ظاهرة “مدربي الحب”.. حين يصبح إرضاء المرأة مشروع الرجل الوحيد.
كتب: أبو كبرياء النعيمي
في زمنٍ أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي هي الجامعة والمسجد والسوق، برزت موضة جديدة، موضةٌ ناعمة المظهر، مسمومة الجوهر، تجتاح فيسبوك وتيك توك وانستجرام، وتتسابق فيها صفحات وقنوات تحمل عناوين براقة مثل: “كيف تملك قلبها”، “خمس رسائل تجعلها لا تنساك”، “فن الهدية الذي يجعلها تهيم بك”.
إنه خطابٌ جديد يُقدم للرجل العربي، لا كمنتجٍ ومفكرٍ وبانٍ للمستقبل، بل كمتسولٍ على أبواب العاطفة، يتعلم كيف يخفض صوته، وكيف يختار وردة، وكيف يكتب رسالة صباحية ليثبت أنه موجود.
لقد كان الرجل عبر التاريخ يُقاس بما يبني، لا بما يهدي. كان يُقاس بعقارٍ يشيد، وشركةٍ يؤسس، وكتابٍ يؤلف، وفكرةٍ يزرعها في عقول الناس، ومستقبلٍ يصنعه لنفسه ولأمته. كانت رجولته في عمله، في قدرته على الإنجاز، في صلابته أمام الحياة.
أما اليوم، فيراد له أن يُختزل في سؤالٍ واحدٍ سخيف: هل رضيت عنك؟
لقد حولت هذه البرامج الرجل من كائنٍ طموحٍ يسعى للسيادة في ميادين الاقتصاد والعلم والثقافة، إلى تابعٍ يجلس أمام هاتفه ينتظر علامة “تمت القراءة” من امرأة، ويعتبر تجاهلها هزيمةً وجودية له.
إنها ليست نصائح في الحب، بل هي عملية تدجين ممنهجة. عملية تقنع الشاب أن قمة نجاحه ليست في أن يمتلك سجلاً تجارياً أو مكتبةً عامرة، بل في أن تمتلك امرأةٌ واحدةٌ تفكيره ليل نهار.
الحقيقة أن هذه الظاهرة ليست بريئة، بل هي تجارةٌ رابحة. فهناك جيش من صناع المحتوى اكتشف أن أسهل طريقة لجمع المشاهدات هي اللعب على وتر العاطفة والحرمان لدى الشباب. يبيعون لهم الوهم في كبسولاتٍ مدتها ستون ثانية، عنوانها “كيف تجعلها لا تحب غيرك”.
والنتيجة جيلٌ من الرجال يظن أن الرومانسية المبتذلة هي الرجولة، وأن تقديم الهدايا بطريقةٍ سمجة ومتكلفة هو قمة الذكاء العاطفي، في حين أن المرأة السوية بفطرتها لا تنجذب لمتسول العاطفة، بل تنجذب للرجل الذي يملك هدفاً أكبر منها.
المرأة لا تريد رجلاً يمحور الكون حولها، بل تريد رجلاً يتمحور حول رسالةٍ عظيمة، فتكون هي جزءاً من تلك الرسالة، لا أن تكون هي الرسالة كلها. الرجل الذي يجعل المرأة مشروعه الوحيد يصبح مملاً، وعبئاً، ومثيراً للشفقة.
الخلل أننا استبدلنا ثقافة الإنجاز بثقافة الإرضاء. استبدلنا سؤال “ماذا حققت اليوم؟” بسؤال “ماذا أرسلت لها اليوم؟”.
إن الشاب الذي يقضي ساعتين يتعلم كيف يكتب رسالة غزل، لو قضاهما في تعلم لغةٍ جديدة، أو قراءة كتابٍ في الاستثمار، أو التخطيط لمشروعٍ صغير، لكان أنفع لنفسه ولوطنه ولأمته كلها، بل وبذلك سيصبح أقرب إلى قلب المرأة وسيكون ذلك أفضل له من أي نصيحةٍ على تيك توك. لأن المرأة، في نهاية المطاف، لا تبحث عن شاعرٍ يكتب لها على فيسبوك، بل عن رجلٍ يبني لها بيتاً على أرض الواقع.
إننا لا ندعو إلى الجفاء ولا إلى القسوة، فالمودة والرحمة هي أساس البيوت، لكننا ندعو إلى التوازن. أن يكون الحب ثمرةً للنجاح، لا بديلاً عنه.
عودوا إلى المزارع والعقارات والمصانع والمكتبات، عودوا إلى بناء الذات وبعدها سيأتي الحب ثمرة لا هدفا.
أنا أكتب هذا المقال، لا أكتبه كصحفي يرصد ظاهرة، بل أكتبه كرجل حزين وممتعض مما يرى.
حزين والله وأنا أرى الرجل الذي خلقه الله ليخلفه وليكون صاحب رسالة عظمى، يتحول إلى متسول ينتظر إشارة رضا من امرأة على هاتفه.
يا معشر الرجال، استيقظوا.
أتمنى من كل قلبي أن تصبحوا وتمسوا على أهداف غير النساء. فكروا في شيء آخر غير المرأة، انسوا عبادتها من عقولكم ولو قليلاً.
اجعلوا للرجل هدفاً أعظم من امرأة.اجعلوا هدفكم عقاراً تبنونه، علماً تتعلمونه، مصنعاً تؤسسونه كتابا تؤلفونه، اسماً تتركونه بعد موتكم.
