جماليات التناص وأنماطه الدلالية في شعر طلعت المغربي
أ/عدالناصر عبدالمولى
شاعر وناقد -عضو اتحاد كتاب مصر
مقدمة
يشكل التناص بنية أساسية متينة عند الشعراء , لاسيما التناص أو الاقتباس من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة, وظهر ذلك جليًا في نصوص الشعراء الإسلاميين-(المكثرين من استلهام القضايا الدينية في أشعارهم)- , حيث يكون الدين منبعًا أصيلاً لاستقاء المعاني والدلالات من النصوص القرآنية والسنة النبوية, ولا يقتصـر التناص عند الشعراء الأصوليين عند النص القرآني والحديث والسنة النبوية بل ينداح ويتسع إلى التناص مع المقولات الفقهية ومع الحكمة الأمثال, ومع أبيات قصائد الشعراء السابقين.
ويُعد “مصطلح التناص من المصطلحات التي جاءت تعبيراً ثائرًا على مرحلة ما بعد البنيوية التي عزلت النص عن أي سياق خارجه، سياسيا كان أم اجتماعياً ، ليبقى النص سياقًا لغويًا وبنيةً تكون صوناً للذَّة، كما أشار إلي ذلك رولان بارت، وإذا أردنا أن نعرّف التناص تعريفاً موجزاً فإننا نقول إنه :دخول نص حاضر مع نص / نصوص غائبة في حوار بينهم من خلال استدعاء الحاضر للغائب بكيفيات مختلفة في جدلية تعيد انتاج كل منهما في المفاهيم والرؤى ، ما يمنح النص حيوات متجددة ومتباينة تفّعل دائرة التلقي بين الباث / المبدع ، والقارئ / المتلقي.”[1]
و” لم تعرف الدراسات العربية القديمة التناصية أو التناص اسمًا مشتقًا فهي معدومة في معاجمنا وكتبنا القديمة, والأمر ذاته ينطبق على الدراسات الغربية, وهذا لا يعني إطلاقًا عدم معرفة العرب للتناص منهجًا للبحث الأدبي على العموم أو الشعري أو النقدي على وجه الخصوص, إذ أننا نجد ملامح الدرس التناصي في صورة تقترب كثيرًا مما هي عليه اليوم”[2]
“ومما ما يدل معرفة العرب لمفهوم التناص، وحضور النصوص القديمة في النصوص الجديدة، تلك الطريقة المشهورة لتعلم نظم الشعر، والمتمثلة في قراءة أشعار العرب وحفظها ثم نسيانها، وقد ذكر ابن خلدون هذه الطريقة في مقدمته، وعلق الناقد الجزائري عبد المالك مرتاض على ذلك قائلا: “أو ليس هذا هو التناص؟ أو ليس هذا هو حوار النصوص السابقة مجسدة في النص الحاضر المكتوب، فيما يزعم الحداثيون الغربيون على الأقل؟”[3].
تعريف بالشاعر وتجربته/وأهم مصطلحات البحث:
أولًا الشاعر وتجربته:
طلعت محمد يوسف محمد المغربي، المعروف أدبيًا بـطلعت المغربي، أصدر عددًا من الدواوين، منها: أشتاق أنظر وجهه»، «القدس عائدة لنا»، «فداك أبي وأمي يا حبيبي»، «بوح السالكين»، «قامت تصلي»، «أميرة الحسن»، «ضراعة قلب»، و«الشعر يورق حسنًا”، وغيرها من الأعمال الشعرية.
نال عضوية اتحاد كتاب مصـر ورابطة الأدب الإسلامي العالمية، وشارك في العديد من المؤتمرات والمهرجانات الأدبية، وقد تُوّج حضوره الإبداعي بترشيح إحدى قصائده «أشتاق أنظر وجهه» ضمن أفضل ثلاثين قصيدة في جائزة كتارا لشاعر الرسول ﷺ عام 2016، وظهرت أعماله في معاجم شعرية مرجعية مثل معجم البابطين، وموسوعة الشعر المصـري الفصيح، مما يؤكد مكانته في خارطة الشعر العربي المعاصر.
ثانيًا: توضيح مصلحات الدراسة
التناص لغةً:
التناص من” مِنْ قَوْلِهِمْ نَصَّصْت المتاعَ إِذا جَعَلْت بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ. وَكُلُّ شَيْءٍ أَظْهرْته، فَقَدْ نَصَّصْته “[4]
وهو بهذا المعنى اللغوي لا يفارق معناه الاصطلاحي من حيث أن التناص هو تفاعل وتداخل بين النص الحاضر ونصوص أخرى غائبة او متفاعلة مع النص.
التناص اصطلاحًا:
التناص (intertextualite):
مفهوم أدخلته (جوليا كريستيفا) إلى حقل الدراسات الأدبية، في ستينيات القرن العشرين، بعدما استمدته من (باختين) مكتشف مفهوم الحوارية البوليفونية، أي تعدد الأصوات ، وجعلته وظيفة تناصية تتقاطع فيها نصوص عديدة في المجتمع والتاريخ وأسمته (الإديولوجيم)ولكن تسمية التناص هي التي تمكنت من الشيوع وذاع صيتها بشكل موسع وسريع وعنه تولدت مجموعة من المصطلحات ليصبح بمثابة البؤرة في مجال النقد الحديث، ومن هذه المصطلحات التي انبثقت عن التناص: التناصية، المناص، المتعاليات النصية، و الميتانص وغيرها..”[5]
ومن معاني التناص أنه “إدراك القارئ نص ونصوص أخرى قد تسبقه أو تعاصره”[6]
ولم يستعمل لفظ التناص عند العرب قديمًا إنما جاءت ألفاظ تدل عليه كالاقتباس والتضمين والتلميح والاستشهاد.
