14 أكتوبر 2026 قراءات

 

كنت طفلًا محظوظًا لأنّني نشأت في أسرةٍ تعدّ الثّقافة جزءًا مهمًّا من تكوين أبنائها، وكان ترتيبي السّادس بين أشقّائي العشرة، وقد تأثّرت في طفولتي بشقيقي الأكبر فاروق؛ إذ فتح عينيّ على شيءٍ اسمه الكتاب بمعناه الواسع. كنت أتسلّم الكتب وأذهب إلى المدرسة، لكنّ فاروق كانت له في البيت مكتبةٌ عبارةٌ عن خزانةٍ كبيرةٍ في الحائط صمّمت على الطّراز الفرنسيّ، تضع والدتي فيها الفخّار والصّينيّ وكؤوس الزّجاج وأشياءها الخاصّة، فصنع منها مكتبةً بعرض الحائط بعد أن أقنعها بذلك، حيث كنّا نسكن في فيلا من دورين تابعةٍ لشركة قناة السّويس التي كان يعمل بها والدي، وعشنا فيها ما يزيد على 25 عامًا.

قال عنه الشّاعر نزار قبّاني: “نزار قبّاني وفي عقد السّبعينيّات تحديدًا: محمود يمثّل كإنسانٍ وفنّانٍ وممثّلٍ، مثل الحبّ كما غنّته نجاة: «بعضٌ من تخيّلنا لو لم نجده عليها لاخترعناه»، أي أنّه ضرورةٌ نحتاجها في حياتنا. وهكذا كان محمود ياسين، هو هذا البطل النّجم وهو في الثّامنة والعشرين من عمره في مطلع العام 1970، هو هذا البطل النّجم «جان» السينما المصريّة الذي بحثت عنه القلوب وتوحّدت عليه المشاعر واختاره النّاس معبّرًا عنهم. محمود ياسين كان، وكانت ولم تزل أعماله ببصمته وشخصه وأدائه حقبةً فارقةً جدًّا في تاريخنا الفنّيّ العربيّ”.

(كانت مدينتنا بورسعيد ولم تزل هي المدينة الوحيدة التي بها نادٍ للمسرح، ولذا فقد رأيت كلّ المهن والمواهب والأسماء التي لا أنساها. في نادي مسرح بورسعيد شاهدت عروضًا تمثيليّةً على خشبة المسرح تستعيد نصوص علي الكسّار والرّيحاني، حتّى الإيقاعات والأغاني، ممثّلين موهوبين بلا دراسة؛ نقّاشًا يجيد التّمثيل وعلاقته بالنّصوص المسرحيّة تفوق خبرة أكبر ممثّلٍ ومؤلّفٍ. قابلت الحاجّ محمّد الطّوبجيّ وهو أوّل من علّمني مفهوم الحركة على المسرح، وكذلك علّمني الطّوبجيّ كيف أمثّل للمسرح الحقيقيّ، لذلك لا أنسى فضل هذا الرّجل).

محمود ياسين في «حياتي كما عشتها»: في كتابه الصّادر عن دار «بيت الحكمة للصّناعات الثّقافيّة» ومن تأليف وتسجيل الكاتب الصّحفيّ «سيّد محمود سلام»، يحكي الفنّان والنّجم السينمائيّ البورسعيديّ المولد «محمود ياسين» كيف كانت الحياة معه في الفنّ وللفنّ، في مئتين وثلاثٍ وعشرين صفحةً من القطع الصّغير، وعبر ستّة فصولٍ بالإضافة لفصلٍ أخيرٍ وسابع عن أيّامٍ في حياة محمود ياسين بالصّور.

