03 أكتوبر 2026 قراءات

مذكرات رجل مات كثيرًا
د. إبراهيم المليكي

بين خيمة يلاحقها القصف والجوع، وذاكرة فلسطينية لا تكف عن استدعاء موتاها وبيوتها المفقودة، ينهض صوت إبراهيم في رواية «آخر العنقود (مذكرات رجل مات كثيرًا)» للكاتبة الأردنية رحمة عوينة، صوتًا لا يروي حياته فحسب، بل يحاول أن ينتشلها من بين أنقاض النسيان. ومنذ الصفحات الأولى، يجد القارئ نفسه أمام سرد طويل النفس يزاوج بين الحكاية والذاكرة والتأمل، ويضعه في قلب التفاصيل اليومية لحياة الغزيين تحت الحرب، حيث لا يعود الموت حادثة استثنائية، بل يتحول إلى احتمال يومي دائم، فيما تغدو الحياة نفسها فعلًا من أفعال المقاومة، ومحاولة متواصلة لتأجيل الفناء.

وصمّم غلاف الرواية الفنان والشاعر عيد بنات، فيما تمتد الرواية على 486 صفحة، متخذة من إبراهيم راويًا وشاهدًا وحاملًا لذاكرة عائلية فلسطينية امتدت جراحها من النكبة إلى الحاضر. ومن قلب غزة المثقلة بالخراب، يعود الراوي باستمرار إلى طفولته وشبابه، وتجربته في الاعتقال داخل السجون الإسرائيلية، ودراسته في العراق، وحبه القديم لليلى، وعلاقاته العائلية، وصولًا إلى الحرب التي تعيد ترتيب حياته كلها، وتدفعه إلى مراجعة علاقته بالمكان، وبالعائلة، وبالهوية، وبفكرة النجاة ذاتها.

ولا يبدو عنوان الرواية، «آخر العنقود»، عنوانًا عابرًا، بل يتداخل مع بنيتها الرمزية منذ بدايتها حتى نهايتها. تحتل سنابل، ابنة إبراهيم، موقعًا محوريًا في هذا البناء، فهي «آخر العنقود» في أحد مستويات الحكاية، كما يحمل اسمها في ذاته إيحاءً بالخصب والاستمرار والتجدد. فالسنبلة، لكي تمنح سنابل جديدة، تنطوي على معنى الفناء والتكاثر في آن واحد. ومن هنا يتأسس أحد أكثر خيوط الرواية وضوحًا: أفراد يموتون أو يغيبون، وعائلة تتناقص تحت وطأة الحرب، لكن الحياة تظل تبحث عن منفذ جديد للامتداد.

هذه الثنائية بين الموت والاستمرار هي في الحقيقة العمود الفقري للرواية. فالموت فيها لا يظهر فقط في الجنازات أو تحت القصف، وإنما يتسلل إلى اللغة والذاكرة والخوف والانتظار والفقد. يموت الإنسان حين يفقد بيته، وحين يختفي أحد أبنائه، وحين يعجز عن حماية أسرته، وحين يجد نفسه مضطرًا إلى مغادرة مكان يعرف أنه ربما لن يعود إليه. بهذا المعنى يصبح عنوانها الفرعي، «مذكرات رجل مات كثيرًا»، مفتاحًا لقراءتها: فإبراهيم لا يموت مرة واحدة، وإنما يختبر أشكالًا متتالية من الموت الرمزي والنفسي والوجودي، ثم يعود في كل مرة ليواصل الحكاية.

ولا تختار رحمة عوينة بناءً زمنيًا مستقيمًا، بل تعتمد على الاسترجاع والتنقل المستمر بين الأزمنة. تتداخل الطفولة مع تجربة السجن، والحب القديم مع الفقد الراهن، والعراق مع غزة، والنكبة مع الحرب المعاصرة. وتتشكل الحكاية تدريجيًا من خلال المذكرات والذكريات والوثائق والرسائل والحوار والمونولوجات الداخلية، بحيث يبدو السرد نفسه قريبًا من طبيعة الذاكرة البشرية: متشظيًا، انتقائيًا، ومحمّلًا بما نريد الاحتفاظ به وبما نخشى نسيانه.

وهنا تكتسب الكتابة داخل الرواية وظيفة تتجاوز كونها تقنية سردية. إن إبراهيم يكتب لأنه يريد أن يترك أثرًا في مواجهة آلة المحو. تتحول المذكرات إلى شكل من أشكال إثبات الوجود، وكأن الكتابة تقول: لقد كنا هنا، وكان لنا بيت وأسماء وحكايات وأحباء وذكريات. ومن هذه الزاوية يصبح التوثيق جزءًا من المعنى الروائي نفسه، لا مجرد وسيلة لإخبار القارئ بما وقع.

