28 أكتوبر 2026 قراءات

أن تُختم الرواية من حيث بدايتها، هذا ما نسجه علي لفته سعيد

في أحدث روايته

الغربي عمران

“سيناريو لم تكتمل قصته” الصادرة 2026 عن مركز الرافدين للحوار، العراق.الرواية لم تُصنف لا على غلافها الخارجي، أو في بيانات إصدارها بأي جنس أدبي، إلا أن القارئ يستدل أثناء القراءة إلى أنها من جنس الرواية. فقد اشتملت على خصائصها من: شخصيات وحوارات وأحداث متصاعدة… إلخ وإن ظل سردها يدور في دائرة مكتملة، وطغى عليها الوصف. كما هي أي رواية فقد تمحور سردها حول قضية حالة المجتمع في ظل حروب متوالية، عالجها الكاتب بحنكة ودراية.

من المؤكد أن لفتة أراد أن يأتي بالمختلف من خلال هذا العمل، إذ أنه صنف أقسام الروية بالمشاهد، من المشهد الأول إلى المشهد الخامس عشر وأختتمها بصفحة تحت عنوان خارج المشهد.

نعرف بأن الرواية بشكلها الحالي وطرائق كتابتها لم تعد كما كانت في بداياته قبل أكثر من قرنين، ونعرف تطور هذا الفن بأنه جاء على أيدي مجددين من جيل إلى آخر، ولذلك لا يمكن لأي مجتمع أن يصف الرواية المعاصر بالرواية مجتمع بذاته، وإن كانت جذورها وتطور بدايتها أوربي، وقد أسهم بتطويرها أدباء من مختلف قارات العالم حتى وصلت إلى فنياتها المعاصرة. ويظل التجريب هو سلاح الفنان لتطور أي فن.

الأستاذ علي في روايته هذه يخطو بنا في شجاعة إلى التجريب، وإن عارضه ذوي الذائقة “السلفية” في الأدب، من يستشهدون بآراء وأعمال من سبقوهم بعقود عديدة، كونهم في عجز من أن يضيفوا شيء ينسب إليهم.

إذا نحن أمام أسلوب مختلف عما ألفه قارئ أعمال الروائي في أعماله السابقة. إذ بدأ المشهد الأول بوصف مستفيض لما يدور في أحد شوارع مدينة عراقية من اكتظاظ المارة وباعة الأرصفة والجائلين وطوابير السيارات، وما يصاحبها من ضوضاء وضجيج، وهو ما يقدم فكرة عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي وصلت إليها البلاد نموذجا لبقية الدول المحيطة، مقدما عينة ممثلة ببائع ماء يجول من رصيف إلى آخر: “ماي بربع! ماي بربع، برد على قلبك. اضحك في سري المظلم على كلمة ربع، حيث لا توجد هذه الفئة من العملة، لكنه كان يقصد 250 دينار وهي ربع الأف دينار” والمفارقة أن بائع الماء معاق اليدين، وتلك قد تحمل دلالات عدة.

 وكذلك من مشهد وصفي نقتطع: “على مبعدة من الشرطي، كانت هناك سيارة شرطة النجدة، في داخلها شرطيان بقميصين أزرقين.. يتحرك الجسد بلا إرادة تحو سيارة النجدة، مغافلاً حامد، ليستكشف ماذا يفعلان في هذه الظهيرة، وسط كل هذه الفوضى التي تحدث قي الشارع وأفرعه وحتى الأزقة البعيدة عن الطريق الرئيس، أحدهما يقرأ القرآن من جهاز هاتفة النقال…” صفحات متواصلة من وصف لحركة الشوارع، وكأنه مشهد أو عرض سينمائي لحركة الباعة والمارة والمتسوقين يتعرف القارئ إلى الشعبوية التي وصل إليها وضع المجتمع المعيشي.

يدرك القارئ أن الراوي “سامر” خريج جامعي “فلسفة” عاطل عن العمل، فضل أن ينزوي في إحدى غرف منزلهم عاجزا ويائسا من يومه وغده في بلد تطحنها الحروب وفساد المتسلطين. وبالعودة إلى السطر الأول والثاني من الرواية نقتطع: “هكذا قررت، ليس بصورة مفاجئة، بل بعد أن حلت الكارثة بعقلي وأصبحت المشاكل لا تطاق، وليس لي القدرة على المواجهة كما الناس أو العيش بلا مبالاة.” ذلك من حديث الراوي حول ما يعيشه من حالة بائسة، أفقدته الأمل وقادته لأن يعتزل الحياة ويكمن في إحدى غرف منزلهم رغم اعتراض صديقه حامد وأخوه ماهر واستمرار إلحاح أمه على الخروج من عزلته: “كما قلت لي أمي ذات عصبية وهي تطرق الباب: ولك يامه افتح الباب وتعال.. اطلع من هذا السجن.. محد ينفعك غير نفسك. كنت صامتا.. أتكئ على الجدار وجسدي على السرير وعيناي على النافذة، ويأتيني الكلام من حنجرتها متوسلا: صدقني، أنت الخاسر الوحيد، هاي الدنيا ابتلاء.. وأنت لا للسماء ولا للأرض.”