وتعرف جوليا كرستيفا التناص بأنه : ” نصوص يتمّ صناعتها عبر امتصاص , وفي نفس الآن عبر هدم النّصوص الأخرى للفضاء المُتداخل نصّيا , فالنّصّ الشعري ينُتج داخل الحركة المعقدة لإثبات ونفي متزامنين لنصّ آخر”[7]
وقد استعمل سعيد يقطين مصطلح التفاعل النصي بديلا عن التناص رأى أنه أعم وأوسع من التناص، فقال: “إننا نستعمل التفاعل النصي مرادفا لما شاع تحت مفهوم التناص أو المتعاليات النصية”[8]
والشاعر طلعت المغربي يمتلك موهبة عالية في تحويل النص القرآني والحديث النبوي إلى بيت أو أبيات شعرية, حتى أنه تمكن من كتابة ما يشبه الملاحم الكبرى في تناص شعري بديع لسور كاملة من القرآن الكريم كـ ديوانه(يا بشرى) الذي نظم فيه قصة سيدنا يوسف عليه السلام مع أخوته كما وردت في سورة يوسف.
ولا يقتصر التناص عند طلعت المغربي على التناص الديني المتمثل في آيات القرآن الكريم وأحاديث السنة النبوية واحداث السيرة بل يلتقي مع الشعراء السابقين في التناص الشعري, وأيضًا مع شعراء معاصرين.
مستويات التناص عند طلعت المغربي:
يتنوع التناص في شعر طلعت المغربي بين الاقتباس القرآني والاقتباس من الحديث النبوي والتناص الشعري والتاريخي, ويأتي التناص ظاهرًا في نقل النص أو جزء منه بعد تطويعه لموسيقى البحر الشعري الخليلي, ويأتي أحيانًا مضمرًا متناصًا مع معنى الاقتباس أو النص الأصلي ويأتي كليًا تركيبيًا أو مفردًا متناصًا مع المفردة الواحدة, وفي الصفحات القادمة سيأتي بيان مستويات التناص في شعر طلعت المغربي في مستويات:
- التناص الديني( الاقتباس القرآني والاقتباس من الحديث النبوي وأحداث السيرة النبوية.)
- التناص الشعري(أبيات –شطرات –معنى أو فكرة).
- التناص التاريخي(استدعاء الأبطال-الأحداث/ المدن التاريخية).
- التناص الرمزي(استلهام الرموز كاليمام –الورقاء…)
أولًا:التناص الديني:
و”يُقصد بالتّناص الدينيّ ” تداخل نصوص دينية مُختارة عن طريق الاقتباس أو التضمين مع القرآن الكريم أو الحديث الشريف , أو الخُطب , أو الأخبار الدينيّة , مع النصّ الأصلي بحيث تنسجم هذه النصوص مع السياق وتؤدي غرضا فكريا أو فنيا أو كليهما معا”[9]
إن “ما تحمله النصوص الدينية في دلالتها وبلاغاتاتها, جعلها مصدراً مهمًا عند الشعراء, الأمر الذي مكنهم من استثمار ذلك إبداعيًا, فليس من السهل التغاضي عما تتضمنه النصوص الدينية من عناصر جمالية وفنية يمكن توظيفها لتلقي بظلالها على النصوص الشعرية ؛ فتعمق تجربة الشاعر الشعورية , وتمده بالوسائل التي تمنح الايحاء والتأثير “[10]
والتناص يحتاج إلى مقدرة فريدة وثقافة عالية من المبدع ومن المتلقي للربط بين معانيه ودلالته ؛ فلابد أن تكون” وراء الإبـداع موهبـة مبدعة تجمع أشتات المظاهر في الوجود، ووتوغل إلى أبعاد التجارب في النفس، إلّا أن الموهبة ذاتها تبدو قاصرةً إذا لم تخصبها الثقافة”[11]
والتناص قد يتم بوعي من الشاعر وقد يتم بدون وعي لما استدمجه من ثقافته ونسقه القيمي والتراثي, ” وفكرة اللاوعي في عملية الاستدعاء التناصي – التي أشار إليها بارت – ألقت بظلالها على فهم النقاد العرب ، الذين تناولوا في كتاباتهم مصطلح التناص، متأثرين بمنهجية غربية ، وعربية من قبل ومن بعد ، وقد زادوا أنَّ التناص يتم من المبدع بدون وعي – كما حدث مع بارت – أو يتم بوعي كما هو الحال في التناص الديني (القرآن والحديث) أو مع الاستخدام المباشر لمسميات الأساطير”.[12]
والشاعر الإسلامي يستقي معانيه من معين القرآن الكريم وهو معين لا ينضب ولا تنتهي عجائبه ولا جمالياته , فتأتي أبيات الشاعر متناصة “مع مضامينه وأشكاله تركيبيا ودلاليا بواسطة آلية من آليات شتى، ويعد هذا النوع جزءا مما يسمى بالتفاعل مع التراث الديني بأنماطه المتعددة “[13]
تتكرر ظاهرة التناص في شعره بصورة تكشف عن وعي بنائي وجمالي بالنصوص المرجعية..
يقول الشاعر طلعت المغربي في قصيدته خير الشهور)[14]:
هُوَ نَفْحَةٌ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ لِلدُّنَا
تَلْقَى الوُجُوْدَ إِذَا أَتَى مُزْدَانَا
خَيْرُ الشُّهُوْرِ فَفِيْهِ أَفْضَلُ لَيْلَةٍ
اللهُ فِيْهَا نَزَّلَ القُرْآَنَا
فِيْهِ الجِنَانُ تَفَتَّحَتْ أَبْوَابُهَا
شَوْقَاً وَأَغْلَقَ رَبُّنَا النِّيْرَانَا
فها هو يتناص في البيت الأول مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه:” إنَّ لربِّكم في أيامِ دهرِكم نَفَحاتٍ ، فتَعَرَّضوا له ، لعله أن يصيبَكم نَفْحَةٌ منها فلا تَشْقَوْنَ بعدها أبدًا”[15]
والنفح برد النسيم وأريج العطر,” يُقَالُ: أَصابتنا نَفْحةٌ مِنَ الصَّبا أَي رَوْحةٌ وطِيبٌ, لَا غَمَّ فِيهِ, ونَفَحَ الطِّيبُ إِذا فاحَ رِيحُهُ.”[16]
والنفحة مفردة يستخدمها الصوفية للدلالة على الوارد والإشارة وورد المعنى ونزول الطمأنينة على القلب, وهذه النفحة الربانية إنما جاءت بحلول شهر رمضان الكريم فحلت الرحمات وفاضت النفحات وتزين الوجود بخير الشهور.
