حوار الشاعر أحمد سراج
“صوت مزعج في زمن الصمت: اعترافات أحمد سراج”
حاوره: مصطفى علي عمار
من الميدان إلى الحصار: حين يصبح الإبداع سلاحاً
فخ النعامة: لماذا خذلنا أشجارنا وأوطاننا؟
هو شاعر الميدان وروائي القرى ومسرحي الحصار. في جعبته 11 مسرحية وديوانين ورواية وكتب نقدية عن عمالقة مثل جمال حمدان ورفعت سلام.
أحمد سراج لا يكتب ليدون فقط، بل يكتب ليقاتل. انتقل من قاعات الجامعة إلى استوديوهات اليوتيوب، ومن المناهج الدراسية إلى خشبة المسرح.
فهو شاعر وروائي ومسرحي وناقد. صاحب 11 مسرحية وديوانين ورواية وأربعة كتب نقدية. انتقل من قاعات الدرس إلى المناهج، ومن الصحافة إلى اليوتيوب
في هذا الحوار الجريء يتحدث عن أزمة المسرح المصري، موت الشعر، علاقته بالسلطة، ولماذا اختار أن يكون “صوتاً مزعجاً” في زمن الصمت.
.و عن أزمة الإبداع في مصر، وعلاقة المثقف بالسلطة، ولماذا اختار الكتابة سلاحاً.
★ صدر “الحكم للميدان” عام 2011 ثم توقفت عن الشعر أحد عشر عامًا حتى “غرب الحب الميت”. ماذا حدث خلال هذه السنوات؟
اتهمت العذراء ورجمها أهلها، شوهت من عدة أطراف ثورةٌ أرادت خيرهم، أرادت تغيير العالم وليس مصر فقط للأفضل، تستطيع أن ترى ذلك في بناء الديوانين؛ فالحكم للميدان قسم قسمين كان الأول يوميات للثورة لهذا تركز قسم كبير من الدراسات الأكاديمية والنقدية عن” شعرية الشهادة الثورية” بحسب تعبير الدكتور سامي سليمان، أو التوثيق الفني بحسب آخرين، أما القسم الثاني فكان “من وجع الفتى” وضم قصائد مما قبل الثورة.
في “غرب الحب الميت” الذي بدأت كتابته مع أيام الشك في ٢٠١١ تجد مراجعات المنتصر المهزوم.. الهزائم غير المنكرة، والانتصارات المسلوبة.
لتدرك الفرق بين الديوانين فيكفي أن قصائد “الميدان تحرير” أو “موقعة الحمل” أو “لك الخيار” كتبت في لحظة الحدث، أما “لا عودة” مثلا؛ فقد أعيدت كتابتها على مر ثماني سنوات.. وأن “أسف جدا” ظلت كطيف أبحث عن قطعه المختفية في كل مكان لسنوات.
★ مسرحيتك “الأرض الأخيرة” 2025 يحمل دلالة قاتمة. عن أي أرض تتحدث وعن أي نهاية؟
منذ صرخ طفل جولدمان “أرى الملك عاريا” ونحن نتبعه وإن همسًا؛ لكن تفكيك الوهم فنيًّا ليس بهذه السهولة؛ في الأرض الأخيرة ثالثة النصوص الأندلسية أنت أمام ملكٍ ما زال الخطباء يحكون قصته إنه الذي داقع عن الأندلس وأعطاها قبلة الحياة خمسة قرون، صرخ: “لأن أرعى جمال العرب خير لي من رعي الخنازير” وما زال العشاق يتبادلون قصصه وأشعاره، لكنك أمام معضلة: كيف انتهى أسيرًا ذليلًا على رسغيه وعقبيه؟ هل كانت أشبيلية هي الأرض الأخيرة أم أغمات أم كانت المعتمد نفسه؟
المسرح توتر لا يبدأ من النص المكتوب ولا ينتهي بانتهائه، هكذا هو لكاتبه ولقارئه ولمشاهده، يبنى النص على سؤال محوري؛ ما أثر الاستبداد الشرقي على المستبد نفسه؟ لقد خاض المعتمد حرب بلاده ضد الغزاة/ البرابرة، وحين انتصر تخيل نفسه يملك الأرض وما عليها.