وذلك ما يبعث على تساؤل القارئ حول انهزام الراوي وهو يصف حالته وحالة من حوله “تُفتح اللقطة على غرفة صغيرة شبه معتمة، يسودها الهدوء. الضوء يدخل بخجل من نافذة صغيرة تغطيها ستارة قاتمة، في أقصى زاوية الغرفة يجلس البطل على الأرض…”

يتكرر وصف الكاتب للشارع: “حين نزلنا صار صوته يختلط مع أصوات الباعة، باعة يتشابهون في سحناتهم وكدرهم وعوزهم وحتى أصولهم، شعرت بالاختناق من منظرهم المتعبة. الفقراء يُذكرون حين يريدون التلاعب بالكلمات، ويعدونهم أحباب الله.. لكنهم يرفضون أن يكونوا مع الله. نبهني حامد وقال: (أعرف أنك تفكر بهم وبمصيرهم) بينهم خريجون بلا وظيفة. وربما جنود سابقون، وربما أيضا معاقون من الحرب مع داعش. لكنها هذه الحياة.. أردت إخباره أني لا أحبهم وأنا منهم.. لم أعد أحب نفسي، لأننا سلعة لتجارة الطغاة والكهنة والسياسيين…”

ودون أن يغير الراوي  من إختيار حياة العزلة، إذ يحتوي المشهد الثالث على حوار بينه وبيت صديقه حامد عبر الهاتف، ثم يأتي المشهد الرابع أو الفصل الرابع على مشاهد يستعيد فيها أيام موت أبيه وأخوه “ساجد” الذي أختار التطرف في أقواله من خلال حوار بينهما، حين يصف نفسه كميت، وتارة حضور والده وأخيه من العالم الآخر ليتحاور معهما وكأنهما يعيشان معه، حوار يظهر ساجد كمتشدد، وقد يآزره والده في أرائه المتطرفة أمام أراء الراوي المتحررة. “مرة قلت لساجد: لماذا حرم الله على المسلمين الخمر، وحلله في الآخرة، وأراه في الأديان الأخرى يشربونه مثلما يشربون العصائر؟. لم أتركه يجيب قبل أن أردف بالسؤال الثاني: لماذا كتب على المرأة أن تكون كلها عورة وفي الأديان الأخرى تكون لها كل الحقوق أما الرجل؟.

لم أسمع منه سوى إجابه واحدة جعلت ماهر يولي الأدبار: محمد بدينه وعيسى بدينه. وحين يجدني أبتسم أو غير مقتنع بالجواب، أقول له: أليس الله هو ذاته في كل مكان، أم أن الناس جعلوه حسب المكان والبيئة والعادات والتقاليد والفقهاء والكنة؟ ينظر إلى وجه أبي ليستعين به في الموقف، فيجد نفسه في ردة الفعل، ينظر إلي بشزر وريبة: أنت تخالف شرع الله، هذه الأسئلة لا يسألها إلا كافر أو ملحد…”

إذا لم تكن حياة الراوي مثلثه مثل بقية أفراد المجتمع سهلة وقد حاصرتهم الحروب والأفكار المتشددة والبطالة، ولذل تتصف هذه الرواية برواية الموت، وهنا ما يدور وما تعلق من صور على حيطان الشوارع والميادين “المشهد الذي أحاطنا جميعا ليزيد من ضيق الأفق الذي أعيشه وأنا أقرأ أسماء القتلى الذي كُتب على صورهم “القادة الشهداء” ولا لهم ذنب سوى أنهم ولدوا في المكان الذي لا يمنح سوى الموت، وخطابات التاريخ”

في هذه الرواية تتداخل الأزمنة، كما يتداخل حضور الأموات بالأحياء، ونجد الراوي يحاور من ماتوا من أفراد أسرته بعد أن خيل له عودتهم للحياة، وفي مشهد آخر يرى الراوي نفسه ميت يحاور من في العالم السفلي، وهكذا يستمر الوصف لحضور من مات، وموت من لا يزال على قيد الحياة، ليحتدم الحوار، لتجنح لأسئلة حول المسكوت عنه، وبذلك يشرك علي لفته سعيد القارئ في تلك الحوارات، وقد ينتقل القارئ بعد ذلك إلى حوار مع ذاته، كفرز لحوارات الشخصيات، ليجد نفسه منحاز مع حديث ميت، وأخر مع حي، يجيب على تساؤل ما بإجابة مخالفة لإجابة المجيب، فيجد أنه تحول من شاهد إلى مشارك في جزء من المشاهد، بل وقد أضحى وأحد من أفارد مجتمع الرواية.

