لم أكن أؤمن بالأشباح، لكنني منذ تلك الليلة لم أعد أثق في الأشجار.
كانت الساعة تقترب من الثانية بعد منتصف الليل، حين دخلت حديقة الشلالات من بوابتها الجانبية. لم تكن الإسكندرية نائمة تمامًا، لكن ضجيجها بدا بعيدًا، كأنه يأتي من مدينة أخرى، أو من عالم لم يعد يخص الأحياء.
كان المطر قد توقف منذ قليل. الأرصفة مبتلة، ورائحة التراب المبلل تختلط برائحة البحر القادمة من بعيد. في الحديقة، كانت الأشجار الضخمة تقف مثل حراس عجائز فقدوا أسماءهم منذ قرون. أما ممر أشجار التين البنغالي، فكان غارقًا في ظلام كثيف، تتدلى منه الجذور الهوائية كأصابع طويلة تبحث عن شيء ضائع تحت الأرض.
عرفت الحديقة منذ سنوات طويلة. أعرف ممراتها، وأشجارها، وبرجها القديم، وما تخفيه تربتها من طبقات التاريخ. كنت أظن أنني أعرف كل شيء عنها.
كنت مخطئًا.
أخرجت مصباحًا صغيرًا من جيبي، وأضأت الطريق. كان الممر يبدو أطول مما أتذكر. أشجار التين البنغالي على الجانبين تشابكت أغصانها في الأعلى حتى صنعت سقفًا أسود لا تنفذ منه نجمة واحدة.
خطوت بضع خطوات.
ثم سمعت صوتًا.
ثلاث طرقات خفيفة.
تك… تك… تك.
توقفت.
التفت إلى الخلف. لا أحد.
قلت لنفسي إن صوتًا كهذا قد يصدر عن غصن تحرك بفعل الريح، أو عن طائر استيقظ في غير موعده. لكن الريح لم تكن تهب، والطيور لا تطرق الأشجار من الداخل.
واصلت السير.
تك… تك… تك.
هذه المرة جاء الصوت من أمامي.
سلطت المصباح على جذع شجرة ضخمة. كان جذعها عريضًا إلى حد أن ثلاثة رجال لا يستطيعون تطويقه بأذرعهم. تتدلى منه جذور كثيرة، بعضها وصل إلى الأرض والتحم بها، حتى بدا كأن الشجرة تحاول أن تمشي، لكنها نسيت كيف تتحرك.
وعلى الجذع رأيت شيئًا لم يكن موجودًا من قبل.
اسمًا محفورًا في اللحاء.
«محمود».
اقتربت أكثر.
كان الاسم حديثًا، والجروح المحيطة بالحروف لا تزال رطبة.
مددت يدي ولمست النقش.
فجأة انطفأ المصباح.
لم أتحرك.
سمعت أنفاسًا خلفي.
أنفاس رجل يلهث، كأنه ركض مسافة طويلة قبل أن يصل إليّ.
استدرت بسرعة، لكن الظلام كان كاملًا. حاولت تشغيل المصباح مرة أخرى. أضاء لثانية واحدة، فرأيت رجلًا يقف على بعد خطوات.
كان يرتدي ملابس قديمة، ويضع قبعة سوداء على رأسه. وجهه شاحب، وعيناه غائرتان بصورة غير طبيعية.
قال بصوت خافت:
«تأخرت».
قلت وأنا أحاول أن أبدو هادئًا:
«من أنت؟»
لم يجب.
أشار إلى نهاية الممر.
«هو ينتظرك».
«من؟»
ابتسم.
لم تكن ابتسامة إنسان سعيد، بل ابتسامة شخص يعرف نهاية قصة لا يعرف بطلها أنه دخلها بعد فوات الأوان.
ثم اختفى.
لم يبتعد، ولم يركض، ولم يتلاشَ تدريجيًا. كان موجودًا، ثم لم يعد موجودًا.
وفي اللحظة نفسها سمعت صوتًا عميقًا يأتي من تحت الأرض.
صوتًا يشبه احتكاك حجرين هائلين.
تذكرت الصهريج الأثري المدفون في الحديقة، والطبقات القديمة التي تخفيها التربة، والآثار التي ما زالت تنتظر من يكتشفها. قلت لنفسي إن الصوت ربما جاء من أعمال إنشائية في مكان قريب.
لكنني كنت وحدي.
على الأقل، هكذا كنت أظن.
وصلت إلى منتصف الممر. كانت الجذور الهوائية تحيط بي من كل جانب. شعرت أن بعضها يتحرك. لم يكن ذلك ممكنًا، ومع ذلك رأيت إحدى الجذور تنسحب ببطء فوق التراب، ثم ترتفع قليلًا عن الأرض مثل ثعبان يستعد للهجوم.
تراجعت.
سمعت همسًا من بين الأشجار.
«لا تنظر إلى أعلى».
كانت الجملة واضحة، قريبة، وكأن شخصًا يقف بجوار أذني.
لكنني نظرت.
وكان ذلك أسوأ قرار اتخذته في حياتي.
فوق رأسي، بين الأغصان المتشابكة، رأيت عشرات الوجوه.
