حوار مع الروائي اليمني الغربي عمران
محمد الغربي عمران: دفعت منصبي ثمنًا لـ “مصحف أحمر”… ولم أندم
حاوره: مصطفى علي عمار
من الرسم إلى البرلمان إلى الرواية: الغربي عمران يروي رحلة الوشاية والإقالة والتفرغ للكتابة
الغربي عمران: عناويني ليست للاستفزاز… ولكنها لفضح المسكوت عنه في اليمن
لم يكن خروجه من السلطة إلى الرواية مجرد تحول مهني، ولكنه كان قطيعة كاملة مع المؤسسة. محمد الغربي عمران، الروائي والقاص اليمني المولود في ذمار عام 1958، دفع ثمن روايته الأولى “مصحف أحمر” إقالته من منصبه الرفيع، ليجد في ذلك خلاصه الشخصي وتفرغه الأبدي للسرد. من طفل هاجر إلى السودان، إلى مغترب لعشر سنوات في السعودية، إلى عضو في مجلس النواب ووكيل لأمانة العاصمة، ثم إلى رئيس لنادي القصة اليمني، يمتلك الغربي عمران سيرة تتقاطع فيها السياسة مع الأدب، والتاريخ مع التخييل. في رصيده خمس مجموعات قصصية وتسع روايات، بينها “ظلمة يائيل” الفائزة بجائزة الطيب صالح، و”حصن الزيدي” التي بلغت القائمة القصيرة لجائزة نجيب محفوظ، و”مملكة الجواري” التي أثارت جدلًا واسعًا بعد سحب فوزها بجائزة كتارا. في هذا الحوار، يتحدث الغربي عمران عن الوشاية التي أطاحت به، وعن المرأة والتطرف والسلطة الدينية في أعماله، وعن أسباب إغلاقه باب القصة والرسم إلى الأبد ليستقر في الرواية.
-
بدأت حياتك الإبداعية رسامًا، ثم انتقلت إلى كتابة المقال والقصة القصيرة، قبل أن تستقر على الرواية؛ فما الذي وجدته في الفن الروائي ولم تجده في الرسم والقصة؟
تنقلي بين الرسم والمقالة والقصة وصولًا إلى الرواية دافعه نفسٌ تواقة للمختلف؛ فحين كنت أرسم، بقيت أسأل نفسي هل تميزت أعمالي عن أعمال غيري، لكني وجدت نفسي أكرر ما صنعه غيري. سألت نفسي: وماذا بعد؟ ثم قطعت علاقتي بالرسم، وبدأت أنشر المقالات التي تنوعت بين الأدبية والاجتماعية والسياسية، لتعاودني التساؤلات ذاتها وأنا أرى سيلًا من المقالات تشابه مقالاتي. تركت المقالة، ثم فكرت في كتابة القصة، وأصدرت خمس مجموعات قصصية من دمشق والقاهرة وصنعاء، لكن ذلك السؤال ظل يلاحقني بعد أن ظننت أنني أفلحت، إذ وجدت قصصي لا تختلف عما يكتبه غيري، فقطعت صلتي بالقصة ولم أكتب بعدها قصة واحدة. فكرت حينها أن أكتب الرواية، خاصة وقد وجدت لدي قدرة على الحكي، فأصدرت ثماني روايات وتاسعة في طريقها لتصدر أيام معرض القاهرة، وعاشرة بين يدي تُنسج، ولا زلت أتساءل هل أتيت بما يختلف عما يكتبه غيري. وها أنا ذا في مرحلة أتساءل فيها هل أستمر، أم أنتقل إلى جنس إبداعي آخر، فأنا لم أجد نفسي في الرواية حتى الآن كما ورد في سؤالك.

-
عشت طفلًا في السودان، ثم مغتربًا عشر سنوات في السعودية؛ فكيف أسهمت هذه التجربة المبكرة في الغربة في تشكيل وعيك السردي ونظرتك إلى اليمن؟
أنا كائن دائم التنقل؛ ففي الوقت الذي قضيت فيه طفولتي المبكرة في قريتي بين جبال سامقة، ظننت أن تلك القرية هي الدنيا كلها، وحين سافر بي عمي إلى السودان خرجنا من القرية على ظهور الحمير، وطوال الطريق كنت أتعجب من سعة ما أرى، حتى وصلنا إلى عدن لأُصدم وأنبهر باتساع العالم؛ فلأول مرة أرى ضوء الكهرباء وأركب السيارات، وأقف على امتداد البحر، وتحلق بي الطائرة باتجاه الخرطوم، وهناك درست في المدرسة الاتحادية “القبطية” سنتين. عدنا إلى اليمن ولم يعودوا بي إلى القرية، بل إلى مدارس مدينة الحديدة على البحر الأحمر حيث تتلمذت على أيدي أساتذة مصريين، وبعدها إلى جدة ومكة لسنوات، ونهاية بالدمام والخبر وما حولهما من مدن، ثم العودة إلى صنعاء. بعدها لم أعد الشخص الذي كنته؛ فقد اكتشفت نفسي أعيش متنقلًا وأحمل بداخلي من كل مكان ما لا يراه غيري، وأعيش لحظات قضيتها من بلد إلى آخر، وأجدها تنعكس على أعمالي دون تخطيط، فلست ابن القرية أو الخرطوم أو جدة أو الدمام والخبر أو صنعاء والحديدة، أو القاهرة والإسكندرية اللتين إن زرتهما أقضي فيهما أشهرًا، بل أجدني سحابة تكونت من حيوات متعددة.

