فى نهاية القرن التاسع عشر شهدت مصر هجرة الكثير من أبناء سوريا ولبنان اليها خاصة من الأدباء والصحفيين والمسرحيين حيث تعرض معظمهم الى الاضطهاد فى بلادهم , فهاجروا الى مصر حيث المناخ الثقافى أفضل.
من هؤلاء الشوام كان هناك طبيب لبنانى درس فى فرنسا ثم عاد الى لبنان ولكنه تعرض للصدام مع رجال الكنيسة هناك بسبب غرابة آراءه .
فقرر الهجرة الى مصر مع رفاقه يعقوب صروف والصحفى فارس نمر .
وفى مصر عاش فى الاسكندرية لعامين فقط حيث مارس الطب , لكنه كان مريض بالربو فكان جو الاسكندرية الرطب غير مناسب له , وكان عليه الرحيل الى مدينة أخرى فى دلتا مصر بعيدا عن رطوبة البحر.
فهاجر الى طنطا , وعاش هناك عشر سنوات كاملة .
وفى طنطا بدأ بطل الرواية فى ممارسة مهنة الطب فواجه الكثير من المعتقدات الشعبية الغريبة , ثم بدأ فى قراءة كتاب ( أصل الأنواع ) للعالم الانجليزى ( تشارلز دارون)
وفجأة بدا له انه وجد ضالته , فقد كان دائما يدعو الى الاهتمام بالعلم , والى محاربة الجهل.
فبدأ يدعو الى هذا المذهب فى مقالاته التى كان ينرها فى مجلة ( المقتطف) وذاع اسمه وبدأ أهل العلم يرددون اسمه :
_ حدثنا إذاً، كيف كانت بدايات الإشتباك، مع عوالم وسرديات، ” شبلي شميل ؟

الدكتور شبلى شميل
بدأ الدكتور” شبلي شميل، يزور المدارس ويلقى محاضرات على الطلبة تدعو الى نبذ العلوم النظرية مثل علوم اللغة والأدب , والى الاهتمام بالعلوم العملية مثل الطب والكيمياء وعلم الأحياء وغيرها.
وبدأت آراءه تزعج الجميع.
وفى طنطا تعرف بقاضى فرنسى يعمل فى المحاكم المختلطة بالمدينة وكانت لهما سجالات حول القانون , وأحوال السجون , وهل يمكن اصلاح من أخطأ أم لا ؟
وفى طنطا تلك المدينة الصغيرة الريفية تعرف على مدرس شاب اسمه حمزة , واعجب حمزة بأفكار دكتور شبلى وأصبح تابعا له ورفيقه فى جولاته فى المدينة.
واستمرت مقالات الدكتور شبلى التى تدعو الى العلم , وبدأ يشرح فى كل مكان مذهب دارون فى التطور , وكان دائما مايقابل بالاستغراب والاستهجان من آراءه.
تستعرض الرواية أحوال فئات كثيرة من المصريين فى تلك الفترة من نهاية القرن التاسع عشر من البسطاء والفلاحين , رواد المقاهى, الممرضين, طلبة المدارس, رجال الدين, عالم الصحافة والكتب , الأولياء , والاعتقادات الشعبية .
فى الرواية يظهر ( الوجه الآخر ) الغير معروف عن بعض الشخصيات المعروفة مثل جمال الدين الأفغانى , والشيخ محمد عبده , ويعقوب صنوع وغيرهم…
كما تناقش الرواية كيف يمكن أن يقف فرد وحده بأفكاره فقط وبقلمه عن طريق مقالاته وبعمله عن طريق تخفيف آلام المرضى, ضد الجهل والتقاليد البالية وتسلط الأفكار على العقول دون فهم أو ادراك.
إن رواية ( دارون طنطا) تقدم – للمرة الأولى – الوجه الحقيقى للدكتور شبلى شميل وعالمه وزمنه .
هذا الرجل الذى عاش مكروها , ومات مغضوبا عليه منبوذا.
وبعد أكثر من مائة سنة من وفاته مازالت سيرته واسمه يجلب الهجوم والكراهية وربما اللعن أيضا.
- هناك اهتمام منك باختيار عناوين غير تقليدية لرواياتك مثل ( دارون طنطا ) و ( مفتش مراجيح القاهرة ) وغيرها .. ما السبب؟
أنا أهتم بكل تفاصيل أى رواية أكتبها : منذ اختيار فكرة غير تقليدية أو غير مطروقة من قبل , واللغة المناسبة للسرد , واختيار تكنيك مختلف – وربما تجريبى – للرواية .
والأهم هو أختيار عنوان ( جذاب ) و ( مختلف ) و ( غير تقليدى ) يجذب انتباه القارىء , و يجعل الرواية مميزة بين القراء وعلى أرفف المكتبات , كما انه لا يجب أن ” يكشف ” موضوع الرواية بشكل مباشر.

