28 أكتوبر 2026 مقابلات

 

حوار مع الأستاذة الدكتورة هبه محمد فهمي – أستاذ الفيزياء الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة

 

حاورها: مصطفى علي عمار

هبه فهمي.. من معامل الفيزياء الحيوية إلى قائمة أفضل 2% من علماء العالم

عالمة نانو مصرية تفك شفرة توصيل الدواء للمخ

 

أستاذة الفيزياء الحيوية:

التوريث في العلم لا يكون إلا بالمعامل

حلم الإنسولين الفموي لإنهاء الحقن اليومي.

تحويل المخلفات من عبء إلى مورد

العائق الأكبر للمرأة ليس نقص الكفاءة بل صعوبة التوازن بين المسؤوليات البحثية والأسرية والتحديات المؤسسية

تحويل مادة لضمادة آمنة لجروح القدم السكري

لدينا باحثون مصريون ينشرون في جراىد مرموقة

مصر تمتلك إنتاج علمي حج يد لكن التحدي تحويله لمنتجات وخدمات

لو اخترت مشروع واحد فهو الكشف المبكر عن الزهايمر بالمستشعر النانوية المعزز بالذكاء الاصطناعي

 

لم تكتفِ بأن تكون أستاذًا في كلية العلوم بجامعة القاهرة، بل قررت أن تضع علمها في خدمة المريض والمصنع والطالب ورائد الأعمال في آن واحد.

إنها الأستاذة الدكتورة هبه محمد فهمي، أستاذ الفيزياء الحيوية بكلية العلوم جامعة القاهرة، المدرجة ضمن قائمة أفضل 2% من العلماء الأكثر تأثيرًا على مستوى العالم للعام السادس على التوالي وفق تصنيف جامعة ستانفورد الأمريكية ومؤسسة السفير الدولية لعام 2026، حيث حلت في المرتبة 487 عالميًا في تخصص الأدوية والصيدلة، محافظة على تواجدها بالقائمة منذ عام 2021.

الدكتورة هبة ليست مجرد صاحبة 104 بحث دولي و61 رسالة ماجستير ودكتوراه أشرفت عليها، ومدير حاضنة تكنولوجية بتمويل يتجاوز 7.8 مليون جنيه ضمن البرنامج القومي انطلاق بأكاديمية البحث العلمي، بل هي نموذج للعالم الذي يجمع بين المعمل والسوق والمجتمع.

من معمل يخلّق الدواء داخل حوامل نانوية بحجم جزء من المليار لتوصيله للمخ لعلاج التصلب المتعدد والاكتئاب والسرطان، إلى قاعة محاضرات تحاضر فيها لـ 7000 باحث عن الكتابة العلمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، إلى حاضنة تكنولوجية تحتضن أفكار الشباب وتحولها إلى شركات ناشئة، ومن دراسة تأثير الموجات الكهرومغناطيسية على المخ إلى تطوير مواد نانوية خضراء لمعالجة المياه وإنتاج الهيدروجين الأخضر والوقود الحيوي.

مسيرة تجمع بين علم الأعصاب وتكنولوجيا النانو، بين تطوير جزيئات لتوصيل الأدوية، ودراسة تأثير حبة البركة على الالتهابات العصبية، وابتكار أجهزة استشعار حيوية معززة بالذكاء الاصطناعي للكشف المبكر عن الزهايمر والسرطان، لتضع علمها في خدمة منظومة الرعاية الصحية المصرية… حوارنا مع عالمة تجمع بين عبقرية البحث وجرأة ريادة الأعمال.

 

 

★ كيف كانت البداية من معيدة عام 2004 إلى أستاذة ضمن أفضل 2% من علماء العالم لخمسة أعوام متتالية؟

 

عندما أنظر إلى رحلتي منذ تعييني معيدة بقسم الفيزياء الحيوية بكلية العلوم، جامعة القاهرة، عام 2004، أجد أنها لم تكن رحلة سريعة أو سهلة، لكنها كانت رحلة مليئة بالتعلم والاجتهاد والتحديات. تخرجت في كلية العلوم بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وكان لدي منذ البداية شغف بفهم جسم الإنسان من منظور فيزيائي، وكيف يمكن أن نستخدم العلم في تفسير الأمراض والمساهمة في علاجها. بدأت بدراسة تأثير الموجات الكهرومغناطيسية على النشاط الكهربائي للمخ أثناء النوم في رسالة الماجستير، ثم انتقلت في الدكتوراه إلى دراسة مرض التصلب المتعدد وإمكانية الاستفادة من حبة البركة في الحد من آثاره. ومع الوقت، تطورت اهتماماتي البحثية نحو تكنولوجيا النانو وتوصيل الأدوية وعلاج الأمراض العصبية، وصولًا إلى أبحاث التشخيص المبكر للأمراض باستخدام المستشعرات النانوية والذكاء الاصطناعي. تدرجت في العمل الأكاديمي من معيدة إلى مدرس مساعد، ثم مدرس عام 2014، وأستاذ مساعد عام 2020، وأخيرًا حصلت على درجة الأستاذية في مارس 2026. والحمد لله، جاء إدراجي ضمن أفضل 2% من علماء العالم في تصنيف ستانفورد/إلسيفير لستة أعوام متتالية، من 2021 حتى 2026، تتويجًا لسنوات طويلة من البحث والعمل الجماعي. لكنني أعتبر أن أهم ما في هذه الرحلة ليس التصنيف نفسه، وإنما الأثر الذي يمكن أن يتركه الباحث في تخصصه، وفي طلابه، وفي المجتمع.  فالتصنيف تقدير مهم ومحفز بالتأكيد، لكنه ليس نهاية الطريق. وأؤمن أن النجاح العلمي لا يأتي من بحث واحد أو إنجاز مفاجئ، وإنما من الاستمرارية والصبر، ومن القدرة على تطوير النفس مع كل مرحلة. كما أنني مدينة بالكثير لأساتذتي وزملائي وطلابي وأسرتي؛ لأن النجاح العلمي، حتى عندما يرتبط باسم شخص واحد، يكون وراءه دائمًا أشخاص ساهموا فيه.

