17 سبتمبر 2026 ترجمات بقلم: ترجمة : د. هويدا صالح

للكاتبة: كيت شوبان (1894)

ولمّا كان معروفا أن السيدة “مالارد” تعاني من مرض في القلب، حرص الجميع أشد الحرص  أن يُساق إليها نعيُ زوجها بألطف ما يمكن من الترفّق والكتمان.

تولّت أختها “جوزفين” إبلاغها بالخبر بجمل مبتورة، وتلميحاتٍ مستترةٍ  تكشف عما عجزت  عنه الصراحة، بينما وقف “ريتشاردز”، صديقُ زوجها، على مقربةٍ منهما هناك. كان الرجل في مكتب الصحيفة حين وردت أنباء كارثة القطار، فتصدّر اسم “برينتلي مالارد” قائمة الضحايا. استوثق ريتشاردز من صحة الخبر ببرقيةٍ ثانية، ثم أسرع ليمنع عنها وصول الخبر على لسان صديقٍ آخر قد ينقصه الحذر وتخونه الشفقة في حمل هذا البلاء.

لم تتلقّ الخبر كما تتلقاه سائر النساء بجمود الذّهول واستغلاق الحسّ أمام فداحة الموت، بل أجشهت بالبكاء من فورها، في انهيارٍ مباغتٍ عاصف بين ذراعي أختها. وحين سكنت ثورة الفقد واستنفدت قواها، دخلت غرفتها.حاولت الانفراد بفجيعتها، وأبت أن يتبعها أحد.

وهناك، قبالة نافذةٍ مشرعة، كان ينتصب مقعدٌ وثير مريح، فهوت فيه وقد ركبها إعياءٌ جسدي أنهكها تماما، وتغلغل في تلافيف روحها.

تراءت لعينيها، في الفضاء المنبسط قبالة النافذة، رؤوسُ الأشجار تنتفض بحياة الربيع المترعة، وعبير المطر الزكي يعبق في الأرجاء. بينما كان منادي السوق في الشارع أسفل النافذة يُنغم بضاعته؛ وتناهت إليها أصداء خافتة لأغنيةٍ يترنم بها صوتٌ بعيدٌ، وأسرابٌ من طيور الدوريّ لا حصر لها تزقزق عند مزاريب السطح.

مساحات من السماء الزرقاء الفاتنة تلوح من بقع الغيوم المتفرقةً. تتفرق السحب في ناحية وتقترب من بعضها البعض في الأفق الغربي المشرف على نافذتها.

جلست وقد ألقت برأسها إلى الوراء على وسادة المقعد مستكينةً كالأموات، إلا من رعدة نشيجٍ تنتاب حلقها فتزلزلها، كطفلٍ نام على نحيب، فراح يواصل شهقاته في غمرة النوم.

كانت شابةً ذات محيا وضيء وادع، تنم تقاطيعه عن كبتٍ وأناة، بل وعن صلابةٍ دفينة. غير أن نظرةً شاردة باهتة خيمت على عينيها في تلك اللحظة، وتسمر بريقها بعيداً صوب إحدى تلك السماء الزرقاء، نظرة لم تكن وليدة تأملٍ وفكر، بل كانت بالأحرى توحي بذهولٍ تام وركودٍ لأي تفكيرٍ واع.

كان ثمة هاجسٌ يدنو منها في خفاء، فترتقبه في وجل، ما كنهه؟ لم تكن تدري، فقد كان أرقّ وألطف من أن تُحيطه عبارة. لكنها كانت تحس بوطأته تنثال عليها زاحفةً من كبد السماء، تتسلل إليها عبر النغمات والأراجيح والظلال التي فاض بها الأفق.

واضطرب صدرها بالخفقان، يعلو ويهبط في توترٍ هائج. وأخذت تستبين ملامح هذا الخاطر الغامر الذي يوشك أن يحتويها، فاستبسلت لتردّه عنها بإرادةٍ قاصرة، بدت في عجزها وقلة حيلتها أشبه بكفّيها الغضّتين النحيلتين.