وفي البيت الثاني تناص مع سورة القدر في قوله تعالى:
(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) )(5) [17]
والبيت الثالث فيه تناص مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم:” إذا جاءَ رَمَضانُ فُتِّحَتْ أبْوابُ الجَنَّةِ، وغُلِّقَتْ أبْوابُ النَّارِ، وصُفِّدَتِ الشَّياطِينُ.”[18]
فرمضان خير الشهور وفيه افضل ليلة ومدار الخيرية في أن ليلة القدر أنزل الله فيها القرآن, وفيه ايضًا تناص مع ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في تعظيم قدر هذا الشهر أنه قال: “( إذا كانَت أوَّلُ ليلةٍ من رمَضانَ صُفِّدتِ الشَّياطينُ ومَردةُ الجِنِّ وغلِّقت أبَوابُ النَّارِ فلم يُفتَحْ منها بابٌ وفُتِحت أبوابُ الجنَّةِ فلم يُغلَقْ منها بابٌ ونادى منادٍ يا باغيَ الخيرِ أقبِلْ ويا باغيَ الشَّرِّ أقصِر وللَّهِ عتقاءُ منَ النَّارِ وذلِك في كلِّ ليلةٍ)”[19]
ويقول في نفس القصيدة:
وَتَرَى النُّفُوْسَ وَقَدْ زَكَتْ أَخْلاقُهَا
وَالْخَيْرُ يَمْلأُ أَرْضَنَا وَسَمَانَا
شَهْرٌ مِنَ البَرَكَاتِ جَاءَ يُظِلُّنَا
رَحَمَاتُ رَبِّي أُنْزِلَتْ تَغْشَانَا
فالصوم أصل من اصول تزكية النفس حيث غايته التقوى وهي أعلى درجات التزكية، فالصوم تأديب للنفوس وتزكية لها كما قيل:
“الصوم حرمان مشروع، وتأديب بالجوع، وخشوع لله وخضوع؛ لكل فريضة حكمة، وهذا الحكم ظاهره العذاب وباطنه الرحمة؛ يستثير الشفقة، ويحض على الصدقة.”[20]
وهنا تناص مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء فيه:” قد أَظَلَّكم شهرٌ عظيمٌ، شهرٌ مبارَكٌ، شهرٌ فيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شَهْرٍ، جعل اللهُ صيامَه فريضةً، وقيامَ ليلِه تَطَوُّعًا،”[21]
ثم ينتقل إلى التناص مع آيات القرآن الكريم فيقول:
“كُتِبَ الصِّيَامُ عَلَيْكُمُوْ فَلَعَلَّكُمْ
بِالصَّوْمِ يَوْمَاً تَبْلُغُوْنَ تُقَانَا”
للشاعر قدرة فائقة على ترجمة معاني الآيات ونصوص الأحاديث النبوية في ثوب شعري جميل؛ فهذا البيت ترجمة شعرية موفقة لنص الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]،[22]
ويقول في قصيدته(قبسٌ من نور القرآن)[23]:
وقست قلوب المشـركين فأصبحت
هي والحجارة في الدنا سيان
لا.. بل قلوب المـشركين بكفرهم
وعنادهم أقـسى من الصوان
يرى الشاعر أن قلوب المشركين قاسية كالحجارة وهي والحجارة في القساوة والجمود سواء؛ لا بل عن قلوب المشركين أصبحت اشد قسوة, وفي هذا تناص مع معنى قول الله تعالى:
” ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ” [24]
فمن وظائف التناص الوظيفة التعبيرية التي تعني أن يحاول الشاعر أن يعطي مدلولا أوسع حتى لو لم ينص عليه النص الأول (المتناص معه), فهنا نرى الشاعر اضاف عبارة(أقسى من الصوان) ليعطي مدلولاً آخر في شدة القساوة…
ويقول في قصيدته ( بيني وبينك يا حبيبي موعد):
“لَكَ مُعْجِزَاتٌ بَاهِرَاتٌ سَيِّدِي
وَلِوَاؤُكُمْ بِالنَّصـْرِ دَوْمَاً يُعْقَدُ
أَحْيَى مِنَ العَذْرَاءِ في خِدْرٍ لَهَا
وَالأَرْضُ عِنْدَ الحَرْبِ مِنْكُمْ تَرْعِدُ”
وفي هذا تضمين مع ما ورد في مناقب النبي ص يشير إلى قول (كَانَ النَّبِيُّ ص أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا ، وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ في وَجْهِهِ)[25]
وفي البيت الثاني إشارة إلى الحديث الشريف:
عن علي ا قال :” كُنَّا إِذَا حَمِيَ الْبَأْسُ وَلَقِيَ الْقَوْمُ الْقَوْمَ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللهِ ص فَمَا يَكُونُ مِنَّا أَحَدٌ أَدْنَى إِلَى الْعَدُوِّ مِنْهُ”[26]
وفي البيت الثاني صورة للأرض وهي ترعد خوفًا في معنى إضافي لمدلول التناص لما جاء في الحديث:(نصرت بالرعب مسيرة شهر).