 

 

★  ما هو تخصص الفيزياء الحيوية بتعريف مبسط لغير المتخصصين؟

أحب دائمًا أن أشرح الفيزياء الحيوية بأنها العلم الذي يستخدم قوانين الفيزياء لفهم أسرار الحياة، ثم يحول هذا الفهم إلى تطبيقات تساعد في تشخيص الأمراض وعلاجها. على سبيل المثال، عندما ينبض القلب، هناك إشارات كهربائية تنظم عمله. وعندما يفكر الإنسان أو ينام، توجد أنشطة كهربائية معقدة داخل المخ. وعندما يدخل الدواء إلى الجسم، تحدث تفاعلات فيزيائية وكيميائية تحدد كيف ينتقل إلى الخلايا وكيف يؤثر فيها. كل هذه الظواهر يمكننا دراستها باستخدام أدوات ومبادئ الفيزياء. والتخصص لا يقتصر على فهم ما يحدث داخل الجسم، بل يمتد إلى تطبيقات مهمة مثل التصوير الطبي، والعلاج الإشعاعي، وتصميم الأنظمة النانوية لتوصيل الدواء، وتطوير وسائل جديدة للكشف المبكر عن الأمراض. وأكثر ما جذبني إلى الفيزياء الحيوية أنها تخصص يجمع بين علوم متعددة، ويتيح لنا أن ننتقل من سؤال علمي داخل المعمل إلى فكرة قد تساعد يومًا ما في تخفيف معاناة مريض.

 

★         لماذا نحتاج إلى حامل نانوي لتوصيل الدواء بينما الدواء متوفر بالفعل؟

وجود الدواء لا يعني بالضرورة أنه يصل إلى المكان المطلوب داخل الجسم بالكفاءة التي نتمناها. بعض الأدوية قد يتحلل قبل أن يصل إلى العضو المستهدف، وبعضها لا يُمتص بصورة جيدة، وأحيانًا نحتاج إلى جرعات مرتفعة للحصول على التأثير العلاجي المطلوب، وهو ما قد يزيد من الآثار الجانبية. هنا يأتي دور الحامل النانوي، ويمكن أن نتخيله كأنه وسيلة نقل متناهية الصغر، نضع الدواء بداخلها أو نربطه بها، ثم نصممها بحيث تحميه وتساعد على وصوله إلى المكان المستهدف، أو تتحكم في سرعة خروجه. فبدلًا من التركيز فقط على اكتشاف دواء جديد، يمكننا أحيانًا تحسين طريقة استخدام دواء موجود بالفعل. وهذا أحد المحاور الأساسية في أبحاثي، خاصة في مشروعات علاج التصلب المتعدد والاكتئاب والسكري، حيث ندرس كيف يمكن للمواد النانوية أن تحسن توصيل المركبات العلاجية وكفاءتها. ولكن من المهم التأكيد أن الحامل النانوي ليس حلًا سحريًا لكل دواء؛ فكل نظام يحتاج إلى اختبارات دقيقة للتأكد من فعاليته وأمانه وقدرة الجسم على التخلص منه. هدفنا ليس أن نجعل الدواء أكثر تعقيدًا، وإنما أن نجعله أكثر كفاءة وأمانًا للمريض.

 

★         ما الجديد الذي يقدمه مشروعكم الحالي للكشف المبكر عن ألزهايمر بمستشعر نانوي ثنائي النمط معزز بالذكاء الاصطناعي؟

أحد أكبر التحديات في مرض ألزهايمر أن التغيرات المرضية داخل المخ قد تبدأ قبل ظهور الأعراض الواضحة بسنوات، ولذلك فإن الاكتشاف المبكر يمثل فرصة مهمة لتحسين متابعة المرض والتدخل الطبي في الوقت المناسب.

في مشروعنا البحثي الجديد، الذي بدأ في أكتوبر   2026 بتمويل يقارب 2.8 مليون جنيه، نعمل على تطوير مستشعر حيوي نانوي للكشف عن بروتين أميلويد بيتا، وهو أحد المؤشرات الحيوية المرتبطة بمرض ألزهايمر. الجديد في المشروع أننا لا نعتمد على وسيلة واحدة للقياس، وإنما على نظام ثنائي النمط، يجمع بين الاستشعار الكهروكيميائي والاستشعار المغناطيسي. نستخدم جسيمات مغناطيسية نانوية مغطاة بالسيليكا، ثم نعدل سطحها بمواد تساعد على زيادة استقرارها وتقليل التفاعلات غير المرغوبة، مع استخدام حمض السياليك كعنصر للتعرف على البروتين المستهدف. أما الذكاء الاصطناعي، فدوره ليس مجرد إضافة تقنية حديثة، وإنما تحليل الإشارات الناتجة عن المستشعر، وتقليل التشويش، والمساعدة في التمييز بين الإشارة الحقيقية والتداخلات المحتملة، بما قد يحسن دقة القياس. ونخطط لاختبار النظام أولًا في المحاليل المعملية، ثم في عينات مصل الدم، ومقارنة نتائجه بالطرق المعملية المعتمدة. ما يهمني في هذا المشروع هو أننا نحاول تطوير تقنية يمكن مستقبلًا أن تكون أكثر سهولة وأقل تكلفة، بما يفتح المجال لاستخدامها في منظومة الرعاية الصحية المصرية. وبالطبع، نحن لا نقول إننا أصبحنا نمتلك اختبارًا سريريًا معتمدًا لتشخيص ألزهايمر؛ فما زلنا في مرحلة البحث والتطوير، وإثبات قدرة المستشعر على قياس مؤشر حيوي لا يكفي وحده لتشخيص المرض. لكننا نعمل على خطوة علمية مهمة في هذا الاتجاه.

 

★         ما أهمية التخليق الأخضر للمواد النانوية باستخدام مخلفات الفاكهة كقشر البرتقال والموز؟

الفكرة ببساطة أننا نحاول تحويل شيء يعتبره البعض مخلفات بلا قيمة إلى مورد يمكن الاستفادة منه في إنتاج مواد عالية القيمة العلمية والتكنولوجية. في الطرق التقليدية لتحضير بعض المواد النانوية، قد نحتاج إلى مواد كيميائية أو ظروف تصنيع ذات تأثير بيئي غير مرغوب. أما التخليق الأخضر فيعتمد على الاستفادة من مركبات طبيعية موجودة في النباتات ومخلفات الفاكهة، مثل قشر البرتقال والموز والبطيخ، للمساعدة في تكوين الجسيمات النانوية أو تثبيتها. فعلى سبيل المثال، نستخدم مستخلص قشر البرتقال في أحد مشروعاتنا لتحضير السيلينيوم النانوي، كما شاركنا في مشروع بحثي يستخدم مخلفات الموز والبطيخ في تحضير مواد نانوية محفزة لإنتاج الهيدروجين. وهنا تتحقق أكثر من فائدة محتملة؛ فنحن نقلل الاعتماد على بعض الكيماويات التقليدية، ونعيد الاستفادة من المخلفات الزراعية، ونبحث عن طرق إنتاج أكثر استدامة وربما أقل تكلفة. لكن وصف الطريقة بأنها خضراء لا يعني تلقائيًا أن المادة الناتجة آمنة تمامًا، ولذلك نهتم بدراسة السمية والكفاءة والأثر البيئي. وأعتقد أن أهمية هذا الاتجاه بالنسبة لمصر كبيرة جدًا، لأننا دولة غنية بالمخلفات الزراعية التي يمكن أن تتحول من عبء بيئي إلى فرصة اقتصادية. ما كان يُنظر إليه باعتباره مخلفات يمكن أن يصبح مادة تدخل في صناعة دواء أو تنقية مياه أو إنتاج طاقة.