★ أصدرت إحدى عشرة مسرحية مقابل ديوانين فقط. هل المسرح هو أداتك الأخطر، وهل ترى أن الشعر لم يعد قادرًا على التأثير؟
بالنسبة لي هناك فارق بين كتابة قصيدة أو نشرها، وبين كتابة ديوان أو نشره، وبين كتابة مسرحية أو نشرها، لدي قصائد من 1997 لم تنشر، ولدي قصائد في الديوانين المنشورين لم أنشرهما في أي موقع، ولدي دواوين أشعر أنها تحتاج إلى قراءة ثانية؛ كان ديواني “غرب الحب الميت” شبه مكتمل في عام 2014 لكنني أخذت سبعة أعوام في إعادة قراءته/كتابته، أما المسرحية الواحدة فهي كالقصيدة الواحدة إن أنهيت كتابتها، وما إن تظهر فرصة مناسبة لنشرها حتى أسارع إلى ذلك، الشعور باكتمال النص هو ما يدفعني إلى تأخير النشر، وربما تفاجأ حين تعرف أنني أحتفظ بمصادر وخطوط مسرحيات لم أنته منها،فمنذ2009 لدي مخطط مسرحية عن حركة التوابين، عن الكوفة بعد استشهاد الحسين.
★كتبت “لمسة البعث” مسرحية شعرية. هل تؤمن بإمكانية بعث المسرح الشعري في مصر اليوم؟
للمسألة وجوه متعددة منها:
(أ) مصر المبدعة كل شيء حي فيها، ثم (كيان) يسكنه مرتزقة وخونة وأشخاص بلا مبادئ يتعانقون إن التقوا ويتطاعنون إن تظاهروا، أكثر لافتة تكرارًا في المسارح المصرية هي “كامل العدد” لكنك حين تتجاوزها وتدخل المسرح لن تجد شيئًا؛ لماذا؟ لأن شللًا تسيطر لمصالحها الشخصية، ما النتيجة؟ تراها في عرض الملك لير لسنوات ممتدة.. فهل يعني هذا تأكد صانع القرار من أنه لا نص في مصر، ولا إخراج في مصر سوى هذا؟
مع تحكم الحفدة الأخيرين لخوسيه أركاديو في مجالات النشر والعرض والجوائز فلن ترى بسهولة الأدب ولا الفن ولا المسرح عامة ولا المسرح الشعري، كي ترى الفجيعة أحضر قائمة المرشحين لجائزة الدولة للتفوق مثلا فرع الآداب أو العلوم الاجتماعية، وقارن بين أسماء من استبعدوا من القائمة الطويلة وبين من وصلوا للقصيرة، ثم انظر للفائز مقارنة بمن لم يفز.
(ب) المسرح شعري خلاصة فنين بمقوماتهما ومحدداتهما؛ وعلى كاتبه أن يحفظ لكل نوع عناصره الأساسية، المسألة أشبه بتفكيك لغم؛ الوزن الشعري قد يفرض إيقاعًا غنائيا، والحوار الدرامي يستلزم تصادمًا مع العروض، وجدتها.. ثمة أكذوبة اخترعها اليهود حين هزمهم البابليون تقول إن أهل بابل بنوا برجا وجمعوا فيه أمهر البنائين ليصعدوا للسماء فتبلبلت ألسنتهم.. مهمة كاتب المسرح الشعري أن يخلق التناغم بين هؤلاء الفنانين المهرة.