وجوه رجال ونساء وأطفال.
بعضها يضحك، وبعضها يبكي، وبعضها يفتح فمه في صرخة صامتة. كانت الوجوه ملتصقة بالجذوع، كأن لحاء الأشجار صار جلدًا بشريًا، وكأن الشجرة ابتلعت أناسًا كثيرين ثم احتفظت بملامحهم.
أغمضت عيني.
سمعت صوت طفل:
«أنت تعرف الطريق إلى الخارج، أليس كذلك؟»
فتحت عيني.
كان طفل صغير يقف أمامي.
حافي القدمين، يرتدي قميصًا أبيض قديمًا، ويحمل في يده لعبة خشبية على هيئة حصان.
سألته:
«أين أهلك؟»
قال:
«هنا».
ثم رفع رأسه إلى الشجرة.
«كلنا هنا».
في تلك اللحظة، تحركت الجذور.
اندفعت من الأرض كأذرع طويلة، والتفت إحداها حول قدمي. حاولت انتزاعها، لكنها كانت باردة وقوية، وشعرت أنها تضغط على عظامي.
صرخت.
صرخ الطفل أيضًا، لكن صرخته لم تكن صرخة خوف.
كانت ضحكة.
ثم قال:
«لا تدعهم يعرفون أنك تسمعهم».
انطفأ المصباح للمرة الثانية.
وفي الظلام، سمعت عشرات الأصوات تتحدث في وقت واحد.
«لقد عاد».
«لقد وجدناه».
«هذه المرة لن يخرج».
ثم سمعت صوتًا أعرفه جيدًا.
صوتي أنا.
كان يأتي من عمق الممر، ويقول:
«لا تدخل الحديقة الليلة».
لم أفهم.
كيف يمكن لصوتي أن يسبقني إلى مكان لم أصل إليه بعد؟
بدأت أركض. تعثرت في الجذور، وسقطت على الأرض. اصطدمت يدي بشيء معدني. تحسسته في الظلام، فإذا به مفتاح قديم، ثقيل، تتدلى منه قطعة نحاسية صغيرة.
وعليها تاريخ محفور:
١٩٢٦.
سمعت وقع أقدام تقترب.
رفعت رأسي، فرأيت الرجل صاحب القبعة السوداء واقفًا عند نهاية الممر.
هذه المرة كان وجهه واضحًا.
كان وجهي.
لكنني كنت أكبر سنًا، وأكثر شحوبًا، وكانت عيناي غائرتين كما لو أنني لم أنم منذ مئة عام.
قال الرجل:
«أخيرًا وجدت المفتاح».
سألته وأنا أرتجف:
«أي مفتاح؟»
أشار إلى الشجرة خلفي.
«مفتاح الباب الذي فتحته».
التفت.
كان في جذع الشجرة باب صغير لم أره من قبل. باب خشبي أسود، لا يتجاوز ارتفاعه مترًا واحدًا. وفي وسطه ثقب معدني يتطابق تمامًا مع المفتاح الذي أمسكه.
لماذا كان هناك باب داخل شجرة؟
ولماذا كنت أشعر أنني رأيته من قبل؟
وضعت المفتاح في الثقب.
استدار وحده.
صدر صوت طقطقة، ثم انفتح الباب ببطء.
خلفه لم تكن هناك فجوة في الخشب، ولا تجويف طبيعي.
كان هناك ممر حجري طويل.
وفي نهايته ضوء أصفر خافت.
رأيت جدارًا مغطى بالكتابات، ومصباحًا زيتيًا قديمًا، وكرسيًا خشبيًا يجلس عليه رجل ظهره إليّ.
كان الرجل يكتب.
اقتربت بحذر.
على الطاولة أمامه ورقة، وعلى الورقة عنوان مكتوب بخط يدي:
«ممر أشجار التين البنغالي».
وتحت العنوان كانت هناك جملة واحدة:
«في الليلة التي اختفى فيها حسين عبد البصير من حديقة الشلالات».
شعرت بأن الأرض تميد بي.
مددت يدي إلى كتف الرجل الجالس.
استدار.
كان أنا.
لكن هذه المرة لم يكن عجوزًا ولا شاحبًا. كان وجهي كما هو، بعينيّ وملامحي، حتى الندبة الصغيرة في يدي اليسرى كانت موجودة.
نظر إليّ طويلًا، ثم قال:
«أنت متأخر جدًا».
سألته:
«من أنت؟»
قال:
«أنا الرجل الذي لم يخرج من الممر».
ثم أشار إلى الباب خلفي.
«أما أنت، فقد دخلت منذ زمن».
وفجأة سمعت صوتًا مدويًا، كأن جذور الشجرة كلها انطبقت على بعضها. انطفأ المصباح الزيتي، واختفى الرجل، وبدأت الجدران تضيق.
ركضت نحو الباب.
خرجت إلى الممر، لكن الحديقة لم تعد كما كانت.
لم تكن هناك أشجار، ولا مقاعد، ولا طرقات مرصوفة.
كان المكان أرضًا واسعة مغطاة بالضباب، وفي وسطها شجرة تين بنغالي واحدة، هائلة الحجم، تمتد جذورها فوق الأرض مثل شبكة من العروق السوداء.