فلما فترت قواها واستسلمت، أجهشت من بين شفتيها المنفرجتين همسةٌ خافتة، راحت ترددها مراراً وتكراراً في سرّها: “حُرّة! حُرّة! حُرّة!” فغاضت تلك النظرة الجوفاء وتبدد الذعر الشاخص في عينيها، ليحل محلهما وميضٌ من يقظةٍ باهرة. تدفقت الدماء حارةً في عروقها، وتسارعت دقات قلبها، فاسترخى كل عِرقٍ في جسدها مستريحاً.

ولم تقف لتسائل نفسها إن كانت نشوتها تلك بهجةً آثمة، إذ انتشلها بصيصُ إدراكٍ صافٍ خالص تماما، فرأت ذلك الوسواس تافهاً لا يُلتفت إليه. كانت توقن أنها ستعاود البكاء، وتعصف بها الدموع ثانيةً متى أبصرت كفيه العطوفتين مطويتين في سكون الموت، وذلك المحيا الذي لم يرمقها قط إلا بودّ ومحبة وقد استحال جامداً شاحباً لا حراك به، غير أنها أبصرت في ما وراء تلك الهنيهة المريرة موكباً فسيحاً من سنيّ العمر المقبلة، سنيّ ستكون ملكاً خالصاً لها وحدها، فبسطت ذراعيها لاستقبالها في ترحاب.

لن يكون ثمة من تعيش عبئا عليه أو له في قادم الأعوام، بل ستعيش لذاتها. فلن تنحني إرادتها بعد اليوم أمام سطوة عزيمةٍ أخرى، كتلك التي تدفع الرجال والنساء في عنادٍ أعمى إلى توهم حقهم في فرض سلطانهم على كائنٍ حيّ آخر، وسواءٌ كان القصد براً وشفقة أم قسوةً وعسفاً، فلم يبدُ لها الصنيع في ومضة الإشراق تلك إلا جريمةً كاملة خالصة.

ومع ذلك، فقد أحبّته حيناً، وفي أكثر الأحيان لم تحبه. ولكن ما أهمية ذلك كله الآن! وما قيمة هذا الحب، ذلك اللغز المستغلق، أمام هذا النزوع الجارف لامتلاك الذات، الذي أدركت فجأة أنه أعتى دوافع كيانها وأعظمها!.

وظلت تهمس في سكون: “حُرّة! حُرّة الروح والجسد!”.

على الباب الموصد، كانت أختها “جوزفين” جاثيةً على ركبتيها، تُلصق شفتيها بثقب المفتاح متوسلةً إليها أن تأذن لها بالدخول: “لويز، افتحي الباب! أستحلفكِ، افتحي، ستلقين بنفسكِ في التهلكة والمرض! ماذا تصنعين يا لويز؟ افتحي بحق السماء!”.

“انصرفي عني، فلستُ أُورِد نفسي التهلكة”. كلا، بل كانت ترتشف عبر تلك النافذة المشرفة إكسيرَ الحياة الصرف.

وانطلق خيالها يجوب أرجاء تلك الأيام المقبلة، أيام الربيع، وأيام القيظ، وكل الأيام التي ستغدو طوع أمرها. وتمتمت بضراعةٍ سريعة أن يمد الله في عمرها، في حين كانت بالأمس فقط ترتعد فزعاً لمجرد فكرة أن تطول بها الحياة!

نهضت أخيراً وفتحت الباب. نزلت تحت إلحاح أختها، وكان في عينيها ألقُ الظفر والافتخار، فمشت خُطىً غير واعية كأنها ربّة النصر، طوّقت خصر أختها، وهبطتا السلالم سوياً، وكان “ريتشاردز” ينتظرهما في الأسفل.

وفجأةً… دار المفتاح في رتاج الباب الخارجي، ودخل “برينتلي مالارد” وقد غشيه إرهاق السفر، حاملاً حقيبته ومظلته في تؤدة، فقد كان بمنأىً عن موقع الكارثة، بل لم يكن قد بلغه نبأ وقوعها قط! بهت الرجل أمام صرخة “جوزفين” المفزعة، ووثبة “ريتشاردز” العاجلة ليحول بجسده دون أن تقع عليه عينا زوجته.

غير أن الأطباء حين فحصوها لاحقاً، قالوا إنها قضت بنوبةٍ قلبية، ألمّت بها من “فرط فرحتها القاتلة”.

 

 

شارك المقال: فيسبوك تويتر