★ عملت محررًا أدبيًا ومراجعًا لغويًا. هل تتحمل اللغة مسؤولية تدهور الذوق العام؟
يتحمل المسؤولون منذ الانفتاح تدهور الذوق العام وتدهور اللغة؛ فقد كانت العامية المصرية في نطاق الفصيح غير المنون، أو إبدال همزة بقاف، أو التوسع في ترقيق الهمزة، مع وجود كلمات من اللغات السابقة في مصر، وظل دخول غير العربي قليلا ومفهوما حتى جاء انفتاح السداح مداح وضربت الألفاظ غير العربية بنية العامية واحتلت محل مفرداتها، وهكذا إن وقفت في ورشة تصليح سيارات فستشعر أنك أمام لغة مختلفة.
في تسعينيات القرن العشرين انتبهت أجهزة في مصر إلى زيادة عدد المدارس (الإسلامية) بفعل إقبال الناس عليها لأنهم رأوا أنها تقدم تعليمًا متميزًا، كان هناك خبراء في الوزارة وقتها فتوصلوا إلى إنشاء المدارس التجريبية أو ما يعرف اليوم بالرسمي لغات، لكن الخطأ كان تدريس اللغات الأجنبية منذ الالتحاق بالنظام وهو ما تعارضه الدراسات العلمية لأنه يشوش إدراك الطفل، وبدلا من تدارك الخطأ عممت دراسة لغة أجنبية على كل الطلاب.
الآن ولأول مرة منذ تدريس اللغة العربية في مصر تخلو مناهجها من نص قرآني أو حديث شريف، لم يحدث هذا قط، والكارثة أن للغة مصادر بإبعادنا لها نضعف بنائها في عقل الدارس، عدت للمناهج التي أعدت وقت الاحتلال الإنجليزي فلم أجد ذلك.
نحن لا نستخدم الفصحى في حياتنا اليومية، ولا نجدها في الدراما، واستمع لتعليقات الناس على كلمة وكيل الأزهر أو قراءة وزير التعليم لآية قرآنية، بعد ذلك تريد أن نحاسبها على تدهور الذوق!
★ كتبت عن جمال حمدان ورفعت سلام بعد رحيلهما. لماذا نكرم الراحلين ونضيق على الأحياء؟
سؤال مهم وصحيح.. ولهذا أكرس نشاطي الثقافي في الكتابة عن الإحياء؛ كتاب النهار الآتي صدر ورفعت سلام حي وسبقه ملف (نموذج) في أخبار الأدب، وبني على أساس هذا الملف ما تلاه، شارك في النهار الآتي نقاد وشعراء من الوطن العربي كله، طاف رفعت سلام معي مصر شمالا وجنوبا في مناقشات الكتاب، أقامت الاهرام ندوة لست ساعات ونصف، أخذت إحدى عشرة صفحة.
كتاب النهار الآتي ضمن مشروع أدب المصريين الذي يحتفي بالتجربة الإبداعية للكتابة المصرية، شارك في الكتاب الأول ستة وستون كاتبًا حيًّا، والكتاب القادم “الطمي والسحاب” عن سارد مصري، ويشارك فيه قرابة ثمانين كاتبًا.
السؤال لشخص آخر لأن منتدى “الربيع الأول” الذي، كان بالتعاون مع دار ابن رشد ناقش عشرات الكتاب، وعلى مدار خمسة أعوام ناقشنا كثيرا من الكتابات والكتاب المصريين في “منتدى الاستقلال”
لا يعني هذا نسيان الرموز المصرية كحمدان وزكي نجيب محمود والأهواني وأحمد بهاء الدين، لكنني مهتم بمن هم على قيد الحياة جدًّا.
