03 نوفمبر 2026 أدب

طائر لا يعرف الوحدة

قصة: حسين عبد البصير

في حديقة الشلالات بالإسكندرية، حيث تختلط رائحة الأشجار القديمة برطوبة البحر، وحيث تتجاور آثار الزمن مع ضجيج مدينة لا تعرف كيف تصمت، كان هناك طائر أبو قردان يقف وحيدًا.

لم يكن في وحدته ما يدعو إلى الشفقة. لم يكن مكسور الجناحين، ولا جائعًا، ولا مطرودًا من سربه. كان صحيحًا، أنيقًا، أبيض كأنه خرج لتوه من صفحة في كتاب عن الطبيعة. يمشي على العشب بخطوات واثقة، ويغرس منقاره في الأرض، ثم يرفع رأسه فجأة، كأن فكرة بعيدة مرت بخاطره.

كنت أراه كلما مررت بالحديقة.

وفي كل مرة، كان في المكان نفسه تقريبًا.

تساءلت: هل اعتاد المكان، أم أن المكان اعتاده؟ وهل يمكن لطائر أن يصبح أسير بقعة صغيرة من العالم، كما يصبح الإنسان أسير ذكرى لا يعرف كيف يتخلص منها؟

كان أبو قردان يراقب المارة دون اهتمام. الأطفال يركضون، والعمال ينظفون الممرات، والعشاق يتبادلون أحاديثهم السرية على المقاعد، والحمام ينشغل بمعاركه الصغيرة حول فتات الخبز. أما هو فكان يمضي وقته في شيء آخر.

الانتظار.

ذات صباح، ظهرت طائرته البيضاء.

جاءت من خلف الأشجار، خفيفة الحركة، حذرة، وكأنها لا تريد أن تزعج أحدًا. اقتربت منه، ثم انحنت تلتقط حشرة صغيرة من العشب. لم يبدُ عليه الارتباك، لكنه توقف عن البحث عن طعامه.

رفعت رأسها.

التقت عيناهما.

كانت لحظة عابرة، لا تستحق في حسابات البشر أكثر من ثانية، لكنها بدت كأنها استغرقت عمرًا كاملًا في حسابات الطيور.

لم يقترب منها. ولم تبتعد عنه.

ظلا هكذا، كل منهما مشغول بما يفعله، وكل منهما يعرف بوجود الآخر.

في الأيام التالية، تكرر المشهد. لم تكن هناك اعترافات، ولا وعود، ولا رسائل طويلة. كانت هناك مسافة تتناقص قليلًا كل صباح، وخطوات تتزامن دون اتفاق، وصمت لا يشعر أحدهما بالحاجة إلى كسره.

بدأ أبو قردان يغير عاداته.

لم يعد يذهب مباشرة إلى بقعته المعتادة. صار يمر أولًا بالممر الذي تظهر منه، ويتوقف قرب النافورة، ثم يمضي إلى العشب. وإذا تأخرت، ظل ينظر ناحية الأشجار.

لم يكن الحب قد جعله طائرًا آخر، لكنه جعله يرى الحديقة على نحو مختلف.

ذات يوم، غابت.

جاء الصباح ولم تظهر. انتظر حتى ارتفعت الشمس، ثم طار إلى مكان آخر وعاد. وفي اليوم التالي كرر الأمر. لم يكن يعرف أين ذهبت، ولم يكن يملك وسيلة للسؤال عنها.

كان العالم واسعًا على نحو قاسٍ.

في اليوم الثالث، هبت رياح باردة من جهة البحر. تحركت أغصان الأشجار، وتساقطت أوراق صفراء على الممرات، وبدا المكان كأنه يستعيد ذكرى خريف قديم.

وقف أبو قردان تحت الشجرة العتيقة.

ثم ظهرت.

كانت تمشي ببطء، وتبدو مرهقة قليلًا. اقتربت منه، فتراجع خطوة، ثم عاد إليها. دارا حول بعضهما في حركة صغيرة، وبعدها انشغلا بالتقاط الطعام من الأرض.

لم يحدث شيء آخر.

لكن الطائر لم يعد ينظر إلى الممر بعد ذلك اليوم بالطريقة نفسها.

كنت أفكر أحيانًا في هذه الحكاية. لم أكن أعرف إن كان ما أراه حبًا بالمعنى الذي نفهمه نحن، أم مجرد ألفة بين كائنين جمعتهما الطبيعة في مكان واحد. فالإنسان يميل إلى إسقاط مشاعره على الحيوانات، ويمنحها لغته وأسئلته ومخاوفه. وربما كان الطائران أبسط منا كثيرًا؛ لا يفكران في معنى العلاقة، ولا يقلقهما مستقبلها، ولا يطلب أحدهما من الآخر تفسيرًا لما حدث بالأمس.

إنهما يعيشان اللحظة، ونحن نبدد أعمارنا في محاولة فهمها.

وفي صباح آخر، رأيتهما يطيران فوق الحديقة. ارتفعا قليلًا، ثم عادا إلى الأشجار. كان جناحاهما الأبيضـان يلمعان تحت الشمس، بينما كانت الإسكندرية تواصل حياتها الصاخبة في الخارج.

اختفيا بين الأغصان.

وبقيت أنظر إلى المكان الذي غادراه.

تذكرت أن الإنسان، منذ أقدم العصور، لم يتوقف عن مراقبة الطيور. رسمها المصري القديم على جدران مقابر النبلاء، وجعل بعضها رمزًا للروح والبعث والتحول، وتأمل حركتها في السماء بوصفها صورة للحرية التي يصعب امتلاكها على الأرض. وربما كان في مراقبة طائرين أبيضين في حديقة بالإسكندرية شيء من ذلك الشغف الإنساني القديم: رغبتنا في أن نرى في الطبيعة ما نفتقده في حياتنا.

في النهاية، لم أعرف أين ينام الطائران، ولا أين يذهبان حين تغيب الشمس، ولا ما إذا كانا سيعودان غدًا إلى الشجرة نفسها.

لكنني عرفت شيئًا واحدًا.

أن الحديقة التي تبدو لنا مجرد مساحة خضراء وسط مدينة مزدحمة، هي عالم كامل بالنسبة إلى كائن صغير يعيش فيها. وأن ما نمر به نحن دون انتباه قد يكون بالنسبة إلى غيرنا حكاية عمر.

في حديقة الشلالات، لا يزال طائر أبو قردان الأبيض يمشي فوق العشب.

وأحيانًا، حين يرفع رأسه نحو الأشجار، يخيل إليّ أنه لا يبحث عن طعام، ولا يراقب المارة.

إنه ينظر فقط إلى الجهة التي تأتي منها طائرته.

ولعل أجمل ما في الحكاية أن أحدًا لم يطلب منه أن يشرح لماذا ينتظر.

شارك المقال: فيسبوك تويتر