومصطلحات قليلة لإيصال صورة كبيرة وأثر لا يزول، وقد ساعدني في هذا الأمر أنني بالأصل أكتب الشعر قبل كتابتي للقصة القصيرة، ومن المعروف أن الشعر يمكنك من كتابة كلمات معدودة فقط تحمل دلالات واستعارات لغوية وتكثيف المعاني والمصطلحات وهذا الأمر استطعت توظيفه في كتابة القصة بكل متعة… بالاضافة أن القصة لا يمكن ذكرها أو شرحها بالكامل كما يحصل في الرواية فالقصة القصيرة تترك مجالا للقارئ للبحث فيما وراء الأسطر..
- تتميز العديد من قصص المجموعتين بنهايات تترك أثراً تأملياً عميقاً لدى القارئ. كيف تتعامل مع عملية بناء الحبكة، وهل تحكم مسبقاً على شكل النهاية أم تتركها تتشكل تلقائياً أثناء التدفق السردي؟
. بما يخص نهاية القصة وطريقة بناءها لا يمكنني الجذم أنني أمتلك نهاية القصة لحظة البدء في كتابتها، كل ما يهمني لحظة الكتابة هو كيف سوف أكتب ومن أين ابدأ في بعض الحالات تكون الخطة أن تنتهي القصة ضمن فكرة أو حدود أو خطة معينة ولكن تشابك الأحداث وتطورها أثناء الكتابة تجعل للقصة نهاية مختلفة تماما. حيث أنني أعيش القصة التي أكتبها بكامل تفاصيلها وعنفوانها ولا أكون شخصا محايدا في القصص بين الشخوص بل أكون واحد منهم لي دور ومهمة مثلي مثلهم وهذا صراحة ما يجعل القصة ذات نهاية انسيابيه أو ربما في بعض الوقت تكون عبارة عن قرار تمرد للتخلص من عبء ما. يتخذه الكاتب كونه شخص في القصة أو يتخذه أحد شخوص القصة.
فكتابة القصة بالنسبة لي هي تجسيد للحياة التي يعيشها بعض الشخوص في نفوسهم بشكل رئيسي. وليست الصورة الظاهرة.
- ككاتب فلسطيني شاب، كيف ينعكس واقع الاغتراب والشتات على هواجسك الكتابية؟ وإلى أي مدى تعتبر الكتابة وطناً بديلاً أو أداة لاستعادة المكان والذاكرة الجرحة؟
. نبدأ بالشق الثاني من السؤال على صعيدي الشخصي لا أعتبر أن الكتابة وطنا بديلا بل اعتبرها وطن لا يمكنني الانشقاق عنه مهما تغيرت الظروف أو الأماكن، هي المساحة التي تخصني وحدي ويمكنني التعبير عنها بالطريقة أو الأسلوب الذي أراه مناسبا ولا يمكن لأحد فرض ظرف أو طريقة ما.. ككاتب فلسطيني فأنا لي نظرة مختلفة في هذا الجانب حيث أن الاغتراب عن البلد الأم أثر في شخصيتي وأسلوبي الأدبي وحياتي الثقافية بشكل كبير جدا فكان من المهم أن أتجرد من الصورة أو الفكرة التي قرأتها وما نزلت أراها في الأدب الفلسطيني آلا وهي الوصف الكامل أو ذكر الحاصل أو تجميل الواقع أو تحسين الصورة العامة. فكان التحول كيف تنقل الواقع من الداخل البشري من نفسه من قلبه من روحه وعقله ومشاعره، يعتبر الأمر صعبا جدا كما ذكرت سابقا بأنني أعتبر أنني شخص من شخوص القصة فبالتالي أحتاج في كثير من الأحيان لفترة من التعافي. وصراحة أعتبر نفسي أنني تمكنت من صقل الأدب الفلسطيني وتعزيزه وايصاله بطرق غير معتادة على القارئ العربي أو القارئ الأجنبي في المستقبل القريب.
4ـ حملت مجموعتاك عناوين محمولة بدلالات عميقة وموحية. كيف تتكامل تيمات الموت، والغياب، والانتظار، والبحث عن الذات بين عوالم “ثلاث ليال وليلة” وعمق العنوان الفلسفي لـ “بعد موتي”؟
. عناوين المجموعات جاءت دون أي تكلف من جانبي فمثلا عن مجموعة بعد موتي وهي التي أعتبرها بكورة أعمالي القصصية كان قد أنها حد أصدقائي حياته منتحرا ولم يكن أحده يعرفه أو يعرف ما يعيش أو… الخ وبعد خطته وموته بالانتحار انتشر خبره بالحسنى بين الناس.. فكانت قصة بعد موتي تجسيدا لهذا الشخص ولكن بنظرتي للأمر وقد جعلتها عنوانا للمجموعة حتى يتأمل القارئ ويفكر في أبعاد هذا العنوان رغم أنني صراحة تعرضت للكثير من الانتقاد حول اختياري للعنوان بانهم يقولون (ما هذا البؤس أو ما هذا العنوان المخيف) ولكن أدعو القارئ العربي وغيره بالنظر إلى البعد النفسي والروحي للعنوان والنظر للشخوص من حوله.