★ كنت عضوًا في لجنة تأليف المناهج بدار الشروق. هل يتعمد التعليم المصري قتل الإبداع؟
مرة سألني طالب عن مخترع التعليم ليقتله؛ التعليم نظام منبثق من نظام الدولة، تؤثر فيه عوامل منها توجه الدولة وكفاءة القائمين عليه؛ فحين كانت مصر محتلة من الإنجليز طالب عبد العزيز جاويش الجنرال جلوب مسؤول الاحتلال أن يكون التعليم المصري كالإنجليزي، فرد الرجل رافضا: هل تريد مساواة سادة التاج الإنجليزي بعباده؟
أول ما فعل الوالي عباس هو تقليص التعليم وإنهاء البعثات قائلًا: الأمم الجاهلة أسلس قيادًا من الأمم المتعلمة؛ مكانة التعليم تحدد توجه النظام ووطنيته وأولوياته.
تجربة الشروق التي كان حصيلتها أربعة مناهج دراسية كانت تجربة مفيدة ومؤلمة، مفيدة لأن فريق أكاديميا وتربويا نفذ المعايير بدقة وأخرج كتبًا مثالية، مؤلمة لأن الكتب الفائزة عرفت كيف تؤكل الكتف.. تخيل مثلا أن كتاب الثاني الإعدادي لإحدى الدور فاز لأن وحدته الأولى عن التوريث، وحين قامت الثورة غير الخبراء هذا المحتوى.. تعرف بماذا؟ بدروس من كتب الشروق.. منها “عالم من ذهب” الذي جعل محوره الدكتور مصطفى السيد.
التعليم المصري يواجه حربًا شرسة، عجز معلمين يكسر نصف المليون معلم، توقف بناء مدارس، ضعف مناهج، انفصال المحتوى عن المقومات الأساسية للدولة، انعكاس اضطراب المشروع القومي أو غيابه عليه، وقد تكون الدولة في أسوأ حالاتها ويتولى مثقفون وطنيون فيظهر هذا في أدائهم؛ فأيام الاحتلال كان وزير التعليم طه حسين عَلَم الاستقلال والتجديد ففرض مجانية التعليم الثانوي.
★ تركت الصحافة الورقية واتجهت لتقديم “تقدير موقف” و”سيرة” على اليوتيوب. هل اليوتيوب هو المنبر البديل الوحيد للمثقف؟
ما الصحافة؟ أظنها قسمان هناك محتوى مؤطر ينقل الأمر عبره؛ خبر، حوار، مقال، تحقيق، تقرير، وهناك وسيط؛ الورق، الفضاء الإلكتروني.
من هنا فبرامج البودكاست مِن تطور الصحافة، فما أقدمه هو حوار مستطرد كما درسنا في كلية الإعلام، لكن الوسيط اختلف، نحن أمام وسيط يسمح لك برؤية الضيف أو سماعه، وتقييم الحوار.
لقد تأخرت الصحافة المصرية عن دخول العالم الرقمي بفعل فاعل يجب محاكمته، انظر لمواقع الصحف القومية وقارنها بالصحف والمواقع العالمية لتعلم كم نخسر يوميًّا.. قارن بين موقع بي بي سي واصله إذاعة وبين ما تشاء.
لهذا لم يكن اختياري للبودكاست تركا للصحافة الورقية، علاوة على أنني انشر مواد صحفية وثقافية في الأهرام وملحق عمان والمشهد والقصة.
لكن اختيار البودكاست له أسباب إضافية تكتشفها حين تمسك برؤية البرنامجين؛ تقدير موقف يناقش كتابًا أو مجموعة مقالات أو عمل محدد ومنه ينطلق لتقدير موقف الكاتب كله، أما سيرة فهو برنامج يعرض سيرة كاتب أو كتاب أو موقع ثقافي مؤثر.