وتنجح الرواية خصوصًا حين تبتعد عن الصورة العامة للحرب وتقترب من أثرها في تفاصيل الحياة الصغيرة. فالمأساة لا تُروى فقط عبر أصوات الانفجارات وسقوط الضحايا، وإنما من خلال البحث المضني عن الماء والطعام والوقود، وانتظار المساعدات، والبرد داخل الخيام، والمرض، والجوع، والقلق الدائم بشأن أفراد الأسرة. وهنا يصبح اليومي والبسيط هو الأكثر قدرة على كشف اتساع الكارثة.

فالخبز، مثلًا، لا يبقى خبزًا فقط، والماء لا يعود مجرد حاجة طبيعية، والنار لا تكون مجرد وسيلة للتدفئة. الأشياء تفقد وظائفها العادية وتكتسب في زمن الحرب قيمة وجودية. وقد أحسنت عوينة استثمار هذه التفاصيل بوصفها أدوات سردية ودلالية في آن واحد، بحيث يحمل المفتاح والصورة والورقة والرغيف والنار أعباءً أكبر بكثير من أحجامها المادية.

وتلجأ الكاتبة، في مواضع عديدة، إلى المفارقة والسخرية السوداء. وهي سخرية لا تخفف من مأساوية العالم بقدر ما تكشف قدرة الإنسان على التكيف معه. ففي أقسى الظروف قد تظل لدى الشخصيات مساحة ضيقة للمزاح أو التعليق الساخر، كأنها وسيلة نفسية لحماية ما تبقى منها من الانهيار. وهكذا يصبح الضحك نفسه شكلًا من أشكال النجاة.

ومن أكثر مسارات الرواية إيلامًا مسار رحاب، التي تختفي أثناء بحثها عن الطحين، ثم تعود حاملة في روحها وجسدها أثرًا بالغ القسوة من الحرب، قبل أن تنتهي حياتها بالموت، ليجد إبراهيم وسنابل نفسيهما أمام فراغ جديد ينضم إلى سلسلة طويلة من الفقد. ولا تُقدَّم رحاب باعتبارها رقمًا إضافيًا في سجل الضحايا، بل شخصية لها ملامحها وعلاقاتها ومكانها داخل العائلة، وهو ما يجعل غيابها أكثر إيلامًا.

وتتبع الرواية كذلك مسار طارق، ابن إبراهيم، الذي يلتحق بالمقاومة، ويصبح مقاتلًا في الأنفاق ثم أسيرًا. ومن خلال هذه الشخصية تفتح الرواية بابًا واسعًا للأسئلة المتعلقة بالمقاومة والحرب والقرار السياسي والثمن الذي يدفعه الأفراد والعائلات. وتكمن أهمية هذه الحوارات في أنها لا تتحول إلى إجابات جاهزة بقدر ما تترك الشخصيات تواجه تناقضاتها وأسئلتها، ليظل السؤال الأخلاقي والإنساني مفتوحًا أمام القارئ.

ويبدو إبراهيم نفسه شخصية مبنية على التوتر بين أدوار متعددة. فهو الأب الذي يريد إنقاذ أبنائه، والرجل الذي يحمل ذاكرة أبيه، والحبيب الذي لم تغادره آثار الماضي، والأسير السابق، والراوي الذي يوثق، والشاهد الذي يحاول فهم ما يجري حوله. وهذا التعدد يمنح صوته السردي كثافة واضحة، لكنه يجعله كذلك محكومًا بثقل الذاكرة. فكل حدث في الحاضر يستدعي حدثًا سابقًا، وكل خسارة جديدة توقظ خسارة قديمة.

فنيًا، تستند الرواية إلى صوت سردي بضمير المتكلم شديد الحضور، تتداخل داخله وظائف الراوي والشاهد والمعلّق والمتأمل. كما يتسع نسيج الرواية ليضم الحوار والمونولوج والرسائل والوثائق والصور والقصاصات، إلى جانب استدعاء النصوص الدينية والشعرية والذاكرة الجمعية الفلسطينية. وهذا التنوع في الوسائط يمنح العمل طابعًا أقرب إلى أرشيف شخصي لعائلة تحاول أن تحفظ نفسها من الضياع.

وتتميز لغة رحمة عوينة بكثافة تصويرية واضحة، وبحضور واسع للتشبيه والاستعارة، كما تجمع بين الفصحى ولغة الحياة اليومية، وهو ما يمنح الشخصيات قدرًا من الحيوية والقرب. وفي كثير من المواضع لا تقوم اللغة بوظيفة وصفية فقط، بل تصبح وسيلة لإعادة تشكيل الألم وإعطائه معنى.