 

★         مشروعكم لتوصيل الإنسولين فمويًا مع سيلينيوم نانوي.. هل يمكن أن ينهي حقن الإنسولين اليومي لمرضى السكري؟

هذا هو الحلم الذي نطمح إلى الاقتراب منه، ولكن من المهم جدًا أن نفرق بين الهدف البحثي والنتيجة العلاجية المؤكدة. الإنسولين مادة بروتينية، وعندما يتناوله المريض عن طريق الفم فإنه يواجه تحديين أساسيين: احتمال تحلله بفعل إنزيمات الجهاز الهضمي، وصعوبة امتصاصه بكميات كافية عبر الأمعاء. لذلك نعمل في مشروعنا الحالي على تصميم نظام نانوي يحمي الإنسولين أثناء مروره بالجهاز الهضمي، ويساعد على تحسين امتصاصه مع المحافظة على نشاطه الحيوي. ونقارن بين نظامين مختلفين: الأول يعتمد على جسيمات الكيتوزان النانوية المغطاة بالسيليكا، والثاني يعتمد على الحويصلات الدهنية النانوية المعروفة بالليبوسومات. وندرس أيضًا دمج الإنسولين مع السيلينيوم النانوي المحضر بطريقة خضراء باستخدام قشر البرتقال، بهدف استكشاف إمكانية تحقيق تأثير علاجي تكاملي. المشروع ممول بنحو 2.75 مليون جنيه، ويشمل اختبارات معملية ودراسات ما قبل سريرية لتقييم الكفاءة والأمان. هل يمكن أن ينهي حقن الإنسولين؟ أتمنى أن تساهم هذه الأبحاث مستقبلًا في تطوير بديل فموي لبعض المرضى، لكن من المبكر جدًا الجزم بذلك فهناك مراحل طويلة من الاختبارات والتجارب السريرية والموافقات التنظيمية، فضلًا عن اختلاف احتياجات المرضى، وخاصة مرضى السكري من النوع الأول. وما أتمناه في النهاية هو أن نصل إلى علاج يخفف العبء اليومي عن المريض دون أي تنازل عن الأمان أو التحكم الجيد في مستوى السكر.

 

★         لماذا اخترتم جروح القدم السكري تحديدًا في مشروعكم مع Gemini Africa القائم على البولي دوبامين وأكسيد المنجنيز؟

اخترنا جروح السكري لأننا نتعامل مع مشكلة قد تبدو بسيطة في بدايتها، لكنها قد تتحول إلى مضاعفات خطيرة إذا لم تُعالج بصورة صحيحة. مريض السكري قد يعاني من ضعف الدورة الدموية أو اعتلال الأعصاب وتأخر التئام الجروح، ومع استمرار الالتهاب والإجهاد التأكسدي والعدوى، تصبح عملية الشفاء أكثر تعقيدًا، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى خطر البتر. من هنا جاءت فكرة تطوير ضمادة ذكية متعددة الوظائف، لا تقتصر على تغطية الجرح، وإنما تستهدف بعض العوامل التي تؤخر الالتئام. في المشروع، الذي يجري بالتعاون مع Gemini Africa وأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، نستخدم مركبات نانوية من البولي دوبامين وأكسيد المنجنيز داخل مادة هلامية حيوية، بهدف الاستفادة من خصائصها المضادة للأكسدة والمساعدة في الحد من الالتهاب، إلى جانب قدرتها على توليد حرارة موضعية عند التعرض لأشعة قريبة من تحت الحمراء. والنتائج المعملية الأولية مشجعة؛ فقد أظهرت التركيبات خصائص جيدة في مقاومة الإجهاد التأكسدي، والتوافق مع الدم، والاستجابة الحرارية الضوئية. وما زلنا بحاجة إلى استكمال تقييم فعاليتها وأمانها في التئام الجروح فعليًا قبل التفكير في استخدامها سريريًا. اخترنا هذا المجال لأن نجاح البحث فيه قد ينعكس على جودة حياة المريض، ويقلل من المعاناة والتكاليف المرتبطة بعلاج الجروح المزمنة. بالنسبة لي، النجاح الحقيقي هنا لن يكون في تصنيع مادة نانوية جديدة فقط، بل في أن تتحول إلى ضمادة آمنة ومتاحة تستطيع مساعدة مريض يحتاج إليها.

 

★         ما الذي يميز البيروفسكايت المطعم بالنيتروجين في معالجة مياه الصرف؟

المشكلة في معالجة مياه الصرف ليست فقط التخلص من الملوثات، وإنما إيجاد طريقة فعالة واقتصادية ومستدامة للقيام بذلك. ومن التقنيات الواعدة في هذا المجال التحفيز الضوئي، الذي يعتمد على استخدام الضوء لتنشيط مادة محفزة تساعد على تفكيك بعض الملوثات الموجودة في الماء. البيروفسكايت من المواد التي تمتلك خصائص تجعلها مرشحة لهذه التطبيقات، لكن بعض أنواعه تواجه تحديات تتعلق بكفاءة الأداء والاستقرار أثناء التشغيل. لذلك يركز مشروعنا البحثي، الممول ضمن مبادرة التحالفات العربية للبحث العلمي والابتكار بقيمة 30 ألف دولار، على دراسة إمكانية تحسين خصائص البيروفسكايت من خلال تطعيمه بالنيتروجين. الهدف من هذه الإضافة هو تعديل خصائص المادة بما يساعد على تحسين استجابتها للضوء وكفاءتها في عمليات التحفيز الضوئي، مع دراسة سبل زيادة ثباتها وتقليل التكلفة. وأهمية المشروع لا تقتصر على إنتاج مادة جديدة، وإنما ترتبط بقضية أكبر، وهي الحفاظ على الموارد المائية. وبالنسبة لمصر، فإن تطوير تقنيات معالجة مياه أكثر كفاءة وقدرة على العمل بتكلفة مناسبة يمثل ضرورة بيئية واقتصادية. لكن الحكم النهائي على جدوى المادة يحتاج إلى تقييم أدائها مع ملوثات حقيقية، واستقرارها خلال الاستخدام المتكرر، ومدى إمكانية تطبيقها على نطاق أكبر من المعمل.