فقد أضفى صفة الرعب على الجماد /الارض كناية عن خوف الأعداء ورعبهم من جيش النبي صلى الله عليه وسلم.
تَمْشـِي فَلا أَثَرٌ لِمَشْيِكَ فِي الثَّرَى
وَيَلِيْنُ لِلْقَدَمِ الشَّرِيْفِ الْجَلْمَدُ
تَرْمِي وَعَيْنُ اللهِ تَحْرُسُ رَمْيَكُمْ
وَتَحُوْطُكُمْ بِعِنَايَةٍ وَتُسَدِّدُ
وهنا لعبت المفارقة الناشئة من الطباق في المعنى بين (فَلا أَثَرٌ لِمَشْيِكَ فِي الثَّرَى) وبين (وَيَلِيْنُ لِلْقَدَمِ الشَّرِيْفِ الْجَلْمَدُ) وبين(يلين /الجلمد) مما اعطى تكثيفًا للوظيف الجمالية الناشئة من التناص مع (السيرة النبوية) مع استعمال الطباق والكنايات.
وقد استعمل الشاعر كلمات(عين/عناية-تحرس /تحوط-ترمي / تسدد) فصنع جوًا إيقاعيًا من خلال بِنَى الكلمات وتآلف الحروف والجناس بين عين وعناية وترمي / رميكم, وترادف المعنى بين تحرس وتحوط, وترمي وتسدد, واستعما العين للحراسة والإحاطة والحفظ وأيضًا لرمي العدو والتسديد صوبه…
ويقول في نفس القصيدة:
وَالمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ أَصَابِعِكَ الَّتِي
تَرْوِي العَطَاشَى لَيْسَ جُوْدُكَ يَنْفَدُ
وَبِرِيْقِكُمْ تَحْلُوْ مُلُوْحَةُ مَائِنَا
وَيَصِيْرُ عَذْبَ الْمَاءِ .. نِعْمَ المَوْرِدُ
وهو تناص مع السيرة النبوية في معجزة تكثير الماء حيث جاء عن عَنْ جَابِرٍ ا قَالَ عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ص بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا ثُمَّ أَقْبَلَ النَّاسُ نَحْوَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَا لَكُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا نَشْرَبُ إِلَّا مَا فِي رَكْوَتِكَ قَالَ فَوَضَعَ النَّبِيُّ ص يَدَهُ فِي الرَّكْوَةِ فَجَعَلَ الْمَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ قَالَ فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا فَقُلْتُ لِجَابِرٍ كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ قَالَ لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً.[27]
وما دام (اللفظ جسم وروحه المعنى) فقد جاء التناص الديني بهذه الكلمات (الماء/ينبع-تروي / العطاشى-ليس جودك ينفد-بريقكم/تحلو-ملوحة/عذب-نعم المورد) وقد شكل الشاعر بهذه المفردات لمختارة بعناية مدارًا جمالياً يدور حول شخص النبي صلى عليه وسلم ومناقبه ومعجزاته وأعطى انزياحًا دلاليًا متسعًا لمعاني الجمال والعذوبة…
فالشاعر يلجأ كثيراً إلى التكرار الذي يقوم على مستوى الأصوات والكلمات والصيغ ويأتي متجليًا في التراكم أو في التباين ليعطي مدًى كبيرًا للمساحة اللغوية والدلالة.
: وهنا نرى التناص الكلي قد حقق الوظيفة الجمالية والدلالية للتناص في شعر طلعت المغربي؛ فما يميز التناص في شعر طلعت المغربي أنه ليس مجرد استدعاء تراثي أو ديني، بل هو آلية فنية تُعيد تشكيل الموروث في سياق شعري معاصر. إذ يعمل التناص التركيبي لديه على:
توسيع المعنى: كما في إضافة “شوقًا”إلى “أبواب الجنة”، أو “أقسى من الصوان” لقلوب المشركين.
التكثيف الشعوري: من خلال الربط بين المفردات (عين / عناية، ترمي / تسدد).
تحقيق الانزياح الدلالي: عبر المفارقات والطباق، كـ”لا أثر لمشيك” و”يلين الجلمد”.
كما أن تكرار المفردات والأنماط التركيبية يمنح شعره إيقاعًا داخليًا يعزز الأثر الجمالي للنص.