★ عناوين مثل “القرار” و”زمن الحصار” و”فخ النعامة” توحي بالمواجهة. هل استطاع المسرح كسر أي حصار فعلًا؟
مع الفارق الكبير.. وهل استطاع الأنبياء عليهم السلام المرسلون المؤيدون من الله عز وجل أن يجعلوا زوجاتهم تؤمن؟ وهل استطاع التنويريون والمصلحون في أي عصر أن يشهدوا انتصارهم؟ راجع فقط نهايات طه حسين وجرامشي وطلعت حرب، نحن نحاول.. ربما عبر ضوء كضوء “نورا” في بيت الدمية، مهمة المبدع أسهل إلى حد بعيد من مهمة المصلحين؛ فالعمل الجيد يطهر قارئه، ينقذه ولو لساعات من هذا الحصار الجنوني.. استعد شعورك وأنت تقرأ أو تشاهد مأساة الحلاج، التطهر والإحساس بالإنسانية.. يذهب الناس للمسرح ليشاهدوا شروط حياتهم المعاصرة لا ليتأملوا صراع الآلهة على جبال الأوليمب.
★ هل تعرضت للمنع أو المصادرة من قبل؟ ولماذا يصمت المثقفون عن الحديث عن الرقابة؟
من يمنع من؟ المانح قد يمنع عطاياه عن كاتبه، ولم أكن مادحًا لأحد، المجلات والندوات الثقافية الحكومية لا يقرأها كتابها فهل إن رفض مدير بيت الشعر (الست وسيلة) طلب شاعر شاب أن يناقش أحمد سراج ديوانه فهل هذا منع؟ وقِس على ذلك برنامج معرض الكتاب.. حضور الكاتب او المثقف ندوة يضيف إليها لا إليه.
بخصوص صمت المثقف، لدينا كتاب وفنانون ونقاد لا مثقفون، ذو الموهبة أو الدراسة أو الخبرة هو (تقني معرفة) يقدم منتجًا أو خدمة مقابل أجر ما دام يبحث عن شهرة أو مبيعات فقط، ينتقل إلى خانة المثقف حين يحاول تحسين وطنه لا تحسين ظروفه الشخصية؛ لذلك لا تقل لي إن هؤلاء المتصارعين على فتات حظيرة فاروق حسني وتابعه عصفور ومن ورثهما مثقفون.
★ من كلية التربية بالمنوفية إلى الإعلام بالقاهرة إلى التعليم الإلكتروني. أي هذه المحطات غيرت مسارك أكثر؟
لكل مرحلة تأثيرها في جامعة المنوفية كانت شبين مدينة المكتبات والندوات والمبدعين زجاجة العطر التي سأظل أتعطر منها، جاءت دراسة الإعلام مع غزو العراق ونهضة الصحافة الورقية المليونية، وجاء التعليم الإلكتروني مع الثورة وفي الرياض التي يحرص رجالها على توفير كل شيء أولا بأول، لكنني عدت معتقدًا أن مصر ستغزو هذه العوالم وتأخذ مكانتها فإذا بها تغرق في ظلام سرمدي من الغلاء، وتراجع خدمات التعليم والصحة بما يقوض أي بنية تحتية، وهذا من أسباب ضعف منصاتنا الرقمية وتحول المؤسسات الصحفية القومية إلى عبء وإغلاق الصحف والمواقع الخاصة المستمر.
★ كتبت للأطفال “الحذاء الأحمر” و”تبسيط سندباد مصري”. هل فقدنا الطفل فعدنا نخاطبه بالأدب؟
الأطفال هم النبت الذي سيصير شجرا، واهتمامي للطفل كبير تجده في النحو البسيط الذي زرت به مدارس ومحافظات ومعارض، ولأنني مولع بالكتابة وبتحويل المحتوى إلى أكثر من شكل فستجد قصص أطفال أو مسرحيات أو قصائد.
يقولون إن كاتب الأطفال مظلوم لأنهم لا يذكرون اسمه، لكنني أرى أن دورهم شديد الأهمية والحساسية فمعظم قراءتنا تكون في الصغر، وقوة تأثير المقروء أكبر، ونسيانه أقل، وتسربه إلى السلوك أشد.