 

★         رسالة الماجستير عن تأثير إشعاع 900 ميجاهرتز على نوم الفئران، ورسالة الدكتوراه عن حبة البركة والتصلب المتعدد.. ماذا بقي من هذين البحثين في عملكم اليوم؟

في الحقيقة، أعتبر أن رسالتي الماجستير والدكتوراه هما الأساس الذي تشكلت عليه شخصيتي البحثية، رغم أن موضوعاتهما تبدو مختلفة عن بعض المشروعات التي أعمل عليها حاليًا. في الماجستير، كنت أدرس تأثير التعرض لموجات كهرومغناطيسية بتردد 900 ميجاهرتز على النشاط الكهربائي للمخ وأنماط النوم في الفئران، وتعلمت من هذا البحث أهمية دراسة التأثيرات البيولوجية للتكنولوجيا، وعدم الاكتفاء بفوائدها دون تقييم جوانب الأمان. أما في الدكتوراه، فقد درست التأثيرات المحتملة لحبة البركة في نموذج تجريبي لمرض التصلب المتعدد، وهو مرض يصيب الجهاز العصبي. وأظهرت النتائج في النموذج الحيواني تأثيرات مشجعة فيما يتعلق بتخفيف الالتهاب وبعض العلامات المرضية، مع ضرورة الانتباه إلى الجرعات ومدة الاستخدام. وهذا البحث فتح أمامي بابًا مهمًا، وهو التفكير في كيفية الاستفادة من المركبات الطبيعية في علاج الأمراض العصبية، ثم تطوير طرق أفضل لتوصيلها باستخدام تكنولوجيا النانو. ومن هنا جاء لاحقًا مشروعنا الممول من هيئة تمويل العلوم والتكنولوجيا والابتكار لدراسة توصيل الثيموكينون، وهو أحد المركبات الفعالة في حبة البركة، باستخدام جسيمات السيليكا النانوية لعلاج نموذج تجريبي للتصلب المتعدد. وقد نشرنا في عام 2026 بحثًا في هذا الاتجاه باستخدام جسيمات سيليكا نانوية مسامية مغطاة بالدهون ومحملة بالثيموكينون. إذن لم أتخلَّ عن موضوعات أبحاثي الأولى، وإنما تطورت أدواتي في التعامل معها. تعلمت من الماجستير أن أسأل: كيف تؤثر التكنولوجيا في الإنسان؟ ومن الدكتوراه أن أسأل: كيف يمكن أن نستخدم العلم لتخفيف المرض؟ وهذان السؤالان ما زالا يحكمان عملي حتى اليوم.

 

★         بعد دراسة تأثير موجات الواي فاي على النوم، ما توصيتكم المباشرة للاستخدام اليومي للهواتف؟

أول توصية أقدمها هي الاستخدام الواعي والمتوازن للتكنولوجيا، بعيدًا عن التهويل أو الاطمئنان غير المبني على العلم. رسالتي للماجستير تناولت التعرض لموجات كهرومغناطيسية بتردد 900 ميجاهرتز في نموذج حيواني، كما شاركت لاحقًا في دراسة التأثيرات البيولوجية للموجات المنبعثة من أجهزة الواي فاي على بعض مؤشرات الإجهاد التأكسدي في كلى الفئران.

لكن من المهم التوضيح أن نتائج الدراسات الحيوانية لا يمكن نقلها مباشرة إلى الإنسان، وأن تردد 900 ميجاهرتز لا يمثل بالضرورة ظروف التعرض نفسها التي تنتج عن أجهزة الواي فاي الحديثة. ولذلك لا يصح أن نستنتج من تلك التجارب وحدها أن الهاتف أو الواي فاي يسبب اضطرابات النوم لدى الإنسان. أما نصيحتي العملية، فهي تقليل استخدام الهاتف قبل النوم، وخصوصًا تصفح مواقع التواصل الاجتماعي أو المحتوى الذي يسبب التوتر أو الاستثارة الذهنية، وتفعيل وضع عدم الإزعاج، وإبعاد الهاتف عن السرير إذا كان وجوده يشجع على السهر أو مقاطعة النوم بالإشعارات. ومن الأفضل كذلك تجنب الاستخدام غير الضروري للهاتف لفترات طويلة، والالتزام بإرشادات السلامة المعتمدة. وأحب أن أؤكد أن اضطراب النوم يرتبط بعوامل كثيرة، من بينها الإضاءة والشاشات والمنبهات والضغوط النفسية، ولا ينبغي اختزال المشكلة في الإشعاع الكهرومغناطيسي وحده. رسالتي ليست أن نخاف من التكنولوجيا، وإنما أن نستخدمها بذكاء، وأن نحافظ على صحتنا دون نشر مخاوف لا تدعمها الأدلة العلمية.

 

★         أشرفتم على 61 رسالة ماجستير ودكتوراه في أربع جامعات.. ما الخطأ الأكثر شيوعًا الذي يكرره الباحثون الشباب؟

من خلال تجربتي في الإشراف على 61 رسالة ماجستير ودكتوراه، أرى أن أكثر الأخطاء شيوعًا هو أن بعض الباحثين يبدأون من اختيار عنوان جذاب أو تقنية حديثة، قبل أن يحددوا بدقة المشكلة العلمية التي يريدون حلها. أحيانًا يأتي إليَّ باحث ويقول: أريد أن أعمل في تكنولوجيا النانو، أو الذكاء الاصطناعي، أو أنشر في مجلة ذات معامل تأثير مرتفع. وأسأله سؤالًا بسيطًا: ما المشكلة التي تريد حلها؟ وما الجديد الذي ستضيفه؟ التكنولوجيا وسيلة وليست هدفًا في حد ذاتها، والنشر العلمي نتيجة لبحث جيد، وليس بديلًا عن وجود سؤال بحثي أصيل. وألاحظ أيضًا أن بعض الباحثين يستعجلون النتائج أو يقللون من أهمية القراءة المتعمقة للدراسات السابقة، أو يعتقدون أن النتائج غير المتوقعة تعني فشل البحث. وأحرص دائمًا على أن أوضح لطلابي أن الباحث الجيد ليس من يحصل على نتائج إيجابية في كل تجربة، وإنما من يستطيع تفسير النتائج بأمانة، حتى لو خالفت توقعاته.

كما أنني أشجعهم على تعلم مهارات الكتابة العلمية، والتحليل الإحصائي، والتفكير النقدي، والتواصل مع تخصصات أخرى.

وأقول لهم دائمًا إن رسالة الماجستير أو الدكتوراه ليست مجرد شهادة، وإنما تدريب على طريقة تفكير ستظل معهم طوال حياتهم العلمية.

