24 أكتوبر 2026 فكر

«الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقيا».

عبارة قالها الشاعر الإنجليزي روديارد كبلينغ، ثم صارت قاعدة يُقسَّم بها العالم إلى عالمين منفصلين، لكلٍّ منهما هويته وثقافته وخصوصيته. والمفارقة أن بقية قصيدته تنقضها، إذ تقول إنه لا شرق ولا غرب حين يقف إنسانان وجهًا لوجه. لكن الناس احتفظوا بالشطر الذي يفرّق، ونسوا الذي يجمع.

في يناير 2016 كتبتُ في تغريدة: «مازال الغرب متخلفًا عن الشرق بيوم كامل أو بعضه». كنت أمزح يومها، ولم أدرك أنني أقول الفكرة كلها، واحتجتُ عشر سنوات لأفهم ما كتبت.

فلماذا الشرق والغرب تحديدًا؟

الشرق والغرب مرتبطان بالشمس؛ من حيث تشرق ومن حيث تغرب. ومن هنا أرى أن دلالتهما زمنية، تقوم على تعاقب الشروق والغروب. والعلم يؤكد ذلك: فالساعات في العالم تُضبط بحسب خطوط الطول، أي بحسب الشرق والغرب؛ كل خمس عشرة درجة تعادل ساعة، وعند خط التاريخ الدولي يصبح الفارق يومًا كاملًا. أما إن سافرتَ شمالًا أو جنوبًا، فلن تتغير ساعتك.

الشمال والجنوب إذن مرتبطان بالمكان؛ بقطبي الأرض ومحورها. وهما ثابتان، بقيا مرجعًا جغرافيًا رغم كل ما حققه الإنسان من تقدم.

أما الشرق والغرب فلا ثبات لهما. الأرض كروية، لا مسطحة كما توحي الخرائط، وكل نقطة على سطحها شرقٌ لما قبلها وغربٌ لما بعدها. فشرق اليابان أمريكا، وغربها الصين. ومن يمضِ شرقًا بلا توقف يعُد إلى حيث بدأ.

وهنا أصل إلى فكرتي:

الشرق والغرب زمن، والشمال والجنوب مكان، والاتجاهات الأربعة معًا هي الزمكانية. فحين نحدد موقع أي إنسان على الأرض، نحتاج إلى الأمرين: أين يقف، وفي أي ساعة من يومه يعيش.

وإذا كان الشرق والغرب زمنًا، فهما مرحلتان لا مكانان. والحضارة تنتقل بينهما كما تنتقل الشمس؛ كان مركز العالم في الشرق، ثم انتقل غربًا، ولا شيء يمنع أن يعود.

ثم إن الأسس التي قامت عليها هذه الثنائية لم تعد كما كانت. فقد تطورت وسائل التواصل والانتقال، وتداخلت الثقافات، وانتقلت الهويات مع المهاجرين، وصارت ثقافات متعددة تعيش في المكان نفسه. لم يعد الشرق كتلة ثقافية واحدة، ولا الغرب كتلة منفصلة عنه.

واللافت أن العالم نفسه بدأ يتخلى عن هذا التقسيم دون أن يعلن ذلك؛ فصار الحديث اليوم عن «الشمال العالمي» و«الجنوب العالمي». انتقل التصنيف من الزمن إلى المكان، ومن الثقافة إلى الثروة.

ومع ذلك، ما زلنا نستخدم ثنائية الشرق والغرب كأنها حدود طبيعية ثابتة.

فهل آن الأوان لإعادة النظر في الطريقة التي نصنّف بها العالم؟ وهل يمكن أن نفكر في الاتجاهات الأربعة، لا بوصفها جهات على البوصلة، بل مدخلًا لفهم علاقتنا بالمكان والزمن، وكيف نصنع التصنيفات ثم نمنحها سلطة على وعينا؟

ربما لم تكن المشكلة يومًا في الشرق أو الغرب، بل في الطريقة التي نظرنا بها إلى العالم، ثم اعتقدنا أن نظرتنا هي العالم نفسه.

 

شارك المقال: فيسبوك تويتر