بداياتٌ لا بدّ منها: لا أنسى تلك الأيّام الفارقة في حياتي عندما فكّرت في احتراف فنّ الإخراج والسّفر إلى القاهرة لدراسة «السينما» في معاهد أكاديميّة الفنون المصريّة، فكانت قبلتي جهة محافظ مدينتي بورسعيد، السيّد اللّواء سامي خضير، والذي قابلته عبر وسطاء ومقرّبين ليتبنّى حلمي بالدّراسة في معهد الفنون المسرحيّة (قسم نقد ودراما) أو بمعهد السينما (قسم الإخراج). فكان الاتّصال بالنّجم «محمود ياسين» مباشرةً، والذي حكى له المحافظ كيف أنّ الطّالب حسين عبد الرّحيم يحلم بالعمل في السينما من خلال الدّراسة، ولم يجد أقرب من نجمنا الكبير ابن بورسعيد للتّوسّط له للالتحاق بإحدى المعاهد الفنّيّة العليا ليصقل موهبته بفنّ الإخراج والتّمثيل بأحد المعهدين. يومها رحّب النّجم محمود ياسين، الذي لم أقابله من قبل، وكان يسكن آنذاك بفيلا 3 بشارع علوبة بالهرم.

قابلني محمود ياسين في بيته أنا وشقيقي محمّد حسن، نائب الأحكام العسكريّة في الجيش الثّاني آنذاك، وفشلت كلّ المحاولات للولوج إلى عالم الفنّ بشكلٍ منهجيٍّ ومدروس. تقدّمت للاختبارات مرّتين لعامين دراسيّين متتاليين؛ مرّةً للالتحاق بمعهد السينما (قسم الإخراج والسيناريو)، والمرّة الثّانية كانت تقدّمي للالتحاق بقسم النّقد والتّمثيل بمعهد الفنون المسرحيّة. تخطّيت كلّ الاختبارات، وبكلّ أسفٍ لم يحالفني الحظّ، فكانت تلك الكلمات التي لا أنساها من نجم بلدي البورسعيديّ محمود ياسين: «الواسطة قد تفيدك في النّجاح وتخطّي عقبات القبول بالمعهد، ولكنّها لن تكون سببًا رئيسًا في ولوجك الشّرعيّ لمجال الفنّ، سواءٌ أكان تمثيلًا أم إخراجًا أم في أيّ مسارٍ آخر».

وشعرت بالحزن لعدم توفيقي في القبول لعامين متتاليين، لولا موقف الدّكتور شوقي محمّد علي والمخرج يوسف شاهين والسيناريست يحيى عزمي والسيناريست رفيق الصّبّان، والذين قرؤوا لي بعض النّصوص والمقالات النّقديّة عن الفنّ والسينما تحديدًا، فوافق مدير المعهد على انتسابي للمعهد، وخاصّةً أنّني وقتها كنت قد كتبت الكثير من رؤيتي عن فنّ السينما والإخراج في أكثر من مقالٍ، بالإضافة لكتاباتٍ أدبيّةٍ ونصوصٍ قصصيّةٍ كانت شفيعًا لي للولوج لعالم الفنّ وأكاديميّة الفنون المصريّة بالهرم.

بورسعيد مدينة الحرّيّة والفنّ: يقول الفنّان الممثّل محمود ياسين في شهادةٍ للتّاريخ ومدينته بورسعيد، وفي الفصل الأوّل من كتاب المؤلّف سيّد محمود سلام «محمود ياسين.. حياتي كما عشتها»: «كنت طفلًا محظوظًا لأنّني نشأت في أسرةٍ تعدّ الثّقافة جزءًا مهمًّا من تكوين أبنائها، وكان ترتيبي السّادس بين أشقّائي العشرة، وقد تأثّرت في طفولتي بشقيقي الأكبر فاروق؛ إذ فتح عينيّ على شيءٍ اسمه الكتاب بمعناه الواسع. كنت أتسلّم الكتب وأذهب إلى المدرسة، لكنّ فاروق كانت له في البيت مكتبةٌ عبارةٌ عن خزانةٍ كبيرةٍ في الحائط صمّمت على الطّراز الفرنسيّ، تضع والدتي فيها الفخّار والصّينيّ وكؤوس الزّجاج وأشياءها الخاصّة، فصنع منها مكتبةً بعرض الحائط بعد أن أقنعها بذلك، حيث كنّا نسكن في فيلا من دورين تابعةٍ لشركة قناة السّويس التي كان يعمل بها والدي، وعشنا فيها ما يزيد على 25 عامًا».