 

★         كمحكم دولي في مجلات ودور نشر عالمية، لماذا يُرفض البحث المصري في المجلات الدولية؟

أرفض التعميم بأن البحث المصري يُرفض لأنه مصري. لدينا باحثون مصريون متميزون ينشرون في مجلات دولية مرموقة، والدليل موجود في جامعاتنا ومراكزنا البحثية. لكن من خلال تجربتي في التحكيم العلمي والعمل التحريري مع مجلات دولية، أرى أن أسباب الرفض تتعلق في كثير من الأحيان بضعف الإضافة العلمية الجديدة، أو عدم وضوح الفرضية البحثية، أو وجود قصور في تصميم التجارب والتحليل الإحصائي أو تفسير النتائج. وفي بعض الحالات يكون البحث جيدًا من الناحية العلمية، لكنه مكتوب بطريقة لا توضح أهميته، أو يُرسل إلى مجلة غير مناسبة لتخصصه ومستوى إسهامه. وأعتقد أن الباحث المصري يحتاج أيضًا إلى التفكير مبكرًا في متطلبات النشر الدولي، وليس بعد الانتهاء من التجارب. فالمجلة الدولية لا تبحث فقط عن عدد كبير من النتائج، وإنما عن سؤال مهم، ومنهجية سليمة، ونتائج موثوقة، وإضافة واضحة للمعرفة. وهناك نقطة أخرى مهمة، وهي ضرورة الاهتمام بأخلاقيات البحث العلمي، وتوثيق البيانات، وعدم المبالغة في الاستنتاجات. ومن خلال عملي في تدريب الباحثين على الكتابة والنشر العلمي، أركز على رسالة أساسية: لا تكتب البحث لكي تقنع المحكم فقط، وإنما صممه منذ البداية لكي يتحمل النقد العلمي. كما يجب الاعتراف بأن التحكيم العلمي عملية بشرية قد تتأثر أحيانًا بالتحيز أو باختلاف أولويات المجلات؛ ولذلك فإن رفض البحث لا يعني بالضرورة أنه ضعيف، لكنه فرصة لمراجعته وتحسينه واختيار المنصة الأنسب له.

 

★ تديرون ستة مناصب قيادية في وقت واحد وعضوية مجلس سياسات التعليم والبحث العلمي.. كيف تديرون الوقت؟

أعتقد أن إدارة الوقت ليست مجرد تنظيم ساعات اليوم، وإنما القدرة على تحديد الأولويات ومعرفة ما الذي يستحق أن نمنحه وقتنا وجهدنا.

مع تعدد مسؤولياتي الأكاديمية والبحثية والإدارية، سواء في إدارة حاضنة NovaTech Leap، أو العمل في وحدات التميز والابتكار والجودة وخدمة الباحثين، أو من خلال عضويتي في مجلس سياسات التعليم والبحث العلمي بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، أصبح من الضروري أن أعمل وفق أهداف واضحة وخطط محددة. وأحاول دائمًا تقسيم العمل إلى مهام عاجلة ومهام استراتيجية طويلة المدى، مع تخصيص أوقات للعمل البحثي الذي يحتاج إلى تركيز بعيدًا عن الاجتماعات والمهام اليومية. لكن من أهم الأشياء التي تعلمتها أن القيادة لا تعني أن أقوم بكل شيء بنفسي، وإنما أن أختار فريقًا جيدًا، وأثق في قدراته، وأوزع المسؤوليات بصورة واضحة. وأعترف أن التوفيق بين هذه المهام ليس سهلًا دائمًا، وأن هناك فترات يكون فيها ضغط العمل كبيرًا، ولذلك أحرص على إعادة ترتيب أولوياتي باستمرار، حتى لا تتحول كثرة المسؤوليات إلى هدف في حد ذاتها. وبالنسبة لي، المناصب ليست إنجازًا إذا لم ينتج عنها تطوير حقيقي أو خدمة ملموسة للطلاب والباحثين والمؤسسة. وأعتبر عضويتي في مجلس سياسات التعليم والبحث العلمي مسؤولية مهمة، لأنها تمنحني فرصة للمشاركة في التفكير في مستقبل البحث العلمي المصري من منظور يتجاوز حدود المعمل أو القسم الأكاديمي. وأهم درس تعلمته في الإدارة أن نجاح القائد لا يقاس بعدد الملفات التي يحتفظ بها على مكتبه، وإنما بعدد الأشخاص الذين يستطيع تمكينهم من النجاح.

 

★         كمدير لحاضنة NovaTech Leap بتمويل 7.8 مليون جنيه.. كيف يتحول البحث من على الرف إلى منتج في السوق؟

هذه من أكثر القضايا التي تشغلني حاليًا، لأن مصر تمتلك إنتاجًا علميًا وباحثين على مستوى جيد، لكن التحدي الحقيقي هو تحويل نسبة أكبر من هذا الإنتاج إلى تقنيات ومنتجات وخدمات ذات قيمة اقتصادية ومجتمعية. ومن هنا جاءت فكرة حاضنة NovaTech Leap، التابعة لكلية العلوم بجامعة القاهرة، والممولة من أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا من خلال البرنامج القومي للحاضنات التكنولوجية «انطلاق»، بتمويل إجمالي 7.8 مليون جنيه. الحاضنة مصممة لتكون حلقة وصل بين المعمل والسوق، وخصوصًا في مجالات العلوم التطبيقية والمواد المتقدمة والتكنولوجيا الحيوية والبيئية والحلول الصناعية الذكية. نبدأ بتقييم الفكرة البحثية: هل تقدم حلًا حقيقيًا لمشكلة موجودة؟ وهل يمكن تحويلها إلى نموذج أولي قابل للاختبار؟ وهل هناك عميل أو جهة مستفيدة تحتاج إلى هذا الحل؟ ثم نساعد الفريق على تطوير النموذج الأولي، والتحقق من جدواه الفنية، ودراسة الملكية الفكرية ومتطلبات التصنيع والتنظيم، وبناء نموذج عمل مناسب، والاستعداد للتواصل مع المستثمرين والشركاء الصناعيين.

ونستهدف خلال فترة عمل الحاضنة، من 2026 إلى 2029، احتضان 15 شركة تكنولوجية ناشئة، بمعدل خمس شركات سنويًا. وأحب أن أوضح أن هذه الأرقام تمثل مستهدفات الحاضنة وليست نتائج منجزة بالفعل. ما نحاول تغييره هو طريقة التفكير نفسها؛ فلا يكفي أن يقول الباحث إنه نشر دراسة أو حصل على براءة اختراع، بل نريد أن نسأل: من سيستخدم هذه التكنولوجيا؟ وما تكلفتها؟ وكيف ستُصنّع؟ وهل تستطيع المنافسة؟ الفكرة العلمية لا تصبح ابتكارًا اقتصاديًا بمجرد نجاحها داخل المعمل، وإنما عندما تتحول إلى حل موثوق يحتاج إليه المجتمع ويستطيع الاستفادة منه.