المبحث الثاني: التناص التاريخي(استلهام الأبطال (استدعاء النصير في التناص)
من أسس الإبداع الحقيقي أن ينجح الشاعر في توظيف التراث في عمله الإبداعي , فلقد” أحسَّ شعراؤنا منذ بداية عصر النهضة بأنَّ شعرنا العربي لن يستطيع أن يثبت وجوده ويحقق أصالته إلا إذا وقف على أرض صلبة من صلته بتراثه، وارتباطه، بماضيه، وأيقنوا أن انبتات الشعر عن تراثه في أي عصر من العصور، إنما هو حكم على ذلك الشعر بالذبول ثم الموت، لانقطاع جذوره عن منابع الحياة في تربة الماضي التي تمنحه القدرة على البقاء والنمو. ولقد كان الشاهد أمام أعينهم حياً في نتاج تلك المرحلة الطويلة من الضعف والانحدار التي عاناها شعرنا منذ أواخر العصر العباسي حتى فجر النهضة، بسبب انقطاع صلته بتراثه العريق في عصور قوته وازدهاره، وانطوائه على ذاته يجتر أشكالاً عروضية خاوية من المعنى، ومن كل نبض شعري صادق، وتحول الإبداع الشعري إلى نوع من المهارات اللفظية المصطنعة، والألغاز، وباللعب بالكلمات، حتى وصل إلى مرحلة من الضعف لم يصل إليها من قبل خلال تاريخه الطويل“([28])
وفي شعر طلعت المغربي، يحتل استدعاء الأبطال واستلهام الرموز الكبرى حيّزًا واسعًا ضمن بنيته الدلالية والجمالية، بوصفه أحد أشكال التناص التاريخي والإنساني الذي يعزز الوظيفة الإيحائية للنص، ويمنح القصيدة طاقة رمزية مستمدة من الموروث الإسلامي والتاريخي, و يمثل استدعاء الشخصيات التاريخية والبطولية – كــ(عمر بن الخطاب، عثمان بن عفان، خالد بن الوليد، صلاح الدين, وغيرهم ) نوعًا من التناص الذي لا يقتصر على النصوص، بل يتعدى إلى الشخصيات/النماذج، فيُحمّلها الشاعر دلالات عصرية ترتبط بالواقع، وتحمل شحنات وجدانية ونفسية تُسهم في تأطير القصيدة في سياق حضاري أخلاقي, وفيما يلي تحليل لمقاطع مختارة من قصائده التي يستدعي فيها رموز النصر والعدل والبطولة:
يقول طلعت المغربي:
“ما عادَ فينا فارِسُ الأملِ المدجَّجُ بالرجوله00
لَمْ نَعُدْ رَمْزَ البطوله00
لَمْ تَبْقَ فينَا نَخْوَةُ الأحرارِ00
تلكَ التي قدْ خَطَّهَا التاريخُ
في القَصَصِ الطويله00
مَا عَادَ فينا ابنُ الوليد00
وسيوفُنَا صَدِئَتْ 00
ومَا عَادَتْ صَقيلَه00
وأَرى صلاحَ الدينِ فارَقَ أرْضَنَا00
قد ودَّعَ الأرضَ التي
يومَاً أعادَ تُرَابَها00
قدْ رَاحَ يَسْأَلُ رَبَّهَا
ربَّاهُ : أينَ رِجَالُهَا ؟؟؟!!!”
و يمثل هذا النصّ نموذجًا واضحًا للتناص التاريخي في شعر طلعت المغربي، حيث لا يتم استدعاء الرموز الكبرى من أجل الزخرفة أو الفخر، بل من أجل كشف خواء اللحظة الراهنة, ونرى الرموز التاريخية (كابن الوليد وصلاح الدين) تتحول إلى شواهد إدانة تفضح عجز الواقع، وتحفّز على بعث جديد، فيه تتوهج النخوة والرجولة والمعنى, ومن نماذج الاستدعاءات التاريخية:
- استدعاء خالد بن الوليد: سيف النصر القادم
يقول:”يا قومَنا لا تحزنوا
سيذوبُ في شريانِ أمَّتِنا الجليدْ
سنبدِّلُ الأسيافَ مِنْ خَشَبٍ
بسيفِ ابنِ الوليدْ”
هنا يتناص الشاعر هنا مع رمزية خالد بن الوليد رضي الله عنه بوصفه “سيف الله المسلول”، رمز الانتصار والحسم العسكري في تاريخ الإسلام.
والتناص هنا رمزي-مستقبلي، فهو يريد ان يحدث انزياحًا وإسقاطًا على الواقع الحالي للأمة ,حيث لا يُستحضر البطل كشخصية ماضية فقط، بل كنموذج يتم التطلع إلى تجليه من جديد في الأمة.
فهو في هذا النص يخاطب الأمة في حالة يأس/انكسار، ومنحها أملًا بتكرار نموذج النصر, ويرسم لنا مقابلة بين “الأسياف من خشب” (الضعف الحالي) و”سيف خالد” (القوة المنشودة) والسيف من الخشب فيه ايضًا استدعاء لرمزية (دون كيشوت) لذي كان يحارب طواحين الهواء علا حماره بسيف خشبي[29].
- استحضار عمر بن الخطاب: نموذج العدالة
يقول:”أَهْوى لِقَاءَكَ يَا عُمَر
يَا رَمْزَ كُلِّ العَدْلِ عِنْدَ العالمين
فَلَقَدْ حَكَمْتَ .. وَقَدْ عَدَلْتَ
لذَا أَمِنْتَ
فَنِمْتَ نَوْمَ الآمِنين”
الشاعر يستدعي الشاعر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، رمز العدل والهيبة والزهد في الحكم.
و يتناص مع القصة المشهورة التي تُروى عن عمر: “عدلتَ فأمنتَ فنمت”.
ويمدنا بوظيفة تأويلية حيث يربط بين الحكم العادل والسكينة النفسية، ليقدّم نموذجًا مضادًا للطغيان السياسي المعاصر.
و النص يرسل دعوةً ضمنية لتجديد النموذج العمري في عصرنا الحالي.
- استحضار عثمان بن عفّان: رمزية الطهر والتضحية والكرم
يقول:” أَشْتَاقُ أَنْ أَلْقَى هُنَالِكَ سَيدي
عُثْمَانَ ذَا النُورين
وضَّاءَ الجبين”
هنا الشاعر يشير إلى لقب “ذي النورين” وعفة عثمان رضي الله عنه وصفاء سيرته, ويتناص مع الصورة الأخلاقية/الروحية العالية للخليفة عثمان، رمز الحياء والكرم والتضحية.
ويعطي النص وظيفة جمالية تتمثل في استخدام الوصف المكثف: “وضاء الجبين”، “المكرم وجهه”، مما يعطي الممدوح بالقصيدة مسحة من القداسة والمثالية.
- استحضار علي بن أبي طالب: الفصاحة والعلم والنسب النبوي
ويقول: “أَشْتَاقُ أَنْ أَلْقَى المكَرَّمَ وَجْهُهُ
صِهْرَ النبيِّ
هو والدَ الحسنينِ”
النص يستحضر علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليس فقط بصفته إمامًا وشجاعًا، بل أيضًا رمزًا للنسب النبوي والامتداد الروحي للرسالة.
يتناص مع الأحاديث التي تبين مكانة علي في الإسلام.