بدايةٌ كلاسيكيّةٌ مع القراءة والفنّ: قرأ الممثّل والفنّان محمود ياسين الكثير من الكتب والمؤلّفات الكلاسيكيّة التي تُعتبر أمّهات الكتب في تلك الأيّام ولم تزل: «قرأت الأيّام لطه حسين وكلّ السّيَر الذّاتيّة، وكذلك كتابات الرّوسيّ دوستويفسكي ومكسيم غوركي وغي دي موباسان والمنفلوطي، وكتب محمّد عبد الحليم عبد الله والسّباعيّ ونجيب محفوظ، وكلّ كتب التّراث التي كانت تصدر في سلاسل مثل: كتيّبات لكلّ كتّاب ومفكّري العالم، وسلسلة الكتاب الذّهبيّ، ومطبوعات الهلال، وأعمال يوسف إدريس، وكذلك سلسلة “اقرأ” التي كانت تصدر ملخّصاتٍ للآداب العربيّة. وقرأت في تلك الفترة، وهي فترة المراهقة، كلّ هذا بتوجيهاتٍ من قِبل شقيقي الأكبر فاروق». هكذا يحكي محمود ياسين، النّجم الرّومانسيّ والتّراجيديّ، بدايات فترة التّكوين التي كان لها كلّ الفضل في تأسيس عوالم ومنهجيّة وفكر، بل حلم الفنّان الشّامل محمود ياسين، الذي تربّع على عرش النّجوميّة لأكثر من ربع قرنٍ ما بين أفلام الأبيض والأسود والسينما سكوب حتّى نهاية عصر التّسعينيّات. لا ينسى محمود ياسين أنّ الفضل الأوّل لتكوينه واحتشاده وتثقيفه، بل وتربيته الفنّيّة والثّقافيّة الإبداعيّة، يعود للأخ الأكبر فاروق ياسين.

بداياتٌ مبهرة.. الطّليعة في بورسعيد قبل القاهرة: كانت بدايات الممثّل محمود ياسين من خلال مشاركاتٍ عدّةٍ في مسرح المدارس ثمّ مسارح بورسعيد، في وجود الكثير من الرّموز الفنّيّة في عالم الإخراج المسرحيّ، منهم عبّاس أحمد والسيّد طليب، وذلك من خلال تبنّي الحاجّ محمّد النّبع وهو رجلٌ محبوبٌ آنذاك وعضوٌ في البرلمان عن محافظة بورسعيد. وكلّ هذا كانت تتمّ فعاليّاته بالعروض والبروفات داخل مسرح العمّال. ويضيف ياسين في شهادته في كتابه المعنون «محمود ياسين.. حياتي كما عشتها»، وفي ردّه على محاوره المؤلّف سيّد محمود سلام: «كانت مدينتنا بورسعيد ولم تزل هي المدينة الوحيدة التي بها نادٍ للمسرح، ولذا فقد رأيت كلّ المهن والمواهب والأسماء التي لا أنساها. في نادي مسرح بورسعيد شاهدت عروضًا تمثيليّةً على خشبة المسرح تستعيد نصوص علي الكسّار والرّيحاني، حتّى الإيقاعات والأغاني، ممثّلين موهوبين بلا دراسة؛ نقّاشًا يجيد التّمثيل وعلاقته بالنّصوص المسرحيّة تفوق خبرة أكبر ممثّلٍ ومؤلّفٍ. قابلت الحاجّ محمّد الطّوبجيّ وهو أوّل من علّمني مفهوم الحركة على المسرح، وكذلك علّمني الطّوبجيّ كيف أمثّل للمسرح الحقيقيّ، لذلك لا أنسى فضل هذا الرّجل. وقد لا يعلم أحدٌ أنّ خضر الطّوبجيّ أثّر فينا كجيلٍ مسرحيٍّ من أبناء بورسعيد، وأذكر أيضًا أنّ من بين العمّال الذين تأثّرت بهم محمود عزمي، مهندس ديكورٍ بدون مؤهّلات، كان يهوى الرّسم ويصمّم ديكورات أيّ نصوصٍ سواءٌ كانت عربيّةً أم عالميّة. هذا الرّجل حكايةٌ، كنّا نتعجّب من قدرته على الابتكار رغم أنّه عاملٌ عاديٌّ، ولم نفهم وقتها أنّ كلّ هذه المواهب والحالات كان لها الفضل والدّافع لأن نكوّن ونحن طلّابٌ مسرحَ الطّليعة قبل أن يصبح في القاهرة مسرح طليعة». ويضيف ياسين: «وكنت أدير المسرح أنا وسيّد طليب وعبّاس أحمد، ومن هنا قدّمنا أوّل مسرحيّةٍ عالميّةٍ وهي “نيرون”، وكانت من أجمل ما قدّمنا، وصمّم ديكوراتها محمود عزمي».