 

★         ما تقييمكم لفرص التمويل البحثي في مصر اليوم مقارنة بعام 2010؟

إذا قارنت الوضع ببداية رحلتي البحثية، أرى أن الباحث المصري اليوم لديه فرص أكثر تنوعًا للوصول إلى التمويل، خاصة من خلال الجهات الوطنية الداعمة للبحث العلمي، والبرامج الموجهة للعلوم التطبيقية والابتكار وريادة الأعمال، إلى جانب فرص التعاون الإقليمي والدولي. عندما كنت في مرحلة الماجستير والدكتوراه، كان الجزء الأكبر من اهتمام الباحثين ينصب على استكمال الدراسة ونشر النتائج العلمية، بينما أصبحنا اليوم نتحدث بصورة أوسع عن الأثر التطبيقي، ونقل التكنولوجيا، وبراءات الاختراع، والشركات الناشئة. وأستطيع أن أرى هذا التطور بصورة عملية في مسيرتي، من خلال حصول مشروعاتنا على تمويل من جامعة القاهرة، وهيئة تمويل العلوم والتكنولوجيا والابتكار، وأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وبرامج التعاون البحثي العربي. ولدينا اليوم، على سبيل المثال، مشروعات ممولة في الكشف المبكر عن ألزهايمر، وتوصيل الإنسولين فمويًا، ومعالجة مياه الصرف، إلى جانب حاضنة تكنولوجية لدعم تحويل نتائج الأبحاث إلى تطبيقات. لكن في المقابل، لا بد من الاعتراف بأن ارتفاع تكلفة الأجهزة والمواد المستوردة، وتقلبات الأسعار، والحاجة إلى تمويل مستمر طويل الأجل، تمثل تحديات حقيقية، خصوصًا في الأبحاث الطبية والتكنولوجية التي تحتاج إلى مراحل متعددة من الاختبار والتطوير. وأرى أن المرحلة القادمة تتطلب مزيدًا من التمويل التنافسي المستدام، مع ربط جزء أكبر منه باحتياجات الصناعة والأولويات الوطنية، وتسهيل الإجراءات الإدارية والشراء والتعاون بين المؤسسات.

نحن لا نحتاج فقط إلى زيادة فرص تمويل الأبحاث، بل إلى بناء منظومة قادرة على تمويل الرحلة كاملة، من الفكرة العلمية إلى التطبيق.

 

★         كيف أثر تدريسكم لطلاب كليات مختلفة، العلوم والطب البيطري والنانوتكنولوجي، على رؤيتكم للتعليم؟

أثر ذلك بصورة كبيرة في طريقة تفكيري كأستاذة جامعية؛ لأنني اكتشفت أن المعلومة العلمية الواحدة يمكن أن يكون لها معنى مختلف تمامًا حسب التخصص الذي يدرسها. عندما أشرح الفيزياء الحيوية لطالب في كلية العلوم، قد أركز على القانون الفيزيائي وتفسير الظاهرة. أما طالب الطب البيطري، فيكون اهتمامه الأكبر بكيفية ارتباط هذه الظاهرة بوظائف الأعضاء أو صحة الحيوان. وفي كلية النانوتكنولوجي، ننتقل إلى سؤال مختلف: كيف نستخدم هذا المبدأ لتصميم مادة أو نظام لتوصيل الدواء؟ ولذلك أحرص على ألا يكون التدريس مجرد نقل للمعلومات، وإنما ربطها بالمشكلة التي يواجهها الطالب في تخصصه.

وقد ساعدتني هذه التجارب على تطوير أسلوبي في التدريس، والاعتماد على التطبيقات والأمثلة العملية والتجارب المعملية والمحاكاة كلما أمكن. كما أكدت لي أن العلوم الحديثة لم تعد تعمل في جزر منفصلة؛ فالبحث الطبي المتقدم يحتاج إلى تعاون الفيزيائي والكيميائي والطبيب والصيدلي والمهندس والمتخصص في تحليل البيانات. وأعتقد أن الجامعة الناجحة يجب أن تخرج طالبًا يمتلك أساسًا علميًا قويًا، لكنه قادر في الوقت نفسه على التعلم من تخصصات أخرى والتعاون معها. فالمستقبل في رأيي ليس للطالب الذي يحفظ أكبر عدد من المعلومات، وإنما للطالب الذي يعرف كيف يستخدم المعرفة لحل مشكلة جديدة.

 

★ ابتكرتم تجارب معملية جديدة وقناة على يوتيوب وصفحة لخدمة الباحثين.. هل التعليم التقليدي انتهى؟

لا أعتقد أن التعليم التقليدي انتهى، لكنني أؤمن أن الاكتفاء به لم يعد مناسبًا لطبيعة العصر الذي نعيشه. المحاضرة المباشرة لها قيمة مهمة في الحوار والتفاعل مع الطلاب، وكذلك المعمل الحقيقي الذي يتعلم فيه الطالب الملاحظة والقياس والتعامل مع الأجهزة والأخطاء التجريبية. لكن المشكلة تبدأ عندما نختزل التعليم في محاضرة يلقيها الأستاذ ويحفظها الطالب ثم يكتبها في الامتحان. لذلك حاولت خلال عملي الأكاديمي تطوير بعض التجارب المعملية، ومنها تجربة تستخدم المحاكاة العددية لدراسة توزيع معدل الامتصاص النوعي للطاقة الكهرومغناطيسية داخل الرأس بالقرب من الهاتف المحمول، وتجربة أخرى تتعلق باستخدام التحليل الطيفي بالأشعة تحت الحمراء في التطبيقات الطبية. كما أنشأت قناة تعليمية على يوتيوب وصفحات لخدمة الباحثين، من بينها صفحة «ميدان العلماء»، بهدف مشاركة المعرفة والفرص العلمية والتدريبية مع عدد أكبر من المستفيدين. وأرى أن الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي يمكن أن تساعدنا على تقديم تعليم أكثر تفاعلًا ومرونة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل التفكير النقدي أو التجربة العملية أو دور الأستاذ في التوجيه. التعليم الذي يجب أن ينتهي هو التعليم القائم على الحفظ دون فهم، وليس التعليم المباشر نفسه. وأتمنى أن تتحول جامعاتنا بصورة أكبر من مؤسسات تمنح المعلومات إلى مؤسسات تعلم الطلاب كيف يفكرون ويبحثون ويبتكرون.

