
رواية” المدينة الغول” عن رحلة النسيان والعودة لاكتساب الثقة بالنفس
سعاد سعيد نوح
“يطير فابيو عبر شوارع بوغوتا على دراجته، ويسير خلفه أطفال الحي الذي يسكن فيه. هناك تبدو الحياة على ما يرام – حيث يتلاشى عالم البالغين وأكاذيبهم. ولكن في يوم من الأيام، ينسى ببساطة. ينسى كيفية ركوب دراجته. وفابيو لن يكون هو نفسه مرة أخرى”.هكذا تبدأ أليخاندرا أليغورتا الكاتبة الكولومبية روايتها الشعرية” لا يُنسى أبدا”Nuncaseolvida والتي ترجمتها المترجمة عايدة ساليزار للإنجليزية بعنوان never forgotten وترجمها للعربية المترجم المغربي سعيد بنعبد الواحد بعنوان” المدينة الغول” وصدرت عن منشورات الربيع بالقاهرة 2022.
وهي نوفيلا مصورة تصنف كرواية للبالغين، لكن من يقرأها يكتشف أن وراءها ـ على صغرها ـ فلسفة عميقة عن علاقة الإنسان بجسده وعلاقته بالعالم، فالطفل الذي تعوّد على مواجهة العالم بدراجته، التي صارت بمثابة يديه وقدميه، في رحلة توزيع الخبز الذي تعدّه أمه يوميا للمدينة الصغيرة فجأة يقع عن دراجته، وحين يحاول النهوض وركوب الدراجة مرة أخرى يكتشف أنه نسي كيفية ركوبها، فيدخل في نفق نفسي مظلم من عدم قدرته على مواجهة العالم بعد أن نسي كيف يركب دراجته. فيعود إلى منزله فزعا مرعوبا ويختبئ أسفل سريره في ظلام الحجرة.
إنها مأساة تبدو صغيرة، لكنها كبيرة كبر العالم مع هذا الصبي الذي يستمد قوته من سرعة دراجته. صاغتها الكاتبة بلغة شعرية شفيفة، وتمكن المترجم من صياغة هذا العالم بلغة لا تقل شاعرية عن لغة الرواية الأصلية. ذات صباح ساطع قاس، وبينما فابيو الصغر يضرب الأرض بقدمه اليسرى، ويصعد فوق الدواسة، ويدفع الدراجة، فقد السيطرة على المقود وسقط على الأرض، وكلما أعاد المحاولة كان يتلقى سقطة جديدة، فهو “يؤمن بأن السقوط لا يجب أن يكون آخر شيء يفعله المرء”. بات الصغير منهزما، فاقدا للثقة في كل ما أخبره به أبوه سائق الحافلة في المدينة الغول يوم أن علمه ركوب الدراجة أن ما يعرفه الجسد لا يمكن أن ينساه أبدا وإلى الأبد. وها هو ينسى ما خبره جسده طوال سنوات صباه، فهل كذب عليه؟ هل يمكن أن يرفض مهمته اليومية التي كلفته بها أمه، أن يوزع الخبز لأهل المدينة، فهل سيسير على قدميه؟ وكيف يواجه أصدقاءه الذين كانوا يغبطونه على رحلته اليومية عبر شوارع المدينة لتوزيع الخبر؟ هل سيشفقون عليه أم يسخرون منه؟
“بما أن الدراجة لم يعد يركبها أحد ، ستسير أنت على قدميك متجولاً في مدينة ” بوغوتا ” المدينة الغول الذي يلتهم كل شيء ، ويخلف وراءه فوضى مُنظمة يدوي صوت ضجيجها مختلطاً بالغبار والأتربة. لكنني أحببت أناس تلك المدينة بالرغم من إنني لم أتعرف إلا على بضعة أشخاص ولكن لم أود مفارقتهم”. من هذا المقطع استلهم المترجم المغربي عنوان الترجمة العربية للرواية..
“ما ليس صحيحًا هو أن المرء لا ينسى، لأن المرء ينسى، وأنا نسيت” فهل يتحدث الطفل عن نسيانه لركوب الدراجة أم عن النسيان كحالة فلسفية عامة. وهل تتحدث الكاتبة عن مقاومة فابيو للسقوط أم عن فلسفة المقاومة التي يجب أن يمتلكها الإنسان” فالسقوط لا يجب أن يكون آخر شيء يفعله المرء”.
في طريق العودة للمقاومة واكتساب الثقة بالنفس منحتنا الكاتبة الشابة حالة شعرية بالغة الرهافة، فالصغير الذي كان يذهب بالخبز لجارته العجوز فبدأت تبادله أطراف الحديث في محاولة منها للتسرية عنه، لكن من خلال الحوار بين طفل في العاشرة وعجوز مسنة نتعلم فلسفة الحياة، فلسفة مواجهة واقعنا، مواجهة مآسينا، فلسفة محاولة اكتساب الثقة بالنفس” فابيو…هل يمكن أن أطرح عليك سؤالا؟ فينظر إليها بفضول؛ لأنه من النادر أن يطرح عليه شخص مسن جدا سؤالا حقيقيا. فعدل ظهره ووافق بحركة من رأسه، مظهرا أهميته.
ـ كيف تشعر وأنت تنسى؟
سرى تيار في جسد فابيو من طرف إلى آخر. كأن.. تردد فابيو، كأن جزءا من الجسد لا يشتغل، كأن القدمين لا تنفعاني. كأني مضطر لأتعلم العيش من دون ذاتي. فكر فابيو”. هل نقوم بتجربة؟ احضر دراجتك”.
هل يكون ذلك ممكنا؟ هل تجعله إليسيا قادرا على أن يتذكر؟ يسألها ببساطة وبراءة الأطفال، فترد عليه الجارة المسنة:”
ركوب الدراجة؟ لا هذا غير ممكن. سوف نحاول أن نجعلك لا تشعر بأنك نسيت.
وما الفرق؟
إنك لن تتذكر، ولكنك سوف تتوقف عن الشعور بأنك قد نسيت. سوف تنسى بأنك قد نسيت”.
ينساب سرد ألغورتا بإيقاع سريع ولغة شعرية بسيطة؛ وتتوافق الرسوم التوضيحية الناعمة الغنية بالتفاصيل التي يقدمها إيبان ريكنمان مع الإيقاع الداخلي للنثر الشعري الغنائي كأنها قصيدة حزينة لبلوغ سن الرشد. لكن الرسومات الداخلية في الطبعة العربية كانت شديدة القتامة، فلا أعرف هل هي محاكاة للرسومات في النص الأصلي أم أن طباعتها وإعداد الصور في كتاب بالأبيض والأسود لم تكن معدة جيدا لتظهر بشكل أوضح؟!.