بدايةُ نجمٍ مختلف: كانت بدايات الممثّل والنّجم محمود ياسين قد تعرّف عليها المشاهد من خلال اختيارٍ أوّل للمخرج إبراهيم الصّحن في ثلاث قصصٍ وثلاثة مخرجين في فيلم «دنيا الله» للكاتب نجيب محفوظ وسيناريو وحوار عبد الرّحمن فهميّ، ليُكتب لأوّل مرّةٍ اسم الممثّل محمود ياسين على التّتر. وتوالت الأعمال السينمائيّة بعد ذلك ليأتي دوره الفارق، رغم صغر الدّور، في فيلم «شيء من الخوف» مع حسين كمال، لتتفجّر أنهارٌ من الرّؤى بشأن هذا النّجم التّراجيديّ، والتي أهّلته وسامته وملامحه ونطقه الصّحيح لمفردات وكلمات اللّغة العربيّة ليكتسح شاشات العرض السينمائيّ كبطلٍ لا ينازعه أحدٌ في الأداء ولا الشّكل، ولا حتّى الملابس والتّكوين الثّقافيّ مع البلاغة، فقدّم أكثر من مئتين وسبعين عملًا سينمائيًّا، بالإضافة لأكثر من ثلاثمئة عملٍ مسرحيٍّ وإذاعيٍّ ودراميٍّ، منها: قاع المدينة، الأيدي القذرة، على من نطلق الرّصاص، جفت الدّموع، وانتهى الحبّ، على ورق سوليفان، الكدّاب، ظلال على الجانب الآخر لغالب شعث، مولد يا دنيا، دقّة قلب، لا يا من كنت حبيبي، أنا لا عاقلة ولا مجنونة، سونيا والمجنون، العشّ الهادئ، سنة أولى حبّ، أين المفرّ، قاهر الظّلام، عندما يسقط الجسد، شقّة في وسط البلد، ليل وقضبان، وسقطت في بحر العسل، الصّعود إلى الهاوية، العذاب امرأة، الرّسالة، أسياد وعبيد، الشّكّ يا حبيبي، نحن لا نزرع الشّوك، أفواه وأرانب، الباطنيّة، مع سبق الإصرار، والعشرات من الأعمال الرّومانسيّة والتّاريخيّة والسياسيّة الدّراميّة السينمائيّة والمسرحيّة والإذاعيّة.

كراهية محمود ياسين للرّياضيّات: يقول محمود ياسين في حكيه عن نفسه ورحلته ومشوارِه مع الحياة والفنّ: «أكثر شيءٍ كرهته في حياتي هو الرّياضيّات، بما فيها الحساب والجبر والهندسة، لم أكن أطيق حصصها، وكنت أشعر بضيقٍ في هذه الحصص، وأجد سعادةً عندما يغيب أيّ مدرّسٍ لهذه الموادّ. حتّى الرّسم كنت أحبّه ولم أكن متفوّقًا فيه، رغم أنّ شقيقي الذي يكبرني بعامين أحبّ الرّسم وأصبح فنّانًا تشكيليًّا. وأظنّ أنّ سبب عدم استقراري في الابتدائيّة، وكرهي الشّديد لموادّ الرّياضيّات، هو أنّ ميولي كانت أدبيّةً متأثّرًا بوالدي وثقافته الواسعة؛ فوالدي كان له تأثيرٌ خاصٌّ ليس فيّ أنا فقط بل في كلّ من حوله، وكنت دائمًا أعتبره عمود الأسرة. فوالدي، رحمه الله، يؤثّر في كتيبة جيشٍ، كان إنسانًا هادئًا وقورًا وعلى وجهه ابتسامةٌ دائمةٌ، محبًّا للحياة، وفيه كثيرٌ من الرّقّة والعذوبة، محبوبًا بين النّاس، وأحبّنا النّاس لحبّهم الشّديد لأبي. تأثّرت به وبوقاره، ولم أكتسب كلّ ملامحه كبقيّة أشقّائي، ولكنّ بعض أشقّائي يشبهونه أكثر، فكان لنا شقيقٌ نسخةٌ طبق الأصل منه».

