حين تعبر المعرفة الحدود ولا تفقد هويتها
بقلم: عبدالله سعيد الحبسي (A.S. Alhebsi)
في كل مرة يجتمع فيها مسؤولون ومستثمرون للحديث عن شراكة دولية جديدة، تذهب الأنظار مباشرة نحو الاتفاقيات والأرقام. لكنني عندما تابعت الحوار الإماراتي الفرنسي في أبوظبي يوم العشرين من أكتوبر، وجدت نفسي أفكر في أمر أعمق: كيف تنتقل المعرفة من مجتمع إلى آخر، من دون أن يفقد أي منهما صوته الخاص؟
أكتب هذا التساؤل من قلب تجربة إماراتية راسخة تؤمن بأن الانفتاح على العالم لا يعني بحال التخلي عن الجذور. فقد بنت الإمارات جسوراً ثقافية وتعليمية واقتصادية متينة مع دول شتى، وفي مقدمتها فرنسا، لكنها في الوقت ذاته عملت باهتمام بالغ على حفظ لغتها، وذاكرتها المحلية، وتراثها الأصيل. وما يشدني في هذه المعادلة أن بناء المستقبل لا يحتاج أبداً إلى قطع الصلة بالماضي.
وفي مصر، التي تمتلك تاريخًا عريقًا ومتجذرًا في التعليم والفنون والكتابة، يبدو هذا التساؤل مألوفًا وطبيعياً. لقد أثرت الثقافة المصرية في وجدان أجيال عربية عديدة، من بينها أجيال إماراتية نشأت على الكتاب، والمدرسة، والمسرح، والسينما. وفي المقابل، حملت التجربة الإماراتية معها أسئلة جديدة تخص التنمية المتسارعة، والتعدد الثقافي، وكيفية صيانة الهوية وسط متغيّرات العصر.
أعتقد أن أجمل ما يمكن أن تمنحه لنا أي شراكة دولية هو أن تفتح بابًا حقيقيًا للتعلم المتبادل. لا أعني بذلك أن يسافر وفد رسمي لالتقاط صورة في قاعة أنيقة، بل أعني أن يتعاون باحث مصري مع زميل إماراتي لتوثيق ذاكرة مهنية مشتركة، أو أن يقرأ طالب في أبوظبي كتابًا مُترجمًا بعناية فائقة، أو أن تجد حرفة تقليدية قديمة فرصة جديدة للحياة بفضل تعاون مثمر بين المؤسسات الثقافية.
فالمعرفة لا تنتقل لمجرد شراء المعدات أو استضافة المؤتمرات الكبرى؛ إنها تحتاج إلى لغة مشتركة، وصبر طويل، وأشخاص يعرفون كيف يطرحون الأسئلة الصحيحة قبل تقديم الإجابات الجاهزة. وكثيراً ما رأيت في المؤسسات كيف تضيع خبرات ثمينة بمجرد مغادرة صاحبها، دون أن يترك خلفه سوى ملفات إدارية جافة. من هنا أرى أن التوثيق، والمقابلات الشفوية، والتدريب الحقيقي ليست أعمالاً ثانوية، بل هي دروع حماية لذاكرة المجتمع.
وهناك فارق جوهري بين أن نأخذ من الآخرين ما ينفعنا، وبين أن نقلدهم حتى نذوب ونفقد خصوصيتنا. يمكن للإمارات أن تستفيد من الخبرات الفرنسية المتميزة في مجالات التعليم، والثقافة، والبحث العلمي، كما يمكن للشريك الأوروبي أن يتعلم من قدرة الإمارات على دمج جنسيات ومؤسسات مختلفة لتحقيق هدف تنموي واحد. وبالمثل، تستطيع مصر أن تقدم خبراتها الغنية في اللغة، والآثار، والفنون، وفي الوقت ذاته تستفيد من تجارب حديثة في الإدارة والنشر الرقمي.
غير أن هذا التبادل لا يكتب له النجاح إذا ظل محصوراً بين النخب وحدها؛ بل لابد أن يجد الكاتب الشاب، والمعلم، وأمين المكتبة، والحرفي، والباحث المستقل مكاناً لهم فيه. فالمؤسسات الكبرى قد توقع الاتفاقيات، غير أن البشر هم وحدهم من يمنحونها المعنى والروح. وحين لا تلامس ثمار التعاون حياة الأفراد، تتحول الكلمات البراقة إلى لافتات جوفاء لا تغير شيئًا في الواقع.
ومن وجهة نظري، لا يكفي أن نعلن عن إطلاق برنامج ثقافي أو تعليمي، بل ينبغي أن نسأل أنفسنا بعد عام كامل: كم كتابًا تُرجم فعليًا؟ كم باحثًا اكتسب مهارة جديدة؟ كم شهادة شفوية حُفظت قبل أن يطويها النسيان؟ وكم شابًا وجد من يوجهه ويرشده؟ قد تبدو هذه الأرقام صغيرة في ظاهرها، لكنها بلا شك أكثر صدقًا واستدامة من الأرقام الضخمة التي نطالعها في عناوين الأخبار.
لقد علمتني التجربة والكتابة أن لكل مجتمع قصصًا فريدة لا يمكن استيرادها جاهزة. نعم، نستطيع الاستفادة من تقنيات العالم وأحدث علومه، لكن علينا أن نكتب تجاربنا بأصواتنا الخاصة، وأن نحترم تنوع اللهجات والذاكرة والمكان. فالشراكة الثقافية الناجحة لا تصنع نسخة باهتة من الآخر، بل تعمق فهمنا لأنفسنا وللآخرين على حد سواء.
لهذا أتمنى أن يصبح حديثنا عن العلاقات الدولية حديثًا عن الإنسان أولاً وقبل كل شيء. فما يبقى راسخًا من الشراكات ليس دائمًا المبنى الشاهق أو العقد المبرم، بل المعلم الذي نقل خبرته بإخلاص، والكتاب الذي عبر الحدود عابراً للقلوب، والباحث الذي وجد من يصغي إليه. تلك هي النتائج الحقيقية التي تستحق منا أن نحتفي بها طويلاً.
