03 أكتوبر 2026 قراءات

حين يصبح الهامش متنا للذاكرة
محمود الدخيل ـ الأردن

ليست الطفولة، في مجموعة “على هامش الحياة” لمصعب البدور زمنًا منقضيًا يمكن استعادته من مسافة آمنة، بل طبقة غائرة في الوعي، تظل فاعلة في الإنسان حتى بعد أن يغادر أمكنتها ويتقدم به العمر. ومن هذه المسافة الملتبسة بين ما مضى وما بقي منه، يبني البدور مجموعته ، مستعيدًا ذاكرة جيل أردني نشأ في زمن أكثر بساطة وأقل وفرة، لكنه كان أكثر التصاقًا بالمكان والأسرة والجيرة والتفاصيل الصغيرة.

المجموعة لا تكتب الماضي باعتباره فردوسًا مفقودًا، ولا تقدمه في صورة رومانسية خالصة؛ فهي تستعيد قسوته وفقره وخوفه مثلما تستعيد دفأه وتكافله وعلاقاته الإنسانية. ومن هنا تأتي قيمة الحنين فيها: فهو ليس حنينًا إلى العوز أو المشقة، وإنما إلى شكل من أشكال الحياة كان الإنسان فيه أقرب إلى الآخر، وكانت الأشياء القليلة أكثر قدرة على إنتاج المعنى.

ولعل العنوان هو المدخل الأوضح إلى عالم المجموعة. فالحياة هي المتن، فيما تأتي القصص بوصفها حواشي عليه. لكن البدور يقلب، بطريقة فنية، العلاقة التقليدية بين المتن والهامش؛ فما نظنه هامشيًا يتبين أنه أكثر ما يعلق في الذاكرة، وأكثر ما يسهم في تشكيل الإنسان. حادثة صغيرة، جدار، لعبة، عاصفة، كرة مثقوبة، كيلو سكر، أو لقاء عابر تحت المطر، تتحول كلها إلى مداخل لفهم الذات والعالم.

ولهذا تنتظم المجموعة في تسع «حواشٍ»، لكل واحدة منها استقلالها الحكائي، لكنها جميعًا تتجاور داخل ذاكرة واحدة كبرى. وفي هذا الاختيار البنائي ما يؤكد أن القصص ليست وحدات منفصلة بقدر ما هي شظايا من زمن متشابه، يستعاد من زوايا مختلفة.

في قصة” الجدار” نجد عباس، الطفل الخجول الذي يعثر في الرسم بالفحم على وسيلة للتعبير عما لا يستطيع قوله. الجدار لا يبقى سطحًا ماديًا، بل يتحول إلى صفحة بديلة، وإلى مساحة يختبر فيها الطفل أولى محاولاته لفهم ذاته. والفن هنا ليس ترفًا، بل شكل من أشكال الإنقاذ الداخلي.

وفي «كيلو سكّر» يتحول الطريق إلى امتحان نفسي للطفل حسام، الذي تلاحقه مخاوفه من الظلام والعاصفة. ما يبدو في الظاهر مهمة بسيطة يتسع في وعي الطفل حتى يصبح رحلةً كاملة داخل الخوف. وتنجح القصة في إظهار المسافة بين العالم كما يراه الكبار والعالم كما يصنعه خيال الطفل.

أما في نص” صف الجنود” فيؤكد الكاتب قدرة المخيلة على تحويل الفقر إلى لعبة، والنقص إلى عالم كامل. فقشور البرتقال وبذورها، التي لا تعني للكبار شيئًا، تتحول في عين الطفل إلى جنود وميادين وحركة وحياة. وفي هذا التحويل تكمن واحدة من الأفكار الأساسية في المجموعة: الطفولة لا تحتاج إلى وفرة مادية كي تصنع عوالمها، بل إلى عين قادرة على التخيل.

وفي قصة” سبعة أحجار” تتبدل النبرة قليلا، إذ لا تعود الطفولة مجرد مساحة للبراءة، بل تصبح المصدر الأول للندوب والوعي. يستدعي شادي لحظات من ماضيه غيرت طريقه ونظرته إلى الحياة، فتغدو الذكرى مفتاحا لفهم الحاضر، لا مجرد استعادة لما مضى.

وفي نص” ختيار الجادة” تنفتح الحكاية على معنى الحكمة الشعبية، حيث تصبح الكربة المثقوبة مدخلا إلى فلسفة كاملة في العطاء والخبرة.لا يقدم البدور الحكمة في صورة خطاب مباشر، بل يجعلها تنبثق من الأشياء والعلاقات والمواقف العابرة، بما يحفظ للقصة خفتها الإنسانية.

أما في نص” العشاء” فهي من أكثر قصص المجموعة تكثيفًا لفكرة الجماعة. فالعاصفة والبرد ونفاد المؤونة والوقود لا تنتج العزلة، بل تكشف جوهر العلاقات بين الجيران. وفي اللحظة التي يبدو فيها البرد أقسى من الاحتمال، يصبح تقاسم القليل فعلًا يعيد تعريف الوفرة. ليس المهم هنا ما يملكه الناس، بل ما هم مستعدون لمشاركته.