متلازمة العفريت؟! يقول محمود ياسين في الفصل الأوّل في كتابه «محمود ياسين.. حياتي كما عشتها» وللمؤلّف سيّد محمود سلام الذي كان ينصت تاركًا الكاسيت يلتقط كلّ مثيرٍ وفارقٍ في حياة نجمٍ هاملتيٍّ ومتفرّدٍ في الأداء منذ صغره، فيقول: «حياتي قبل التّمثيل كانت غير مستقرّةٍ، كأنّني أبحث عن شيءٍ يسعدني. كنت أراقب أخي فاروق الممثّل العظيم في نظري؛ كان يحبّ نجيب الرّيحاني وتعلّمت منه كيف أحبّ الرّيحاني. أشاهده فأشعر أنّه يمتلك عالم التّمثيل بين عينيه: نظراته، تأمّله، صوته، حتّى وهو يغنّي بصوتٍ أجشّ تستسيغ غناءه. من هذه الحالة التي لاحظتها وتأثّرت بها أحببت التّمثيل وشعرت أنّه الشّيء الذي أبحث عنه، هو عالمي المفقود، به تستكمل حياة الشّابّ محمود فاروق ياسين، ليس غيرةً من شقيقي ولكن حبًّا في سحره، خاصّةً أنّني قرأت رواياتٍ عالميّةً وأنا صغيرٌ، فمكتبة والدي تشبه أرشيف الصّحف الكبرى وبها كلّ شيءٍ. فالتمثيل بالنّسبة إليّ “حالةٌ”، فأنا أسمّيه هكذا دائمًا عندما أتذكّر أيّامي الأولى: “حالة”. يقولون: إنّه “العفريت” يتجسّد في الشّخص المحبّ له، فكنت أسعد بالمشاهد التي أمثّلها في نادٍ يسمّى “نادي المرّيخ” ببورسعيد وأنا طفلٌ، وكونّا أنا وزملائي فرقةً مسرحيّةً، أنا وعبّاس أحمد والذي عُرف بأشهر مخرجي الثّقافة الجماهيريّة وله باعٌ طويلٌ وأثّر في حياتي كصديقٍ ورفيق رحلةٍ كما قلت هو والسيّد طليب، وكانا من أقرب صديقين لي».

أمّا الحالة التي يقصدها الرّاحل محمود ياسين فكان يقصد بها: «أن نمثّل مسرحيّةً على مسرحٍ صنعناه بأنفسنا من مناضد وكراسٍ متراصّةٍ، وفي قاعةٍ تسع مئة شخصٍ. لمحت والدي وأنا أمثّل على المسرح، وكانت المرّة الأولى التي أمثّل فيها ويشاهدني، وإذا به يبتسم لي ابتسامةً هادئةً اعتبرتها أوّل تصريحٍ رسميٍّ من والدي بموافقته على دخولي هذا المجال، وكانت أوّل “حالةٍ” أعيشها وأذكرها حتّى الآن. وكان والدي، هذا الرّجل الوقور، ما زال يجلس على كرسيّه مبتسمًا لي. ومن نادي المرّيخ وشوارع بورسعيد التي تفوح منها روائح البحر دائمًا، تعرّفت على من يمتلكون الهاجس نفسه ويلبسهم العفريت نفسه المسمّى التّمثيل. من هنا كانت بدايات تصديق اليقين، وبدأت رحلتي الأولى صوب الدّراسة والتّوجّه لمعهد الفنون المسرحيّة بالقاهرة لدخول قسم التّمثيل».