وعند جذعها وقف الطفل.
كان يحمل لعبته الخشبية.
قال لي:
«أبي، هل ستأخذني معك هذه المرة؟»
لم أستطع الرد.
فقد تذكرت فجأة صورة قديمة رأيتها في مكان ما، لرجل يحمل طفلًا أمام شجرة ضخمة.
كانت الصورة مؤرخة بعام ١٩٢٦.
وكان الرجل يحمل ملامحي.
ركضت.
ركضت حتى شعرت أن صدري سينفجر. وحين وصلت إلى البوابة الجانبية، وجدت الحارس واقفًا أمامها، يتثاءب ويمسك كوبًا من الشاي.
نظر إليّ باستغراب.
«خير يا دكتور؟ حضرتك جيت منين؟»
لم أجب.
أخرجت هاتفي.
كانت الساعة الثالثة إلا عشر دقائق.
قلت له:
«هل رأيت أحدًا يدخل الحديقة الليلة؟»
هز رأسه.
«لا يا فندم. محدش دخل من بعد ما قفلنا».
«ولا أنا؟»
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال:
«حضرتك؟!»
ابتسم ابتسامة مرتبكة.
«يا فندم، أنت واقف هنا من الساعة تسعة. ما دخلتش الحديقة أصلًا».
نظرت إلى حذائي.
كان مغطى بالطين الأسود.
وفي يدي اليسرى كان المفتاح النحاسي.
لم أنم تلك الليلة.
وفي الصباح عدت إلى الحديقة مع أحد العاملين. سرت معه إلى ممر أشجار التين البنغالي. كانت الشمس تتسلل بين الأغصان، والعصافير تقفز فوق الجذور، وكل شيء يبدو طبيعيًا إلى درجة تثير الريبة.
وصلنا إلى الشجرة الضخمة.
لم يكن هناك باب.
لكنني وجدت شيئًا آخر.
على جذعها كان الاسم محفورًا بوضوح:
«حسين».
وتحته تاريخ لم أستطع تفسيره.
٤ نوفمبر ٢٠٢٦.
كان الحفر عميقًا، كأنه موجود منذ سنوات طويلة.
اقترب العامل مني وسأل:
«مين اللي كتب اسم حضرتك هنا؟»
لم أجبه.
كنت أنظر إلى الجذور.
فقد لاحظت أن إحدى الجذور الهوائية قد تحركت قليلًا، وأن تحتها شيئًا أبيض صغيرًا يبرز من التراب.
انحنيت والتقطته.
كانت لعبة حصان خشبية.
نظرت إلى العامل.
«هل تعرف لمن هذه اللعبة؟»
هز رأسه.
ثم قال جملة جعلت الدم يتجمد في عروقي:
«غريبة يا دكتور… إحنا لقينا اللعبة دي هنا من عشرين سنة، وكل شوية تختفي وترجع».
وضعت اللعبة في جيبي وعدت إلى مكتبي.
في المساء، فتحت درج المكتب لأضع المفتاح النحاسي الذي احتفظت به.
لكن المفتاح لم يكن هناك.
كانت اللعبة الخشبية وحدها داخل الدرج.
وبجوارها ورقة صغيرة مطوية.
فتحتها.
كان الخط خطي.
والعبارة المكتوبة عليها قصيرة:
«لا تعد إلى الممر بعد الغروب. لقد عرفوا أنك تستطيع رؤيتهم».
رفعت رأسي نحو النافذة.
كانت الحديقة غارقة في الظلام.
وعند طرف ممر أشجار التين البنغالي، رأيت رجلًا يقف تحت الشجرة.
كان يرتدي ملابسي.
ويرفع يده ليحييني.
ثم أشار بإصبعه إلى فمه طالبًا الصمت.
وفي اللحظة نفسها، رن هاتفي.
نظرت إلى الشاشة.
المتصل: حسين عبد البصير.
لم يكن الرقم رقمي.
كان الهاتف يرن، والرجل في الحديقة يبتسم.
أجبت.
جاءني صوتي من الطرف الآخر، هادئًا وواضحًا:
«لا تفتح الباب يا حسين… أنا ما زلت في الداخل».
ثم سمعت ثلاث طرقات.
تك… تك… تك.
لكنها هذه المرة لم تأت من الحديقة.
جاءت من داخل خزانة مكتبي.
ومنذ تلك الليلة، كلما مررت بحديقة الشلالات، أتجنب النظر إلى ممر أشجار التين البنغالي.
ليس خوفًا من الأشباح.
بل لأنني أعرف الآن أن بعض الأشجار لا تنمو نحو السماء.
بعضها ينمو نحو الأعماق.
وبعضها، حين يجد إنسانًا يستمع إليه، لا يتركه يرحل أبدًا.
وفي الليلة الماضية، بينما كنت أكتب هذه القصة، سمعت الطرقات الثلاث مرة أخرى.
تك… تك… تك.
ثم جاءني صوت طفل من داخل الخزانة:
«أبي… لقد نسيت أن تأخذني معك».