وهو يعطي وظيفة دلاليةعن طريق التذكير بالرمز الجامع للعلم والزهد والنسب والمظلومية، في آنٍ واحد.
- استحضار صلاح الدين الأيوبي: رمز النصر والتحرير
ويقول:”مِني إِليْكَ تَحيَّتي ..
يَا قَائِدَ النَّصرِ المؤزَرِ
يَا صَلاح ..
أَشْتَاقُ أَنْ أَلْقَى هُنَالِكَ فِتْيَةً
كانوا كآسَادِ العَرينْ
هذا المقطع يتناص مع صورة صلاح الدين الأيوبي كمحرر للقدس وقائد عسكري وملهم تاريخي, ويمثل استدعاءً بطوليا في لحظة تحررية.
ويُقابل صلاح الدين بالجيل المُنتظر من “فتية كالأسود”، فيجعل من الرمز التاريخي جسرًا نحو الأمل المستقبلي في ظهور ابطال بفلسطين يحررون القدس.
هكذا نرى استدعاء الأبطال في شعر طلعت المغربي ليس ترفًا تاريخيًا، بل هو آلية فنية وإيحائية لإعادة بناء الذات الجماعية في لحظة معاصرة تعاني من فقدان القدوة والقيادة.
ويقوم التناص هنا بوظيفة إعادة إنتاج التاريخ في الحاضر من أجل إرسال رسالة مفادها أنَّ إعادة وبعث ( النصر والتمكين والعدل والأخلاق) ممكنة إذا أعدنا استلهام أولئك الرموز.
و هذا النوع من التناص يتداخل فيه الوجداني/الروحي مع السياسي/الرمزي، مما يجعله متعدد الطبقات، وقادرًا على التأثير في المتلقي من مستويات شتى.
المبحث الثالث: التناص الشعري:
في الشعر، يتخذ التناص طابعًا فنيًّا وجماليًّا بالغ الدقة، إذ يعتمد الشاعر على إدماج أو استحضار نصوص شعرية أو دينية أو تراثية أو أسطورية داخل نصه، سواء بشكل صريح (اقتباس أو تلميح مباشر)، أو بشكل غير مباشر (إعادة صياغة، توظيف الرموز، أو محاورة النص الغائب) ويؤدي هذا التفاعل إلى إثراء المعنى وتوسيع أفق التلقي، بحيث يغدو النص الشعري فضاءً مفتوحًا للتأويل، تتداخل فيه الأصوات وتتشابك الأزمنة.
ويُعدّ التناص في الشعر العربي الحديث من أبرز آليات التجديد والتحديث، حيث يلجأ إليه الشعراء لتأكيد الانتماء إلى التراث أو لمساءلته ونقده، ولخلق حوار بين الذات الشاعرة والموروث الثقافي, ومن هنا، فإن دراسة التناص الشعري تتيح فهمًا أعمق لبنية النص، وآلياته الإبداعية، وتمثلاته الفكرية والجمالية.
يقول الشاعر طلعت في ديوان القدس عائدة لنا:
“إنَّ البطولةَ أَنْ تموتَ لدى الوغى
لا أنْ تموتَ على الفِراشِ جَبَانا
إنَّ البطولَةَ أنْ تموتَ بعزَّةٍ
لا أنْ تَعيشَ مدى الحياةِ مُهانا”
هنا نرى التناص مع فكرة الموت البطولي مع مقولات تراثية وأمثال وأبيات شعرية، مثل بيت ابن نباتة السعدي:
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره
تعددت الأسباب والموت واحدُ
وكذلك مع نماذج شعرية معاصرة تمجّد الموت الشريف في المعركة، كما نجد مثلًا في شعر محمود درويش وأمل دنقل.
وهنا نرى وظيفة دلالية تأكد أن الشهادة في ساحة القتال أسمى من الموت في حالة سلبية وربط الموت بالكرامة والعزة، مقابل حياة طويلة لكنها مهينة.
ونرى وظيفة أخرى جمالية تتمثل في استخدام التكرار في “إنَّ البطولة” يعزز التوكيد ويولّد إيقاعًا خطابيًا مؤثرًا.
ويأتي الطباق بين “تموتَ لدى الوغى” و”تموتَ على الفِراش”، و”بعزَّة” و”مُهانا”، ليخلق تضادًا دلاليًا يبرز عمق المفاضلة بين الحياتين.
ويتضح أثر التناص في شعر طلعت المغربي في أنه يبني بناءً دلاليًا عامًا لأشعار الشهادة والبطولة قد كوّن ما يشبه “الذاكرة النصية الجمعية”، وهو ما يستدعيه الشاعر طلعت المغربي من ثقافته ووعيه الجمعي الإسلامي والعروبي، فيأتي التناص كمكون غير واعٍ يعكس تشكّل الشخصية الشعرية داخل سياقها الثقافي.
ويقول في ديوان قامت تصلي-عن والدته الراحلة رحمه الله:
“مَا كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ الدَّهْرَ يَفْجَعُنِي
بِمَوْتِ مَنْ كُنْتُ أَهْوَاهَا وَتَهْوَانِي”
هذا البيت يتناص مع بيت المتنبي الشهير:
ما كنتُ أحسبني أحيا إلى زمنٍ
يُسيء بي فيه عبدٌ وهو محمودُ
وهو تناص قد يكون تناصًا قصديًا (بوعي)، حيث يستدعي الشاعر تركيب المتنبي (ما كنت أحسب) ليبدأ به بيتًا جديدًا، ويُعيد إنتاجه في سياق وجداني مختلف.
ويعطي البيت وظيفة دلالية حيث يربط الشاعر تجربته الذاتية (الفقد والحزن) بتجربة شعرية تراثية كبرى (المتنبي).
وهذه التراكيب المستدعاة كـ(ما كنت أحسب) تُضفي على النص بعدًا فلسفيًا حول المفاجأة والخذلان من الزمن.