تجليّاتٌ في متن المتن: كتب عن محمود ياسين الكثير من رموز الفنّ والشّعر والصّحافة والإعلام، وتحديدًا في فترتي السّبعينيّات والثّمانينيّات، منه ما ذكره الشّاعر نزار قبّاني في مقالٍ شهيرٍ للنّاقد طارق الشّنّاوي والذي قال فيه: «القيمة والقامة، والإنجاز الفنّيّ غير المسبوق، والاحترام الجماهيريّ الدّافئ، هذا هو محمود ياسين. كان محمود ياسين، وما أصعبها من كلمة، عنوانًا لسنوات إبداعٍ ووهجٍ عاشتها السينما المصريّة. أعلم أنّه قد يغضب دائمًا من هذا اللّقب “نجم”، ولكنّ قدره أنّه بكلّ لغات العالم سوبر ستار، “نجم استثنائيّ”».

ماهيّة النّجوميّة: قال عنه الشّاعر القدير نزار قبّاني في عقد السّبعينيّات تحديدًا: «محمود يمثّل كإنسانٍ وفنّانٍ وممثّلٍ، مثل الحبّ كما غنّته نجاة: “بعضٌ من تخيّلنا لو لم نجده عليها لاخترعناه”، أي أنّه ضرورةٌ نحتاجها في حياتنا. وهكذا كان محمود ياسين، هو هذا البطل النّجم وهو في الثّامنة والعشرين من عمره في مطلع العام 1970، هو هذا البطل النّجم “جان” السينما المصريّة الذي بحثت عنه القلوب وتوحّدت عليه المشاعر واختاره النّاس معبّرًا عنهم. محمود ياسين كان، وكانت ولم تزل أعماله ببصمته وشخصه وأدائه حقبةً فارقةً جدًّا في تاريخنا الفنّيّ العربيّ».

محطّاتٌ في حياة النّجم الهاملتيّ بجدارة: حصل النّجم الرّاحل، والذي سيبقى كثيرًا بأعماله وموهبته وشخصه وأدائه، على أكثر من 50 جائزةً مصريّةً وعربيّةً ودوليّةً، منها جوائز من مهرجانات قرطاج ودمشق، وجائزة الدّولة من مصر عن مجمل أعماله الحربيّة في عهد الرّئيس السّادات في العام ألفٍ وتسعمئةٍ وخمسةٍ وسبعين، بالإضافة لجوائز من موسكو ومهرجان طشقند الدّوليّ وخريبكة عن فيلم «على من نطلق الرّصاص»، وجوائز وأوسمة من وزارة الثّقافة المصريّة وجمعيّة كتّاب ونقّاد السينما والمركز الكاثوليكيّ، وتكريماتٍ فنّيّةٍ وشخصيّةٍ من دولة فلسطين ومن الرّئيس الفلسطينيّ ياسر عرفات، ومن المغرب الملك محمّد الخامس، والجزائريّ بومدين، وأحمد بن بلّة، ومهرجان الجزائر الدّوليّ، ومن المركز والسّفارة الفرنسيّة بالقاهرة، ومهرجان طشقند الدّوليّ، وعن فيلمَي «سونيا والمجنون» و«مع سبق الإصرار» من جمعيّة كتّاب ونقّاد السينما المصريّة، هذا غير الكثير من الأوسمة من قِبل الرّئيس السّادات ومحمّد حسني مبارك، وتكريماتٍ عدّةٍ من الإذاعة المصريّة وغيره الكثير.

ولد الفنّان محمود ياسين في مدينة بورسعيد في الثّاني من يونيو في العام 1942، وتوفّي في الرّابع عشر من أكتوبر في العام 2020، تاركًا خلفه إرثًا ثقافيًّا وفنّيًّا وإبداعيًّا تمثيليًّا متنوّعًا حلّق باسمه وبكاريزميته وموهبته في فضاءات الشّاشات المصريّة والعربيّة، وكذلك الإذاعات المصريّة والعربيّة أيضًا، وهي الزّاخرة بأعماله التّراجيديّة والرّومانسيّة بل والرّومانتيكيّة الأثيرة، في السينما والتلفزيون وعلى خشبات المسرح المصريّ والعربيّ.

 

شارك المقال: فيسبوك تويتر