-
أنت دارس للتاريخ وحاصل على دبلوم في التاريخ المعاصر؛ فإلى أي حد يقيد المؤرخ فيك الروائي، ومتى يتمرد الروائي على سلطة الوثيقة التاريخية؟
هو دبلوم تمهيدي ماجستير بعد ليسانس من جامعة صنعاء. نعم، لا قيد عليّ فيما أبدعه من دراسة التاريخ، بل إن دراسة التاريخ جعلتني أكتشف أن ما نقرأه تاريخ مشوه، بل وفي بعضه مزور؛ إذ إن المنتصر هو من كتبه ليخلد نفسه، وقد صوره من كتبوه أقرب إلى الآلهة، بينما تحاشوا ذكر فضائل المهزوم وسفهوه، فالتاريخ الاجتماعي وتاريخ الشعوب لا مكان له، بل إن ما نقرأه هو ما يريده المنتصر. قبل أن أكتب رواية لها صلة بعصر قديم أقرأ عن الفترة التي سأكتب روايتي في زمنها، ثم أركز على تاريخ المجتمع متخيلًا شخصيات من عوام الناس، وأحاول استنتاج ما لم تذكره كتب المنتصر، وإن ذُكر الملوك والقادة أنزع عنهم تلك العظمة المزيفة وأكتبهم بشرًا بنوازعهم البشرية؛ ولذلك كانت روايتاي “ظلمة يائيل” و”مملكة الجواري” عن فترة الدولة الصليحية في اليمن وصلاتها بالدولة الفاطمية في مصر، وهما روايتان جعلت من شخصيات المنتصر إن ذُكروا فيهما مجرد خلفية ليس إلا.
-
ذكرت أن إبعادك عن منصبك الرسمي عام 2010 لم يكن بسبب مضمون رواية “مصحف أحمر” بل بسبب الوشاية؛ فهل يمكنك توضيح ما حدث آنذاك، وهل تندم على اختيار ذلك العنوان المثير للجدل؟
“مصحف أحمر” الصادرة في بيروت عن دار رياض الريس عالجت الصراع بين عدن وصنعاء زمن الحزب الاشتراكي وعلي عبد الله صالح. الرواية جاء فيها ذكر خطة كانت قد وُضعت لاغتيال الرئيس صالح، وكانت على وشك التنفيذ بنسف جسر يمر فوقه موكبه، إلا أن أمرًا لمنفذي العملية صدر قبل دقائق بإلغاء كل شيء؛ وهو أمر من قيادة عدن بتوجيه من موسكو زمن الاتحاد السوفيتي، وبذلك نجا صالح من الموت. هذا ما ذكرته في “مصحف أحمر”، وبوشاية رُفعت لصالح عما ذُكر في الرواية، مُنعت الرواية، وأعقب ذلك فصلي من عملي.

-
صرحت بأنك شعرت بالارتياح بعد إقالتك وتفرغت للكتابة؛ فهل ترى أن العمل السياسي والإداري كان عبئًا على مشروعك الأدبي؟
قد أكون تألمت وقت سماعي قرار الإقصاء، لكني بعد وقت وجدتني حرًا، أعيش حياة بعيدة عن التصنع، وأمارس الحياة بطبيعتي وراحة نفسي، أسافر متى أشاء، وأكتب ما أراه، ولم يعد يهمني رأي متسلط أو غيره؛ ولذلك أرى أن على الكاتب أن يتحرر من أي تسلط يقع عليه، فالكاتب بحاجة إلى مناخ ووسط طبيعي بعيدًا عن تداخلات السلطة وتعقيداتها.
-
تناولت في “مصحف أحمر” قضايا التطرف واضطهاد المرأة، وبعد مرور خمسة عشر عامًا على صدورها؛ هل ترى أن الواقع اليمني تجاوز ما حذرت منه الرواية؟
رواياتي جميعها مشغولة بحق الإنسان في الحياة بحرية، والإنسان اليمني وما يعانيه هو مادتي؛ فهموم أي كائن وتطلعاته ومشاعره تتقارب مع جميع بني البشر رغم اختلاف الأديان والجغرافيا. ومن يقرأ رواياتي سيلاحظ هذا المنحى في تسليط الضوء على الكبت والظلم، متمثلًا في هيمنة التوجهات الدينية. وما عاشته مصر في أيام الإخوان، وتعيشه ليبيا أو السودان والعراق ولبنان واليمن، هي قضايا يجب أن تعالجها روايات قادمة، ولا يكفي ما اجترحناه.