 

★ نظمتم أكثر من 200 فعالية وأحدها حضره 7000 باحث.. هل الباحث المصري متعطش للمعرفة فعلًا؟

بالتأكيد، وهذه ليست مجرد وجهة نظر، وإنما تجربة لمستها بنفسي خلال سنوات من تنظيم المحاضرات وورش العمل والمؤتمرات والبرامج التدريبية. من أكثر التجارب التي تركت أثرًا لديّ الدورة التدريبية التي نظمناها عبر الإنترنت عام 2021 حول أساسيات البحث العلمي وتطوير قدرات الباحثين، والتي شارك فيها أكثر من 7000 باحث. هذا العدد الكبير كان بالنسبة لي رسالة واضحة بأن هناك رغبة حقيقية لدى الشباب المصري في التعلم وتطوير قدراتهم، خصوصًا عندما نقدم لهم محتوى يرتبط باحتياجاتهم الفعلية. ومن خلال الفعاليات التي شاركت في تنظيمها، لاحظت أن الاهتمام لا يقتصر على موضوعات النشر الدولي أو كتابة الرسائل العلمية، بل يمتد إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، والمحاكاة الجزيئية، وريادة الأعمال، والابتكار، والاستدامة، وفرص العمل. لكنني أرى أن المشكلة أحيانًا ليست في نقص الرغبة في التعلم، وإنما في صعوبة الوصول إلى التدريب المتخصص أو ارتفاع تكلفته أو عدم معرفة الباحث بالفرص المتاحة. ولهذا أعتبر خدمة الباحثين جزءًا أصيلًا من دوري الأكاديمي، وليس نشاطًا إضافيًا. وبالنسبة لي، أكثر ما يسعدني ليس عدد الحاضرين وحده، وإنما أن يتواصل معي باحث بعد فترة ليخبرني أن تدريبًا شارك فيه ساعده على تحسين بحثه أو نشر دراسته أو الحصول على فرصة علمية. الباحث المصري لديه الطموح والقدرة، وما يحتاجه هو أن نوفر له الفرصة والتوجيه والبيئة التي تساعده على الانطلاق.

 

★ كعضو في اللجنة الوطنية للمرأة في العلوم وحاصلة على جائزة الدولة التشجيعية للمرأة 2023.. ما العائق الأكبر أمام الباحثة المصرية؟

أعتقد أن العائق الأكبر أمام الباحثة المصرية ليس نقص الكفاءة أو الطموح، وإنما صعوبة تحقيق التوازن بين المسؤوليات المختلفة في ظل بعض التحديات الاجتماعية والمؤسسية التي قد تواجهها خلال مسيرتها العلمية. فالعمل البحثي يحتاج إلى وقت طويل، واستمرارية، وسفر أحيانًا، ومتابعة دقيقة للتجارب والمشروعات، وفي الوقت نفسه قد تتحمل المرأة مسؤوليات أسرية كبيرة، مما يجعل الحفاظ على هذا التوازن تحديًا حقيقيًا. لكنني لا أحب اختزال قضية المرأة في العلوم في فكرة التحديات فقط؛ لأن لدينا في مصر عالمات وباحثات حققن إنجازات علمية كبيرة محليًا ودوليًا. ومن خلال عضويتي في اللجنة الوطنية للمرأة في العلوم بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، أؤمن أن المطلوب هو الانتقال من مجرد الاحتفاء بنجاح المرأة إلى بناء بيئة تساعد مزيدًا من الباحثات على النجاح والاستمرار والوصول إلى المواقع القيادية. وهذا يتطلب إتاحة فرص عادلة للتمويل والتدريب والترقي، ودعم الباحثات في المراحل المختلفة من حياتهن المهنية، وإبراز النماذج الناجحة التي تشجع الأجيال الجديدة. وقد كان حصولي على جائزة الدولة التشجيعية للمرأة في مجال العلوم الصحية والصيدلية عن عام 2023، التي تسلمتها في 2024، لحظة مهمة جدًا بالنسبة لي، ليس فقط لأنها تقدير لسنوات من العمل، ولكن لأنها حملت رسالة بأن الجهد العلمي يمكن أن يجد من يقدره. وأتمنى أن تكون تجربتي دافعًا لأي باحثة شابة لديها طموح وتشعر أن الطريق صعب أو طويل.

وأقول دائمًا إن تمكين المرأة في البحث العلمي لا يعني منحها ميزة على حساب الآخرين، وإنما ضمان ألا تُحرم من فرصة تستحقها بسبب ظروف لا تتعلق بقدرتها العلمية. وفي النهاية، نجاح المرأة العالمة ليس مكسبًا لها وحدها، وإنما إضافة للجامعة وللمنظومة البحثية وللمجتمع كله.

 

★  بأكثر من 100 بحث منشور و2310 استشهادًا.. متى يتحول هذا النشر إلى دواء في الصيدلية المصرية؟

هذا سؤال مهم جدًا، وأعتقد أنه يجب أن يُطرح على الباحثين والمؤسسات البحثية وجهات التمويل والصناعة معًا. النشر العلمي ضروري، لأنه الوسيلة التي نقدم بها نتائجنا للمجتمع العلمي ونخضعها للتقييم والمراجعة، لكنه ليس الهدف النهائي لكل بحث، خصوصًا عندما نتحدث عن الأبحاث الطبية التطبيقية. ووفقًا للبيانات المسجلة في سيرتي الذاتية، لديّ 104 أعمال مفهرسة في Scopus وأكثر من 2300 استشهاد علمي، إلى جانب مساهمات في كتب وفصول علمية ومشروعات بحثية متعددة. وأعتز بهذه المؤشرات لأنها تعكس نشاطًا علميًا ممتدًا وتفاعلًا مع نتائج الأبحاث، لكنني أدرك جيدًا أن الاستشهادات العلمية وحدها لا تعني أننا قدمنا علاجًا جاهزًا للمريض. فالانتقال من اكتشاف معملي إلى دواء متاح في الصيدلية رحلة طويلة تتطلب إثبات الفاعلية والأمان، وتحديد الجرعات المناسبة، وإجراء الدراسات قبل السريرية ثم التجارب السريرية على البشر، وصولًا إلى موافقات الجهات التنظيمية والتصنيع وفق معايير الجودة. ولدينا بالفعل أبحاث ومشروعات في توصيل الأدوية باستخدام تكنولوجيا النانو، خاصة لعلاج بعض الأمراض العصبية والسكري، إلى جانب طلبات براءات اختراع مرتبطة بتركيبات نانوية علاجية. لكن هذه المشروعات لا تزال تحتاج إلى مراحل أخرى قبل أن تصبح منتجات علاجية معتمدة.