في هذه الرواية لا أحداث متصاعدة كما ذكرنا سابقا، بل قضية البطالة والحروب الدائمة والأفكار المتطرفة هم القضايا المركزية لهذا العمل السردي المختلف، إذ تدور حيوات شخصياتها حولها من بداية الرواية وحتى  نهايتها، من خلال وضع أسرة مكونة من خمسة أفراد الأب الراحل كمدا على ابنه الذي ذهب في تفجير انتحاري، وظلت الأم وابنها ماهر يعانيان ويقاومان، غير أن أبنها سامر  كما ذكرنا سابقا يحتار العزلة كخيار وحيد، بعد أن فقد القدرة على مواجهة الحياة، وبذلك يراه الأخر فاقدا للعقل، لأن خياره كان مخالفا للجميع، وإن ظلت أمه على أمل، تحاول استرداده بكسر عزلته “حاولت أن أتوارى عنها  كأني لا أسمع. شيء ما بداخلي يقول: لا تستسلم للعاطفة، لذا عليَّ أن أتخلص من التلعثم والإرباك. رميت القداحة حيث ينام الهاتف، كانت رسالة من أمي عبر الواتس: هل تتناول الفطور لو وضعته لك عند الباب؟. أقرأ ولا أجيب، أسمع همهماتها تأتيني عبر ثقب الباب: نوم الظهاري والتعود على البيت.. طالع لخالك تمبل.. لا صلاة ولا صوم. أضحك في سري مجددا إصراري على البقاء.. هاهي أمي تتعود علي وتتخذ طريقة للعيش معا. قلت لها قبل أيام: دعيني أعيش كيف أريد. كانت تنظر إليَّ باستغراب كبير، وتلوك حيرتها. تمتمت فدخل كلامها في أذني مثل القذى: حتى خالك لا يفعل ما تفعله ولا أبوك ولا أخوك الكبير.. وحدك من تهمل نفسك وتريد الحلول. لو كان واحد مثلك بلا عمل ومثقف، لدعوت أن تبقى البلاد بلا مثقفين…”

متذكرا توجيهات والده في سنوات الدراسة “المشكلة بالثقافة، وليس بسنوات الدراسة الطويلة، لأجد نفسي أعيش الفراغ. وكلمات أبي: عليك أن تدرس.. النجاح وحدة يضمن المستقبل. لكني كنت أعيش التناقض الذي فرضه الواقع الجديد.. حروب بعدها حروب، وقبلها حروب.. موت ثم موت…” لكنه يقاوم ويظل مختبئا خلف الأبواب.

علي لفتة أتكأ على الوصف والمراوحة بين الماضي والحاضر، بين المعقول والا معقول، بين المحرم والمباح، باث أسئلة تتوالد من رحم الوضع وحالة المجتمع الكارثي، تمثله تلك الأسرة بتباين فكر ووعي شخصياتها الخمسة، إضافة إلى الصديق حامد.

هنا أتساءل كقارئ هل لفتة في هذه الرواية دخل في تحدي مع نفسه لإنجاز عمل غير مألوف فنيا، معتمدا على الوصف وتلك الحوارات بين الأشخاص، حوارات أكثرها متخيلة من قبل شخصية الرواية مع أخوه المنتحر، ووالده المتوفي وبين بقية الشخصيات من أم وأخ وصديق.

الكاتب لم يعتمد على حدث يولد أحداث كما هي الرواية التقليدية، بل أعتمد على طريقة أو تقنية الدائرة المغلقة، الذي يصف حالته في معتزله وما تزوره من أطياف وتخيلات، أو أنه يختلق تلك الحوارات الفكرية ذات الصلة برؤية فلسفية. ليستمر على قناعته بالبعد عن العالم المحيط.

حتى حين وفدت صفية بنت الجيران تمدهم بالقليل من الطعام، كان يسمع حديثها لأمه وهي تشيد به، وقد وضع عينه يراقبها من خرم المفتاح، تتحدث عنه بإعجاب ومحبة، متذكرة أيام دراستهما الجامعية، واستمرت تتحدث وهي تتلفت إلى بابه، حتى كاد يفتح الباب ويخرج لهن معلنا عودته للحياة حباب بها، وهو ما جعلني كقارئ أتمنى ذلك، أن يعيش وصفية صفحة جديدة من الأمل بغد أجمل. لكنه مد يده لمقبض الباب، للحظة، ثم أرتد إلى معتزله وأغلق مسامعه عما يدور بين أمه والفتاة صفية، وهنا تنتهي الرواية من حيث ما بدأها الراوي الذي استمر في وضع نفسي صعب، بل أنه بدأ كفاقد لاتزانه.

صورة متشائمة عن العراق وأقطارنا العربية، بسبب فساد وغباء المتسلطين.

 

 

  

شارك المقال: فيسبوك تويتر