كما أنَّ المحافظة على الوزن والقافية مع توليد دلالة جديدة من خلال التوازي بين التراكيب, و إدخال الشاعر لحالة وجدانية شخصية (فقد من يحب) يمنح النص طابعًا ذاتيًا متميزًا رغم التناص مع المتنبي.
الخاتمة
لقد كشفت هذه الدراسة عن حضورٍ فني وثقافي مميز للتناص في شعر الشاعر طلعت المغربي، بوصفه أداة دلالية وجمالية تعيد إنتاج المعنى، وتفتح النص على عوالم تأويلية متعددة تتجاوز ظاهر القول إلى عمقه الرمزي والروحي والتاريخي. وقد بيّن التحليل أنَّ التناص في شعر طلعت المغربي لا يقوم على الاستدعاء الزائف أو التزييني للنصوص الغائبة، بل يتأسس على وعي شعري راسخ يوظف النصوص المؤسسة – خصوصًا النص القرآني والحديثي – في بناء رؤية معاصرة للوجود الإنساني ولأحوال الأمة الإسلامية وتحدياتها.
كما تبيّن من خلال المباحث أنَّ الشاعر يتكئُ على أنماطٍ متعددة من التناص منها:
الديني: عَبْرَ إعادة تشكيل الخطاب القرآني والنبوي بما يخدم التوجيه الإيماني والمعنوي.
التاريخي: باستدعاء الرموز القيادية من التراث الإسلامي، في سياق نقد الواقع واستنهاض الإرادة.
الشعري: من خلال الانفتاح على نصوص تراثية ومعاصرة تعمق التجربة الشعورية والفكرية للنص.
وقد أظهرت الدراسة أن التناص في شعر طلعت المغربي يؤدي وظائف جمالية متعددة، من أبرزها: تكثيف الدلالة، والتعبير عن الهم الجمعي، وتمكين البعد الروحي، وبناء خطاب رمزي مقاوم للانكسار والاستلاب.
إنَّ شعر المغربي لا يكتفي بأنْ يكون صوتًا تعبديًا وجدانيًا، بل يتجاوز ذلك إلى شعرية ملتزمة قادرة على مساءلة الواقع، واستدعاء الماضي، واستشراف الأمل عبر نص يتكئ على التراث ليُعيد إنتاجه في ضوء قضايا العصر، وهو من أقدر الشعراء على ترجمة معاني الآيات والأحاديث النبوية وتحويلها إلى ابياتٍ شعرية، ومن هنا يتضح أنَّ تجربة طلعت المغربي تُعدّ نموذجًا لتجديد الشعر الإسلامي المعاصر من داخل المرجعية لا من خارجها، من خلال آليات فنية رصينة كالتناص الواعي، والانزياح الرمزي، والتكثيف التأويلي.
وتوصي الدراسة بضـرورة الاهتمام بالبحث في التجارب الشعرية الإسلامية المعاصرة التي تُعيد دمج التراث الديني والرمزي في بنية حداثية تتسم بالتنوع الأسلوبي والانفتاح التأويلي، لما لها من دور في تجديد الخطاب الشعري وتوسيع آفاقه المعنوية والجمالية، ودراسة المعجم الصوفي في شعر طلعت المغربي وغيره من الشعراء المعاصرين.
المراجع
- ابن منظور. (1414هـ). لسان العرب (ط 3، ج 2، ص 623؛ ج 7، ص 97، مادة: نصص). بيروت: دار صادر.
- أحمد شوقي. (2017م). أسواق الذهب. القاهرة: مؤسسة هنداوي للطباعة والنشر.
- الزعبي، أحمد. (2000). التناص نظريًا وتطبيقيًا (ط 2، ص 37). عمّان: مؤسسة عمّون للنشر.
- البخاري، محمد بن إسماعيل. (1407هـ/1987م). صحيح البخاري (ج 3، ص 1306؛ ص 1310، حديث رقم 3383). بيروت: دار ابن كثير. تحقيق: مصطفى ديب البغا.
- بقشي، عبد القادر. (2007). التناص في الخطاب النقدي والبلاغي: دراسة نظرية وتطبيقية (تقديم: محمد العمري، ص 20). الدار البيضاء: إفريقيا الشرق.
- بوسدر، بوطاهر. (2017). التناص عربيًا وغربيًا. مقال منشور في موقع شبكة الألوكة.
- حاوي، إيليا. (1996). نماذج في النقد الأدبي وتحليل النصوص (ط 3، ص 1). بيروت: دار الكتاب اللبناني.
- حسنين، نبيل علي. (2010). التناص: دراسة تطبيقية في شعر شعراء النقائض (جرير، الفرزدق، الأخطل) (ط 1، ص 30). الأردن: المكتبة الوطنية.
- حفظ الله واصل، عصام. (2011). التناص التراثي في الشعر العربي المعاصر (ط 1، ص 77). عمّان: دار غيداء للنشر والتوزيع.
- عزام، محمد. (2015). شعرية الخطاب السردي (ص 116). القاهرة: دار رسلان للطباعة والنشر والتوزيع.
- زايد، علي عشري. (1997). استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر (ط 1، ص 45). القاهرة: دار الفكر العربي.
- كريستيفا، جوليا. (1997). علم النص (ترجمة: فريد الزاهي، ط 2، ص 97). الدار البيضاء: دار توبقال.
- المغربي، حافظ. (2009). مصطلح التناص. مجلة الآطام، مج 11، ع 35، ص 41–44. النادي الأدبي بالمدينة المنورة.
- مسلم بن الحجاج. صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب كثرة حيائه ﷺ (ج 7، ص 78، حديث رقم 6176).
- النيسابوري، الحاكم. (1411هـ/1990م). المستدرك على الصحيحين (ج 2، ص 155، حديث رقم 2633). بيروت: دار الكتب العلمية. تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا.