وهنا تظهر أهمية الشراكة مع شركات الأدوية والمستثمرين والجهات التنظيمية، وكذلك أهمية الحاضنات التكنولوجية التي تساعد على تطوير النتائج البحثية في اتجاه التطبيق. وأعتقد أن أحد أهم التحديات في مصر هو توفير التمويل والبنية الداعمة للمراحل التي تقع بين انتهاء البحث الأكاديمي وبدء التطوير الصناعي. حلمي ألا يكون نجاح البحث المصري مرتبطًا فقط بعدد مرات الاستشهاد به، وإنما أن نصل إلى اليوم الذي نجد فيه منتجًا طبيًا مصريًا يحمل ثمرة سنوات من البحث في جامعاتنا، ويستفيد منه المريض بسعر مناسب.

 

★  لو طُلب منكم اختيار مشروع واحد فقط لإكماله حتى النهاية، ماذا تختارون؟

هذا سؤال صعب بالنسبة لي، لأن كل مشروع من مشروعاتنا يرتبط بمشكلة إنسانية أو بيئية مهمة، وقد استثمرنا في كل منها وقتًا وجهدًا وعملًا جماعيًا. لكن إذا كان عليَّ اختيار مشروع واحد أركز عليه حتى يصل إلى مرحلة التطبيق، فسأختار مشروع الكشف المبكر عن مرض ألزهايمر باستخدام المستشعر النانوي المعزز بالذكاء الاصطناعي. والسبب أن هذا المشروع يجمع بين مجموعة من المجالات التي أؤمن بأهميتها في مستقبل البحث العلمي: الفيزياء الحيوية، وتكنولوجيا النانو، وعلم الأعصاب، والاستشعار الحيوي، والنمذجة الحاسوبية، والذكاء الاصطناعي.

كما أنه يرتبط بمشكلة إنسانية مؤثرة للغاية، لا يعاني منها المريض وحده، وإنما تمتد آثارها إلى أسرته والمحيطين به. ومن أصعب ما يواجه أسر مرضى ألزهايمر أن المرض قد يتطور بصورة تدريجية قبل أن تصبح أعراضه واضحة، ولذلك فإن تطوير وسائل أكثر سهولة ودقة للكشف المبكر عن المؤشرات الحيوية المرتبطة به قد يفتح فرصًا مهمة لتحسين المتابعة الطبية والتدخل في الوقت المناسب. ما يحمسني في هذا المشروع أننا لا نبحث فقط عن اكتشاف علمي جديد، بل نحاول تطوير نموذج أولي لتقنية قابلة للتطوير مستقبلًا، ويمكن أن تتناسب مع احتياجات وإمكانات منظومة الرعاية الصحية في مصر. وأتمنى أن ننجح في استكمال مراحله المختلفة، بدءًا من إثبات دقة المستشعر في المعمل، مرورًا بالتحقق من أدائه في عينات بيولوجية، ثم الوصول مستقبلًا إلى الدراسات السريرية اللازمة بالتعاون مع المتخصصين. وأدرك أن الوصول إلى تطبيق طبي معتمد يحتاج إلى وقت وجهد وتمويل وتعاون بين تخصصات عديدة، لكنني أؤمن أن المشروعات الطموحة تبدأ بسؤال علمي واضح وخطة واقعية للإجابة عنه. وإذا كان عليَّ أن أختار إنجازًا واحدًا أتركه بعد سنوات من العمل، فسيسعدني أن يكون وسيلة تشخيصية مصرية تساعد على اكتشاف مرض في مرحلة مبكرة، وتمنح المريض وأسرته فرصة أفضل للتعامل معه.

 

★ ما حلمكم للبحث العلمي في مصر بحلول 2030؟

حلمي أن يصبح البحث العلمي في مصر أحد المحركات الأساسية للتنمية الاقتصادية وتحسين جودة الحياة، وأن ننتقل من مرحلة التركيز على إنتاج المعرفة فقط إلى مرحلة توظيف هذه المعرفة بصورة أوسع في حل مشكلات المجتمع. مصر تمتلك عقولًا متميزة وكفاءات علمية قادرة على المنافسة عالميًا، ولدينا جامعات ومراكز بحثية حققت إنجازات مهمة. لكنني أرى أن التحدي الأكبر خلال السنوات المقبلة هو بناء جسور أكثر فاعلية بين الباحثين والصناعة والمستثمرين والجهات الحكومية. أتمنى أن نرى بحلول عام 2030 شركات تكنولوجية مصرية ناشئة خرجت من معامل الجامعات، ومنتجات طبية وبيئية وصناعية تم تطويرها بأيدٍ مصرية، وتقنيات محلية تساهم في مواجهة تحديات مثل الأمراض المزمنة وندرة المياه والطاقة والاستدامة البيئية. وأتمنى أيضًا أن يصبح تمويل البحث العلمي أكثر استدامة وارتباطًا بالأولويات الوطنية، مع توفير بيئة تسمح للباحث بأن يركز على الإبداع بدلًا من استنزاف جزء كبير من وقته في مواجهة العقبات الإدارية والفنية. ومن أهم أحلامي أن يجد الباحث الشاب، مهما كانت جامعته أو ظروفه، فرصة عادلة للتدريب والتمويل والتعاون مع باحثين آخرين، وأن يشعر بأن هناك مستقبلًا حقيقيًا له داخل مصر. وأرى أن تحقيق هذه الرؤية يتطلب تطوير التعليم الجامعي ليصبح أكثر اعتمادًا على التفكير النقدي والبحث والابتكار، إلى جانب الاهتمام بالبحث متعدد التخصصات، ونقل التكنولوجيا، وحماية الملكية الفكرية، وتشجيع مشاركة القطاع الخاص في الاستثمار البحثي. ومن خلال عملي في حاضنة NovaTech Leap وعضويتي في مجلس سياسات التعليم والبحث العلمي، أتمنى أن أساهم، ولو بجزء صغير، في هذا التحول. وأعتقد أن معيار نجاحنا في 2030 يجب ألا يكون فقط عدد الأبحاث التي ننشرها أو ترتيبنا في التصنيفات الدولية، وإنما أيضًا حجم الأثر الذي تتركه هذه الأبحاث في حياة المصريين. حلمي أن يأتي يوم لا يكون فيه السؤال: كم بحثًا نشر العالم المصري؟ بل: ما المشكلة التي ساهم علمه في حلها؟ وما القيمة التي أضافها لوطنه وللإنسانية؟

وأحب أن أختم برسالة للباحثين الشباب: لا تجعلوا هدفكم مجرد الوصول إلى منصب أكاديمي أو تصنيف دولي. اجعلوا هدفكم أن تقدموا علمًا حقيقيًا يترك أثرًا؛ فالتكريمات والتصنيفات تأتي نتيجة للعمل الجاد والمستمر، أما القيمة الحقيقية للعالم فتظل في المعرفة التي أضافها، والأشخاص الذين ساعدهم، والأجيال التي ساهم في إعدادها.

شارك المقال: فيسبوك تويتر