أما المجموعة الثانيه ثلاث ليال وليلة كان هناك اشتغال على مسألة الزمن والانتظار والعبور عبر عتمات متتالية وهي تعبيرا ضمنيا للعتمة الداخلية التي يعيشها الانسان أو النفس البشرية بكامل تفاصيلها في دواخله بعيدا عن ضوء الخارجي أو ما يراه الناس من أحداث يومية معتادة فماذا يعني أن شخصا ما يبحث عن وظيفة أو أن شاب يريد الزواج… الخ في نظرة العالم هي أحداث عادية تحصل يوميا ولكن في عتمة الإنسان يعتبر الأمر مختلفا فكانت هذه الليالي الأربعة هي المساحة التي يمكنني الخوض فيها وتجسيدها بمنظور الكاتب الباحث عن كل هذا.. وفي المجموعتين التيمات المشتركة هي الأسأله التأملية أو ما يبقى من أثر الانسان بعد موته أو في غيابه المكاني أو النفسي أو الاجتماعي.
. 5ـ لكل كاتب طقوسه الخاصة التي يخلو فيها إلى ورقه. ما هي الأجواء والطقوس التي ترافقك أثناء كتابة القصة؟ وهل تفضل الهدوء المطلق أم أن صخب الحياة اليومية يغذي نصك؟
لكل قصة طقوسها وظروفها مثلا في كثير من الحالات تخطر القصة ببالي من وحي حدث ما في موقف ما مع شخص ما…. أقوم بتدوينها على ملاحظات الهاتف لوقت كتابتها.. إذا أردنا التحدث إلى ظروف الكتابة بالتفصيل نعم أفضل الهدوء التام في البيئة المحيطة كما أسلفت أنا أعيش تفاصيل الحكاية من الداخل فاغترابي المؤقت اثناء الكتابة في الحقيقة أعيشه بحرية وحياة مطلقة في بيئة القصة بكل تفاصيلها بدقة متناهية لذلك لا يمكنني تحديد اجابة واضحة على السؤال هل أحب الهدوء أم الحالة اليومية. لأنني أعيش الظرفين في ذات القصة.
- من اللحظة الأولى للتلهم وحتى خروج الكتاب إلى النور في مجموعتين متتاليتين، كيف ترى التحديات التي تواجه الكتاب الشباب في فرض أصواتهم الأدبية في المشهد الثقافي العربي المعاصر؟
صراحة سوف اتحدث عن صعيدي الشخصي بما يخص التحديات التي تواجهني أولا صخب الحياة وظروفها اليومية تجعل الكاتب الشاب أمام تحدي كبير بين ما يكتب أو أن يعمل بكامل طاقته خاصة اننا في زمن إذا عملت أكلت وإذا لم تعمل لا تأكل فهذا يعتبر من أهم التحديات التي نواجهها في يومنا نريد أن نغذي روحنا بالكتابة والتخلص من عبئنا الداخلي وفي نفس الوقت نريد أن نعيش حياتنا الطبيعية والبحث عن سبل الرزق لنأمن مأكلنا ومسكننا. بالإضافة ان النشر أو ظروف الحياة تجعل منك كاتبا لا يمتلك تكلفة النشر فهذا أيضا من الظروف الصعبة التي نعشيها في خلق مساحة للنشر الورقي خاصة في زحم وزخم النشر الإلكتروني أو النشر الورقي لمن يمتلك المال ولا يمتلك الأدب الذي يمكنك قراءته والحكم عليه بالأفضلية فهذا الأمر يحتاج إلى صبر وطول نفس في السعي والكتابة والجهد في إنشاء نص أدبي يمكنك ايصاله ويمكن أن يكون مرجعا للكتاب والنقاد وحتى للطلاب والباحثين في المستقبل.
- إذا أردت أن توجه نصيحة أو إضاءة للكتّاب الشباب الذين يخطون خطواتهم الأولى في كتابة القصة القصيرة، فماذا تقول لهم من واقع تجربتك؟
. النصيحة التي أريد توجيهها هي أن على الكاتب أن يقرأ أكثر مما يكتب وعلى الكاتب أن يقرأ في مجالات عدة ولكتاب كثر وأن يحفظ ويبحث في ثقافات الشعوب وتاريخهم حتى يتمكن من كتابة النص الأدبي الذي يمكنه. أن يقول أنا صاحب هذا النص بكل جرأة….
8ـ كيف تقيم تجربة نشرك في “الراصد للنشر والترجمة والتوزيع” وهل يمكن أن توصي بها أحد من أصدقائك أو معارفك لو طلب منك ترشيح دار نشر؟
- نعم صراحة ما دفعني للتعامل مع دار الراصد للنشر هو اهتمامهم. بالكاتب واهتمامهم بالنص المكتوب دون محاباة أو تمييز ولقد وجدت فرصتي الثمينه معهم في التحرير والاخراج والتصميم وعلى أعلى مسوؤلية في حفظ وقتهم ووقت الكاتب في عملية النشر والاعداد حسب الخطة الموضوعة والمتفق عليها وأنا على ثقة بعملية التوزيع والكتابة الإعلامية ستكون على أعلى مستوى في المستقبل القريب. نعم أوصي بها الاصدقاء والمعارف والسائلين وبالفعل بدأت بذلك… فأنا أشكرهم جميعا وأقدر جهودهم الدكتور أحمد عبد الجواد والاستاذ سعاد والدكتورة انجي. وجميع العاملين خلف الكواليس.