وفي نص”نعيما” يتخذ الحنين وجها آخر، أكثر مرارة. لقاء تحت المطر يعيد صديقين إلى حادثة قديمة أنهت مسيرتهما المهنية ظلمًا. وهنا لا تعمل الذاكرة على الترميم، بل على إعادة فتح الجرح. وهذا التحول مهم داخل المجموعة، لأنه يمنع الحنين من التحول إلى عاطفة أحادية؛ فالماضي ليس دائمًا مأوى، وقد يكون في بعض الأحيان مصدر ألم متجدد.

وفي نص” المسرحية” يختلط الواقع بالوهم والذكرى، بعد أن يدخل عثمان بيتا بالخطأ.

المشهد يبدو أقرب إلى حلم طويل، تتداخل فيه الحارة القديمة مع الإعياء والذاكرة والخيال. ويغدو المكان نفسه مسرحًا تستدعى فوقه صور من الماضي، إلى الحد الذي يصعب معه الفصل بين ما وقع وما تخيله البطل.

أما نص” الممر البارد” فيذهب الكاتب إلى منطقة أكثر عتمة وتجريدا. يواجه الراوي فضاء رمزيا مشحونا بالخوف والانقسام والكوابيس، وكأن المجموعة، بعد أن بدأت من الحارة واللعبة والجدار، تنتهي في داخل النفس، نفس الذات الساردة. ومن هنا يبدو الممر البارد امتدادًا مجازيًا للذاكرة حين تتكاثف حتى تصبح مكانًا مغلقًا يصعب العبور منه.

ويربط بين هذه القصص حضور الطفل الذي يغادر عمره من دون أن يغادر ذاكرته. يكبر الجسد، لكن الطفل يظل حاضرًا في طريقة النظر إلى الأشياء، وفي الخوف، وفي الحاجة إلى الأمان، وفي ردود الفعل تجاه العالم. بهذا المعنى، لا يتعامل البدور مع الطفولة بوصفها مرحلة سابقة، بل بوصفها البنية الأولى للشخصية.

وتبرز الأسرة بوصفها القوة الأكثر رسوخًا في هذا التكوين. الأب والأم والإخوة ليسوا مجرد شخوص محيطين بالبطل، بل هم أول مرآة يرى الإنسان فيها نفسه، وأول مصدر للأمان أو الجرح. وفي كثير من قصص المجموعة يتحدد مسار الشخصيات بما تلقته داخل البيت، سواء من احتواء أو خوف أو حرمان.

كما يتكرر في المجموعة التضاد بين الدفء والبرد، وبين الداخل والخارج، وبين البيت والشارع. وهذه الثنائيات لا تعمل فقط في المستوى المكاني، بل تتجاوز ذلك إلى المعنى. فالدفء هو العائلة والأمان والانتماء، والبرد هو الخوف والعزلة والافتقار. ولهذا يبدو الشتاء أكثر من فصل طبيعي، ويتحول إلى خصم سردي يختبر قدرة الشخصيات على الاحتمال.

لغة المجموعة بدورها تستجيب لهذه الطبيعة المشحونة بالذاكرة. فهي لغة تميل إلى التصوير، وتكثر فيها الاستعارات والمشاهد الذهنية، كما يتحول المكان إلى كائن حي والطفولة إلى وطن والذاكرة إلى صندوق يمتلئ بما لا يمكن التخلص منه. وفي أحسن لحظاتها، لا تصف اللغة المشهد بقدر ما تعيد خلقه في وعي القارئ.

ويبدو المكان، خصوصًا الحارة والبيت والشارع، من أكثر العناصر حضورًا في بناء المجموعة. إنه ليس مجرد خلفية محايدة، بل مستودع للزمن. كل زاوية تحمل ذكرى، وكل بيت يحتفظ بأصوات من مروا فيه. ولذلك فإن العودة إلى المكان القديم تعني في الحقيقة العودة إلى نسخة سابقة من الذات.

ومن هنا يصبح الحنين في “على هامش الحياة” وسيلة للفهم لا مجرد انفعال. فالكاتب لا يقول إن الماضي كان أجمل في المطلق، بل يكشف كيف تشكلت قيم ومعانٍ كاملة في زمن كانت فيه الأشياء أقل، لكن الروابط أكثر كثافة. وتبدو هذه المفارقة حاضرة بقوة كلما اصطدم الماضي البسيط بالحاضر الأكثر تعقيدًا وتسارعًا.

ولعل أكثر ما يميز المجموعة هو قدرتها على التقاط ما يتسرب عادةً من السرديات الكبرى. التاريخ يحتفظ بالأحداث الكبيرة، لكن الذاكرة الفردية تحفظ أشياء أخرى: رائحة البيت، صوت العاصفة، وقع الخطوات، لعبة قديمة، يد جار، خوف طفل، أو طبق طعام تقاسمته أسرة مع أخرى. وهذه الأشياء الصغيرة هي التي تمنح الزمن وجهه الإنساني.

بهذا المعنى يمكن النظر إلى المجموعة بوصفها محاولة لإنقاذ التفاصيل من النسيان. فالكتابة لا تستعيد الماضي لتجمّله، بل لتقول إن ما يبدو هامشيًا قد يكون هو ما يصنع الإنسان فعلًا..

شارك المقال: فيسبوك تويتر