لكن أكثر ما يلفت في الرواية هو قدرتها على تحويل الأشياء الصغيرة إلى مستودعات للذاكرة. المفتاح الذي بقي من بيت قديم، والصورة التي تحفظ وجهًا غائبًا، والورقة التي تسجل اسمًا أو حادثة، والخبز الذي يصبح هدفًا للبحث والمخاطرة، والنار التي تحفظ الجسد من البرد؛ كلها تنتقل من مستوى الأشياء إلى مستوى الرموز.

وتبلغ هذه الرمزية ذروتها في نهاية الرواية، حين تخوض دعاء، أرملة آدم، مخاضًا عسيرًا يستمر عشرة أيام، قبل أن تلد طفلها «علي» في الليلة الفاصلة بين عامين، في 31 كانون الأول 2025. والمفارقة هنا شديدة الدلالة: بينما يولد طفل جديد يحمل احتمال المستقبل، يجد إبراهيم نفسه مضطرًا إلى التضحية بأوراقه وذكرياته التي حافظ عليها طويلًا منذ النكبة لكي تبقى النار مشتعلة.

إنها لحظة شديدة الكثافة: الماضي يحترق كي يحيا المستقبل.

فالوثائق التي ظلت وسيلة لحفظ الذاكرة تصبح وقودًا لإنقاذ الأحياء، فيما يأتي الطفل الجديد إعلانًا عن استمرار عائلة كادت الحرب أن تستأصلها. ولا يعني ذلك انتصار الحياة النهائي على الموت؛ فالرواية أكثر وعيًا بقسوة عالمها من أن تقدم نهاية مطمئنة. لكنه انتصار صغير وهش ومؤقت، وربما لهذا تحديدًا يبدو شديد الإنسانية.

ومن خلال هذه النهاية يتضح أن الصراع الحقيقي في «آخر العنقود» ليس بين شخصيات متقابلة بقدر ما هو بين قوتين تهيمنان على الرواية منذ بدايتها: قوة المحو، وقوة الاستمرار.

الحرب تمحو البيوت والأجساد والأماكن والوثائق، بينما تحاول الذاكرة والكتابة والحب والولادة أن تقاوم هذا المحو. وفي المسافة بين القوتين يعيش إبراهيم، الرجل الذي «مات كثيرًا»، لكنه ظل قادرًا على أن يروي.

وفي «آخر العنقود» تكتب رحمة عوينة عن غزة من داخل التجربة الإنسانية، لا باعتبارها مجرد مساحة للحرب. تعيد الإنسان من لغة الأرقام والإحصاءات إلى اسمه ووجهه وبيته وأطفاله ومخاوفه وعاداته وأشيائه الصغيرة. وبذلك يصبح القارئ أمام أشخاص لا أمام أرقام، وأمام حيوات كاملة لا أمام أخبار عابرة.

إنها رواية عن الموت المتكرر، لكنها في عمقها رواية عن مقاومة المحو. عن ذلك العناد الإنساني الذي يدفع الإنسان إلى الاحتفاظ بمفتاح بيت لم يعد قادرًا على دخوله، وإلى كتابة حكايته رغم معرفته بأن أوراقه قد تضيع، وإلى إنجاب طفل في عالم يبدو أحيانًا وكأنه لم يعد صالحًا للحياة.

ومن أجواء الرواية نقرأ ما جاء على غلافها الأخير:

«ما زال أبي يُحيّرني وما زلت أتفاجأ به حتى هذا العمر، ماذا يريد أن يقول لي؟ ما رسالته الجديدة التي عليّ استيعابها الآن بعد أن كانت الكتابة وسيلته للحفاظ على هويته وإثبات حقه الذي سُلب منه؟ أبي الذي أنهكته الحروب منذ النكبة وعاصرها كلها ودفع ثمنها من عائلته وأعصابه وجوعه وصبره وحتى من مسامير قدميه، أبي الذي صار مريضًا بحب هذه البلاد حتى إنه ما زال يحتفظ بمفتاح بيته في يافا وهو يعرف أن البيت سُرق وأن ملامح الطريق تغيّرت، وأن المستعمر رفع العلم الأزرق فوق قريته، المفتاح لم يكن يومًا بالنسبة لأبي مجرد رمز للعودة، أبي مؤمن حتى نخاع العظم بأنّ المفاتيح أدلة مادية يجب الاحتفاظ بها، فلو لم يكن هناك بيوت لما كانت لدينا مفاتيح تشدنا إليها!».

ولعل هذه العبارة الأخيرة تكثف جانبًا كبيرًا من روح الرواية: فالذاكرة فيها ليست حنينًا إلى الماضي بقدر ما هي دفاع عن حقيقة الوجود نفسه؛ والمفتاح ليس مجرد رمز، بل شهادة تقول إن بيتًا كان هنا، وإن إنسانًا عاش فيه، وإن الحكاية مهما تعرضت للمحو ستجد دائمًا من يرويها.

 

شارك المقال: فيسبوك تويتر