- يقطين، سعيد. (2001). انفتاح النص الروائي: النص والسياق (ص 92). الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.
- الشوابكة، نوال عبد الرحمن. توظيف الحديث النبوي في شعر ابن سهل. مجلة الجامعة الإسلامية للبحوث الإنسانية، ع 24، مج 1، ص 79.
- الغالين، عودة محمد عايد. (2015). التناص في شعر الشريف الرضي (رسالة دكتوراه غير منشورة). جامعة العلوم الإسلامية، قسم اللغة العربية وآدابها.
- المغربي، طلعت.(2022) الأعمال الشعرية.دار اقرأ للطباعة والنشر.
- التبريزي, الخطيب ( 742) , مشكاة المصابيح.المكتب الغسلامي ,بيروت
[1] حافظ المغربي: مصطلح التناص, مجلة الآطام أغسطس,2009,مجلد 11, عدد :35,ص:41, تصدر عن النادي الادبي بالمدينة المنورة.
[2] نبيل علي حسنين: التناص(دراسة تطبيقية في شعر شعراء النقائض-جرير والفرزق والأخطل)-المكتبة الوطنية, الأردن,الطبعة الاولى -2010,ص:30.
[3] بوطاهر بوسدر: التناص عربيًا وغربيًا, مقال بموقع شبكة الألوكة, 2017.
[4] ابن منظور: لسان العرب , دار صادر – بيروت- لطبعة: الثالثة – 1414 هـ-الجزء السابع ص:97 –مادة (نصص).
[5] محمد عزام ، شعرية الخطاب السردي، دار رسلان للطباعة والنشر والتوزيع,القاهرة,2015م,ص 116.
[6] عبدالقادر بقشي: التناص في الخطاب النقدي والبلاغي(دراسة نظرية وتطبيقية: تقديم : محمد العمري, إفريقيا الشرق ,2007, ص:20.
[7] كريستيفا , جوليا ,: علم النص , ترجمة فريد الزاهي , دار توبقال , الدار البيضاء , المغرب (1997), ط 2 , ص 97
[8] سعيد يقطين: انفتاح النص الروائي: النص والسياق، المركز الثقافي العربي –الدار البيضاء-المغرب,2001-ص92.
[9] أحمد الزعبي : التناص نظريا وتطبيقيا , مؤسسة عمون للنشر , عمان, (2000) , ط 2 , ص .37
[10] توظيف الحديث النبوي في شعر ابن سهل: نوال عبدالرحمن الشوابكة: مجلة الجامعة الإسلامية للبحوث الإنسانية, عدد :24-الجلد الأول,ص:79.
[11] إيليا حاوي: نماذج في النقد الأدبي وتحليل النصوص، دار الكتاب اللبناني، 1996ط، ،3ص.1
[12] حافظ المغربي: مصطلح التناص, مجلة الآطام أغسطس,2009,مجلد 11, عدد :35,ص:44, تصدر عن النادي الادبي بالمدينة المنورة.
[13] عصام حفظ الله واصل: التناص التراثي في الشعر العربي المعاصر، ط ،1دار غيداء للنشر, والتوزيع، عمان، 2011م، ص77.
[14] طلعت المغربي: الأعمال الشعرية
[15] ضعيف الجامع :الصفحة أو الرقم : 1917
[16] ابن منظور , لسان العرب, دار صادر – بيروت, الطبعة: الثالثة – 1414 هـ,الجزء:الثاني-ص:623.
[17] [القدر:1-3]
[18] أخرجه البخاري (3277)، ومسلم (1079).
[19] رواه أبو هريرة , صحيح ابن ماجه , الصفحة أو الرقم : 1339
[20] أحمد شوقي، أسواق الذهب، مؤسسة هنداوي للطباعة والنشر، القاهرة, 2017م,ص:95.
[21] مشكاة المصابيح.
[22] [البقرة:183].
[23] طلعت المغربي: الأعمال الشعرية
[24] [البقرة:74]
[25] البخاري:صحيح البخاري – (ج 3 / ص 1306) ط: دار ابن كثير ، اليمامة – بيروت الطبعة الثالثة ، 1407 – 1987- تحقيق : د. مصطفى ديب البغا أستاذ الحديث وعلومه في كلية الشريعة – جامعة دمشق. وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الفضائل باب كثرة حيائه صلى الله عليه وسلم, صحيح مسلم (ج 7 / ص 78)حديث رقم(6176).
[26] المستدرك على الصحيحين (ج2/ص155) حديث رقم(2633 ) وقال أبو عبد الله : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي في التلخيص : صحيح . دار الكتب العلمية – بيروت ـ الطبعة الأولى، 1411–1990م ـ تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا.
[27] صحيح البخاري – (ج 3 / ص 1310 حديث رقم 3383) ط: دار ابن كثير ، اليمامة – بيروت ـ الطبعة الثالثة ، 1407 – 1987 ـ تحقيق : د. مصطفى ديب البغا أستاذ الحديث وعلومه في كلية الشريعة – جامعة دمشق.
([28]) علي عشري زايد ،1997- استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، مطبعة دار الفكر العربي،ط1، ص45.
[29] دون كيشوت هو شخصية خيالية شهيرة ابتكرها الكاتب الإسباني ميغيل دي ثربانتس في روايته “دون كيشوت” (1605 و1615)، والتي تُعد من أعظم الأعمال الأدبية في الأدب العالمي.
يُصوَّر دون كيشوت كرجل نبيل عجوز من الريف الإسباني، يقرأ الكثير من كتب الفروسية حتى يفقد صوابه، فيقرر أن يصبح فارسًا جوالًا يدافع عن الضعفاء ويُحارب الظلم. لكنه يعيش في عالم من الأوهام، فيتخيل طواحين الهواء تنانين، والفلاحات أميرات، ويجرّ تابعه الوفي “سانشو بانثا” في مغامرات عبثية.
