نور الشَّريف هاملت السينما المصريَّة وشهادةٌ في إنسانيَّة فنَّانٍ استثنائيٍّ

عرف الجمهور الفنَّان نور الشَّريف نجمًا متعدِّدًا في أدواره ومتقنًا لتنويعات الشَّخصيّات التي جسَّدها، غير أنَّ أبعاده الإنسانيَّة وتواضعه في الحكي والتَّعامل مع رجل الشَّارع ظلَّت من أصدق الجوانب وأقلِّها تداولًا خارج دائرة المقرَّبين منه. تعود معرفتي به إلى عام تسعةٍ وثمانين وتسعمئةٍ وألفٍ حين التقيته صدفةً أمام مبنى الأهرام القديم، وكنت حينها محرِّرًا ثقافيًّا مبتدئًا في إجازةٍ قصيرةٍ، مشدوهًا برؤيته وجهًا لوجهٍ. توقَّفت سيَّارته الفولفو نبيذيَّة اللَّون بعدما أسرعت نحوه بشغفٍ وكان يحمل نسخةً من رواية قلب اللَّيل لنجيب محفوظ، فقدَّمت له نفسي وطلبت بجرأةٍ حوارًا صحفيًّا عسى أن يكون سببًا في تثبيتي بالجريدة الحزبيَّة التي كنت أعمل بها. اعتذر الرَّجل في البداية لانشغاله بالتَّحضير لمغامرةٍ إنتاجيَّةٍ جديدةٍ مع السيناريست محسن زايد لتحويل تلك الرِّواية إلى شاشة السينما لما تنطوي عليه من عمقٍ فلسفيٍّ وبصريٍّ، لكنَّه أمام حزني أشار بيده نحو مكتبه في عمارة النَّهضة برأس شارع رمسيس واعدًا بفرصةٍ أخرى للقاء.

باغتني بعد أسبوعٍ في مكتبه بمقترحٍ عمليٍّ حين لمس حماسي وطموحي في السينما والأدب، فعرض عليَّ خوض تجربة المسرح ووصلني بالمخرج منير راضي الذي قدَّمني بدوره إلى المخرج سيِّد راضي. وبمجرَّد مكالمةٍ هاتفيَّةٍ من نور رحَّب بي سيِّد راضي وعملت مساعدَ مخرجٍ في مسرحيَّة دلع الهوانم من بطولة الفنَّانة بوسي، وكان نور يتردَّد يوميًّا لمتابعة التَّدريبات والتقاط الصُّوَر، وفي يوم الافتتاح تذكَّرني وخاطبني بمودَّته المعهودة ثمَّ أخبرني بأنَّ بوسي رشَّحتني للسَّفر معهم لعرض المسرحيَّة في بيروت. ولم يكتفِ بالتقاط عدَّةِ صُوَرٍ لي، بل أصرَّ عقب انتهاء العرض على تصوير جميع المشاركين حتَّى عمَّال المسرح مقدِّمًا إيَّاهم في مقدِّمة الكادر.

توالت اللِّقاءات بعد ذلك، ومنها سهرةٌ في حديقة الفنَّان حسن كامي بمنطقة المريوطيَّة، حيث وافق نورٌ على تسجيل حوارٍ صحفيٍّ مع زميلةٍ شابَّةٍ قادمةٍ من صعيد مصر كانت تسعى وراءه منذ شهورٍ لضمان تعيينها في مجلَّة الإذاعة والتلفزيون، ومازحنا بحنوٍّ قائلًا إنَّنا نستغلُّ معرفتنا به من أجل التَّعيين، وسجَّل معها الحوار بالفعل وتعيَّنت بعد شهرٍ. وفي تلك اللَّيلة تحدَّثنا عن فيلم حدوتة مصريَّة ليوسف شاهين، وغنَّيت له كلمات عبد الرَّحيم منصور في الأغنية الشَّهيرة، فبكى ومعه الفنَّان ضياء الميرغني، فيما راقبت بوسي تأثُّره وهو يبتعد مشعلًا سيجارةً في ركنٍ هادئٍ. امتدَّت الجلسة حتَّى الفجر حيث نصح ضياءً بضرورة تنويع أدواره حتَّى لا يحترق فنِّيًّا، ولدى انصرافنا قرب السَّادسة صباحًا لمح سيِّدةً مسنَّةً تجرُّ عربة خضارٍ على طريق ترعة المريوطيَّة، فنزل إليها ليربِّت على كتفها بحنوٍّ وأعطاها مبلغًا من جيبه وآخر من سيَّارته، ثمَّ دفع عربتها بيديه في مشهدٍ إنسانيٍّ بالغ التَّأثير.