-
جمعت بين عضوية مجلس النواب وتولي مناصب إدارية رفيعة وبين رئاسة نادي القصة؛ فكيف تقيم اليوم تجربة الأديب الذي انخرط في السلطة؟
سؤال صعب، لكني سأحاول؛ علينا أن نعرف أن السلطة مفسدة، ومن يريد السلطة لن يكون مبدعًا، فالإبداع بحاجة إلى من يعيش حياة العامة. أنا أو غيري في أي وظيفة لا نسير وفق قناعاتنا، فالموقع تسيره سلطة عمياء لا ترى إلا مصلحتها، وأرى نفسي يوم كنت موظفًا مجرد ممثل لغيري ومجرد أداة لمتسلط أعلى؛ فما كنا نقوم به من أعمال لا يمت لقناعاتنا بصلة إلا وفق توجيهات سلطة عليا لحمايتها، وهي فترة لم أكن يومًا مقتنعًا بها وقد وجدت نفسي مُسيَّرًا. نشاطنا اليوم في اتحاد الأدباء والكتاب أو في نادي القصة تجربة مختلفة، ثرية ومنطلقة أثمرت الكثير؛ لأنني وغيري نعمل وفق قناعاتنا في رعاية المواهب وتقديم الأدباء وتشجيعهم دون دعم يُذكر، بل بإمكاناتنا المتواضعة وعشقنا للأدب. إلا أننا لسنا راضين عما نقدم في ظل عدم وجود ظروف مشجعة، فالبلاد تعيش وضعًا غير مستقر منذ خمس عشرة سنة، ومع ذلك فنحن ننشط ونحلم بغدٍ أكثر حرية.

-
فازت روايتك “ظلمة يائيل” بجائزة الطيب صالح عام 2012 ولم تُترجم إلى الإنجليزية إلا عام 2025؛ فما أسباب هذا التأخير، وهل ترى أن الرواية اليمنية مظلومة في حركتها نحو العالمية؟
القلاقل التي يعيشها المجتمع اليمني انعكست على المشهد الأدبي وعلى الاهتمام بالأديب ونتاجه، إضافة إلى تعطل المؤسسات الثقافية كافة داخل البلد، ومنع العلاقات الثقافية مع المنظمات في الخارج؛ فكل هذا انعكس على الإبداع والفن في اليمن، وبات كل شيء شبه معطل بسبب الحرب والعدوان الخارجي.
-
فازت روايتك “مملكة الجواري” بجائزة كتارا ثم سُحب الفوز لصدورها قبل إعلان النتيجة؛ فما روايتك لما حدث، وهل شعرت بأنك تعرضت لظلم مؤسسي؟
تقدمت بروايتي “مملكة الجواري” ضمن فئة الرواية غير المنشورة، وأُعلن فوزها وتمت دعوتي واستلمت درع الفوز في حفل الجائزة بالدوحة. وبعد مغادرتي تواصلوا معي وسألوني هل صدرت الرواية، فأجبتهم بنعم، صدرت عن دار الهلال قبل الفوز بأيام، ما جعل إدارة الجائزة تتراجع وتتخذ قرار سحب الجائزة لأنها خالفت الشروط بطباعتها. بدوري لم أتخذ موقفًا سلبيًا لإيماني بأن الجائزة للجميع، ولم يكن هناك ظلم وقع عليّ، بل أنا مقدر لقرار الجائزة، وإن كان صدور الرواية قد تم قبل الحفل بأيام.