– أعمالك تمزج ما بين الواقع والخيال وما بين الماضي والحاضر ، فلماذا تلجأ الي هذا التكنيك في الكتابة ؟
أنا أرى أن أى حدث أو شخصية مجهولة فى الماضى أكتب عنها تصبح ( حاضرا) وانا أرى أن الزمن وحدة متصلة , لا فارق أو حاجز بين الماضى – خاصة القريب – والحاضر.
وانا اعتبر أن تلك الشخصيات أو الأحداث المجهولة التى جرت فى القرن العشرين مازالت ( حاضرا) ملموسا.
هناك من يرى أن الكتابة هى فعل هجرة عن الواقع , لكنى لا أرى ذلك , فالزمن عندى هو خط مستقيم أو هو كما قال الفرنسى بول ريكور : ( الحاضر ثلاثى الأبعاد : حاضر الماضى , وحاضر الحاضر , وحاضر المستقبل )
وأعتقد أن روايتى تنتمى الى زمن ( حاضر الماضى )
يقول فولتير : ( إن مايدفعنا الى الكتابة هو الألم )
ويقول د/ شكرى عياد : ( إن الذى يدفعنا الى الفعل ليس هو مانملكه , بل مانفقده )
وهذا هو ما أؤمن به منذ أن بدأت أكتب فى 2006
فالكاتب ( موقف ) و ( رؤية )
موقف الكاتب يظهر فى اختياره لموضوع روايته , ورؤيته تظهر فيما يكتشفه من غوامض ومواقف وأحداث أغفلها التاريخ عمداً .
والكثير مما جاء على لسان الراوى من أفكار وتساؤلات لابد أنها – بكل تأكيد – تثير أفكارى وحيرتى أنا أيضاً .
ربما كان الكاتب منا يبحث عن نفسه فى كل رواية يكتبها , حتى اذا اكتملت صورته , توقف أو مات .
…أنا لا أكتب إلا عندما يكون هناك موضوع ما يشغل بالى أو مشكلة ما أريد أن أطرحها من خلال روايتى , وفى هذه الرواية كنت أمام أكثر من دافع , ربما كان أكثرها الحاحاً علىّ هو الكشف عن شخصيات مصرية عظيمة طواها النسيان , ولطبيعة أحداث الرواية لجأت إلى الغرائبية ولكن فى الجزء الثانى منها حتى ينتبه القارىء أن هناك شىء ما غير مألوف على وشك الحدوث , وهذه الغرائبية التي امتزجت بأحداث وشخصيات واقعية أيضاً كانت تمهد الطريق للدخول إلى النهاية الغير متوقعة للرواية .
فاللغة –هى الأداة التي يستخدمها الكاتب لتوصيل أفكاره ومشاعره إلى القارىء ولكنها ليست (المادة الخام ) للرواية . وانا أعتبر أن اللغة لها صور متعددة وعلى الروائى الماهر أن يختار الصورة اللغوية التي تناسب موضوع الرواية لذلك أختار (صورة اللغة ) التي تناسب روايتى فى كل مرة أكتب فيها .
_ وهل هناك ثمة قصدية، في استخدام تقنية، أو مدرسة ما ” كتابية” _ تنتمي إليها، أو تفضلها ؟
ليست هناك مدرسة معينة فى تقنيات الكتابة أنتمى اليها , فأنا أحب التجرب , وأقوم بذلك فى كل رواية لى , فلكل رواية اكتبها تقنيتها واسلوبها ولغتها الخاصة بها هى فقط دونا عما سبقها من رواياتى ,
أنا أحب التجريب فى رواياتى , على مستوى الفكرة , وعلى مستوى السرد , وأختار لكل فكرة طريقة السرد التي تناسبها ,
أما الحوار فأنا –دائماً – أحب أن يكون الحوار فى رواياتى مميزاً , يتشبث بمشاعر القارىء وفكره , ويظل فى ذاكرته بعض العبارات بعد انتهائه من الرواية .
أنا أؤمن أن الرواية ليست أبطالاً يتصارعون , وأحداثاً تُروى , وسرداً يُقرأ لإزجاء وقت الفراغ , إن هناك قيماً وأفكاراً محددة , من وراء هذا .
وانا استخدمت فى هذه الرواية ماأسماه هنرى جيمس :
” تعبير التكوين ” بمعنى التنظيم أو التنسيق بين أجزاء الصورة .
و فى رأيىّ أن الكاتب الذى لايقدم – فى كل عمل جديد – نقلة ابداعية فى مشواره , فعليه أن يقلق على ابداعه .
وأنا أؤمن أنه لولا ( شجاعة التجريب ) عند نجيب محفوظ ماجاءت له جائزة نوبل حتى باب بيته .
يكتب د/ جابر عصفور فى كتابه ( زمن القص ) عبارة هامة وهى :
” فالرواية الحقيقية هى التي تضع أداة النفى “لا ” فى مواجهة الروايات السابقة عليها , بادئة من نقطة مغايرة , باحثة عن ما تنفرد به فى إضافتها الكيفية لا الكمية “