الطفل وهو وفق المواثيق من لم يبلغ الثامنة عشرة، له سمات تميزه ويحتاج إلى كتابة تخاطب قدراته ومعارفه المتجددة وميوله المتعددة.

★ بعد 28 عامًا من الكتابة، أي نص من نصوصك تخشى أن يُمحى من الذاكرة؟
أكتب بصدق مجتهدًا لذلك لا أخشى من المحو، ذات يوم فوجئت بمقال نشر في الحياة اللندنية كتبه ناقد سوري أو تركي ذكر في مسرحيتي الأولى زمن الحصار في سياق مقارنة النصوص التي كتبت عن الأندلس، فتحت البريد الإلكتروني مرة فوجدت رسالة من محرر دار نشر يونانية يطلب مني إجراء حوار يقدم به الترجمة اليونانية لمسرحيتي “لمسة البعث”.
حين كتبت مقالي “ساويرس جيت” عن عضو لجنة تحكيم يحكم في فرع تقدم له أخوه، وكان هناك محكم وردت نصوصه في الكتاب نفسه، فاجأتني سهير المصادفة برسالة مفادها أن رئيس تحرير سلسلة دراسات أدبية له ملاحظات على كتابي “أدب المصريين شهادات ورؤى” وبمناقشتها فهمت أنها تريد أن أقابل رئيس الهيئة ونائبه [أحدهما كان محكمًا والثاني صاحب الكتاب] حكيت ما حدث للشاعر الكبير رفعت سلام فعرض علي أن يتدخل ليعرف ما الذي يجري، طلبت منه أن يبتعد لأن الأمر لا يليق، هي صفقة؛ اسكت عن المخالفات، ننشر لك. وقتها قال لي: “لا تحزن إذن، فما دمت قد أتممت الكتاب، فسينشر”. ونشر الكتاب وسيبقى وسيبقى مشروع أدب المصريين شجرة أو بذرة.
★ ما هو “فخ النعامة” الذي وقع فيه المثقف المصري برأيك؟
الصمت، وانتظار الفرج من حيث أتت العتمة، ليس المثقف المصري فقط، بل كلنا حين نتأخر، حين كتبتُ هذا النص كان يحركني توترٌ من تناقض شخصية الحارث بن عباد الرجل القوي في ملحمة الزير سالم، كيف يترك الحرب تأكل أصحابه وجيرانه ويعتزل قائلاً: “هذه معركة لا ناقة لنا فيها ولا جمل” ثم تدور الأيام ويقتل الزير ابنه في مشهد مهين صارخًا: “بؤ بسشع نعل كليب” وينزل الحارث ليدرك ثأر ابنه، لكنه وفي مفارقة موجعة يترك الزير ويقتل من دافع عن ابنه.
كان الحارث مثلي ومثلك.. نعامة تضع رأسها – كما تقول الخرافة – في الأرض خوفًا في حين أنها قادرة بضربة واحدة على أن تشق خصمها نصفين.
★ تكتب الشعر والرواية والمسرح والنقد. ألا ترى أن هذا التنوع يشتت هوية الأديب؟
لن تجد كاتبًا ينشغل بنوع واحد؛ نجيب محفوظ كتب إحدى عشرة مسرحية وأولما عرفه الناس مترجمًا، لا أعرف السبب لكنني أعتقد أن من يكتب الشعر يستطيع كتابة بقية الفنون، ربما لأن في الشعر كل الفنون، لا تضحك إن أخبرتك أنني قرأت لامية العرب باعتبارها قصصًا مشوقة؛ وفكرت في كتابة دراسة عن المتنبي مسرحيًّا، وأن قصيدة “عودة ذي الوجه الكئيب” لعبد الصبور هي قصة كاملة الأوصاف.