-
وصلت روايتك “حصن الزيدي” إلى القائمة القصيرة لجائزة نجيب محفوظ؛ فلماذا تعود في أعمالك إلى ثيمة السلطة الدينية والمذهبية في التاريخ اليمني؟
هذه الرواية فازت أيضًا بجائزة راشد بن حمد الشرقي في الإمارات، وبجائزة تونسية هي جائزة… ولم تكن الرواية الوحيدة التي عالجت الصراع الديني، فهذا الموضوع يشغلني؛ إذ إنني منذ وعيت على هذه الحياة وأنا أعيش وأتابع الصراعات الدينية في أقطار عدة. هذا الهم يتكرر عبر العصور في العالم الإسلامي، ودارس التاريخ يدرك أن هذه الجماعات تغير من أدواتها من عصر إلى آخر ولم تتوقف على مدى ألف وخمسمئة سنة، وأراها دوامة مستمرة جعلتنا في ذيل أمم الأرض، وأتمنى أن نتجاوزها مثلما تجاوزتها أمم أخرى؛ فالدين مسألة شخصية ولا يجوز أن نحوله إلى أداة للتسلط والهيمنة، ورواياتي في “حصن الزيدي” وغيرها تسلط الضوء على مثل تلك الصراعات باسم الله.

-
تحمل عناوين أعمالك طابعًا صادمًا مثل “ختان بلقيس”، و”حريم أعزكم الله”، و”مملكة الجواري”؛ فهل تقصد استفزاز الرقيب أم استدراج القارئ إلى مناطق مسكوت عنها؟
العنوان الجيد هو ما يبعث على التساؤل ويثير في نفس القارئ الشوق لاكتشاف ما خلفه، كما أن العنوان مصيدة لقارئ محتمل؛ ولذلك أحاول أن آتي بعناوين معبرة عن المضمون في الوقت الذي تحمل فيه ترميزًا أحرص على أن يكون جديدًا. كما أن المناطق المسكوت عنها تجاوزتها الرواية بوصفها محاذير في مجتمعات إنسانية؛ فذكر الجنس حياة إذا جاء ضمن السياق دون أن يكون مفروضًا أو زائدًا عن حاجته الفنية، والحرية هي الأساس أمام حكام المجتمعات العربية، وكذلك استغلال الدين كأداة تسلط وهو في الأصل رحمة ومغفرة.
-
تحضر المرأة في سردك ضحية وقوة متمردة في آن واحد؛ فهل تكتب عن قهرها أم تكتب ضد بنية القهر ذاتها؟
المرأة ككائن تابع مستلب هو ما أراد لها المشرع أن تظل عليه لتكون منقوصة أمام اكتمال منقوص للرجل؛ فالمرأة يجب أن تكون في مكانة متساوية مع الرجل لتنهض الشعوب وترقى المجتمعات. لذلك تأتي المرأة في جميع رواياتي فاعلة، وأضعها في مكانة متساوية مع الرجل، وأحيانًا تأتي في موقع متقدم رغم اضطهاد الرجل لها أمًّا وزوجةً وأختًا وابنةً، فنساء رواياتي قويات. وفي الفترة الأخيرة نشر أحد النقاد دراسة عن دور المرأة في أعمالي، فاكتشفت أن جميع الشخصيات المحورية في كل رواياتي هن نساء؛ فالمرأة وما تعيشه في ظل فهم خاطئ للدين أمر محزن ومخزٍ، ورواياتي تسلط الضوء على قضاياها ولا يقتصر ذلك على رواية “مصحف أحمر”.
-
أصدرت تسع روايات بين عامي 2010 و2026؛ فهل تكتب لتوثيق تحولات اليمن أم لبناء يمن بديل في المخيلة السردية؟
لا أبدأ الكتابة بفكرة مكتملة؛ فقبل أن أشرع في الكتابة يجب أن أجد الشخصية المحورية وما تحمله من قيم ومن نواقص، فالشخصية الرئيسة هي من أستمر في الكتابة على خطى أفعالها، وأحيانًا أجدها تتمرد على ما أريد كتابته ولا أجد إلا أن أتبعها، بل إن بعضها يدهشني حين يصل بي إلى مفترق بين ما كنت أعتزم كتابته وما تخطه تلك الشخصية وتفرزه أفعالها من أحداث وصلات بالشخصيات الأخرى لم تكن في الحسبان، فأجدني منقادًا لروعتها؛ فشخصياتي تسير بي لأكتب ما تتفاعل به.
-
ما رسالتك إلى كاتب يمني شاب يبدأ الكتابة اليوم في ظل الحرب والنزوح وتفكك المؤسسات الثقافية؟
أن يكون ذاته، وألا يكون نسخة من غيره في حياته وما يبدعه، وأن تكون القراءة ثم القراءة والتأمل وقود يومه، وأن يخطط لساعات نهاره وليله، وألا يترك الوقت يتسرب من بين يديه دون استغلال أمثل؛ وهي نصيحة أقدمها لنفسي أولًا، ولكل مبدع في شتى مجالات الفنون. أشكرك وسعيد بلفتتكم الكريمة أستاذ مصطفى، والشكر لكم ولأم الدنيا، القلب النابض بالعطاء والسلام الإنساني.