تجدَّد لقائي به في حوارٍ مطوَّلٍ تحدَّث خلاله عن محطَّاتٍ بارزةٍ، مستعيدًا ذكريات عودته من بيروت عبر ميناء بورسعيد عام ثمانيةٍ وسبعين وتسعمئةٍ وألفٍ في ذروة القطيعة العربيَّة بعد كامب ديفيد، متأمِّلًا مواقف تلك المرحلة بمشاعر مختلطةٍ. وكان نورٌ قارئًا نَهِمًا للصُّحُف في الصَّباح الباكر ومتابعًا دقيقًا للشَّأن العامّ، ومدافعًا عن استقلال رؤية المبدع حين واجه تساؤلاتٍ حول تجسيده شخصيَّة إسماعيل الشَّيخ في فيلم الكرنك، إذ رأى أنَّ موقف الفنَّان الحقيقيّ ينحاز للحقِّ والخير والجمال والعدالة قبل أيِّ تصنيفٍ سياسيٍّ ضيِّقٍ. ورغم حزنه لاحقًا من ضعف الإقبال الجماهيريّ على فيلم قلب اللَّيل، تقبَّل رأي عاطف الطَّيِّب ومحسن زايد بروحٍ متفائلةٍ معتزًّا بتجسيد شخصيَّة جعفر الرَّاوي الفلسفيَّة.

تحدَّى نور الشَّريف المألوف مجدَّدًا بإنتاج وبطولة فيلم ناجي العلي بالتَّعاون مع المنتج وليد الحسيني، وهو العمل الذي فجَّر عاصفةً من الهجوم الصَّحفيّ قادها إبراهيم سعدة رئيس تحرير جريدة الأخبار آنذاك، حتَّى وصل الأمر إلى محاولة تضييقٍ غير رسميَّةٍ على ظهوره في التلفزيون المصريّ. غير أنَّ الأوساط الثَّقافيَّة والفنِّيَّة في مصر تضامنت معه في نقابة الصَّحفيِّين عبر لقاءاتٍ حاشدةٍ شاركت فيها مختلف الأطياف الفكريَّة حتَّى انجلت الأزمة وعاد إلى الشَّاشة مدعومًا باحترام جمهوره ومحبِّيه.

امتدَّ دعمه للمواهب إلى مواقف لا تُنسى، ففي عام ألفين واثنين ورغم عتابه على السيناريست الشَّابّ خالد البنَّا الذي أبلغه برغبته في ترك إدارة شركة إنتاجه بعد الانتهاء من كتابة سيناريو فيلم جزيرة الشَّيطان، احتوى الموقف وطلب نُسَخًا من النَّصّ ورشَّحه بنفسه للنَّجم عادل إمام الذي أُعجب بالعمل وقدَّمه للسينما، موجِّهًا رسالةً للبنَّا بأنَّ نجاح أيِّ موهبةٍ جديدةٍ هو إضافةٌ تُثري السينما كلَّها. وتجلَّت فروسيَّته الفنِّيَّة في العرض الخاصّ لفيلم الكيت كات بسينما كريم، حيث جلس خلفي مباشرةً ومحمود عبد العزيز أمامي، فبكى نورٌ في مشهد وفاة بائع الفول، وفور إضاءة الأنوار اندفع نحو محمود واحتضنه بحرارةٍ وبكيا سويًّا أمام الجمهور وهو يشيد بأدائه الاستثنائيّ لشخصيَّة الشَّيخ حسني ويعبِّر عن إعجابه الصَّادق غير المشوب بأيِّ غيرةٍ برغبته القديمة في تقديم ذلك الدَّور.
رحل نور الشَّريف، محمد جابر عبد الله، بعد مسيرةٍ قاربت تسعةً وستِّين عامًا، مثَّل خلالها مختلف طبقات المجتمع المصريّ وشرائحه الشَّعبيَّة والمتوسِّطة، وظلَّ في الذاكرة الفنِّيَّة نموذجًا للمبدع الجريء الذي خرج عن القوالب الجاهزة وكرَّس فنَّه لخدمة الإنسان وقضاياه العادلة.