★ في زمن السرعة والسوشيال ميديا، من يقرأ المسرح الشعر؟
في كل الأزمنة هناك من يقرأ من يصدق أن “أجاممنون” تقرأ الآن بعد آلاف السنين، وأن بردة البوصيري تملأ السوشيال ميديا، وأن “انتظرها” لدرويش نغمة محمول لطالبة جامعية، حين تكتب ما يعبر عن الناس سيقرأ.
★ سؤال أخير: لو خيرت بين أن تكتب بحرية ولا ينشر لك، أو أن تنشر مقيدًا، ماذا تختار؟
لا أتصور الكتابة وفق قيود، ولا أحد يستطيع أن يمنعني من النشر، إن كنت تقصد في المجلات البائسة والندوات المنكوبة فالكتابة الحقيقية هي ما تزيل البؤس والنكبة.. الكتابة حرية.. والحرية حياة.
★ ما الشيء الذي ندمت على كتابته، ولو عاد بك الزمن لحذفته من تاريخك؟
أول قصة منشورة كانت عن صحفي رأسه تمتلئ بأحداث صبرا وشاتيلا، وآخر مسرحية كتبتها عن محاكمة “كليلة” لنفسه ولأخيه وللغابة، وروايتي “تلك القرى” عما جرى للمصريين في العراق في زمن الرحلة الكبرى.. فأين أعثر على ما أخجل منه قيميًّا أو جماليًّا؟
★ عشت بين التعليم والصحافة والمسرح واليوتيوب. في أي ليل بكيت على حلم لم يتحقق بعد؟
يحزنني ألا تصعد مسرحياتي لخشبة المسرح، لكنني حين أعرف أسباب عدم حدوث ذلك يأتيني سؤال: هل تكتب كما يريدون فيعرض أو تكتب ما ينبغي وتترك الأمر لخالقه؟ في عام 2014 عرضت مسرحيتي “القلعة والعصفور” مترجمة في مهرجان صوت العالم بأمريكا، وحين عرضها مخرج مسرحي على مدير فرقة مسرحية قال له: “المسرحية فيها ملك ووزير.. ومينفعش نطلع ملك ووزير على المسرح اليومين دول”.
في التعليم كل يوم أنام وأنا أدعو الله أن يفرج عنا وعن أبنائنا هذه العتمة، فما يمارس ضده جرائم كبرى، تخيل أننا حتى هذه اللحظة بلا منصة تعليمية مصرية متوسطة، أنظر لمنصة إدراك بغبطة وأقول بحسرة: أين نحن؟
في الصحافة أنا مهموم جدًّا بتدهور هذه الصناعة التي تزدهر في بلاد كثيرة، تدر ربحًا، تستقطب جمهورًا، تنتج وثائقيات..
لدي أمل؛ أن أحقق ما أريد، وعلي عهدٌ؛ أن أحاول.
★ لو وقفت الآن أمام جيل الشباب وقالوا لك: “أنتم خذلتمونا”.. بماذا ترد عليهم؟
أتمنى أن تتوقف التهمة عند الخذلان، نحن لم نستطع أن ندافع عن أشجار تُقطع، ولا عن أراضٍ تقتطع، ولا عن شهداء يتساقطون على الطريق، ولا عن بلاد يلتهمها العدو، أخشى أن نكون بتخاذلنا العدو.. أن نكون البرابرة.. في قصيدتي “لا عودة” من ديوان غرب الحب الميت (2021) حاولت ارتداء قناع أوديسوس صاحب خدعة “حصان طروادة” لكن ما جرى كان غير ذلك، فقد ارتدى البطل أسئلتي عن الشعور بالهزيمة والخذلان، وفي قصيدة “اعتراف مكرر ومتأخر” ستجد:
وعلى مذبح النادمينَ
أسائلُ عن أصحابِ إمامي
المصلوبِ على رايةِ أهله
عن ليلى
عن صوتٍ لا يخدعُ أهله
لا شيءَ سوى الحبِّ الميتْ
لا شيءَ سوى العرَّافِ الموهن
