التجربة الجمالية في شعر’أبو كبرياء النعيمي’ قراءة في ديوان بوح وتناهيد
خديجة مسروق/كاتبة وناقدة من الجزائر
يقول الأديب خليل خوري’ الشّعرشعور لا كلام،والشّاعر صاحب هذا الشّعور،يشعر بما لا يشعر به غيره’و الشّاعر الحقيقي هو الذّي يمارس كتابة الشّعر بالفطرة,فالشّاعريولد شاعرا.الشّاعر أبو كبرياء النعيمي مفطور على النّظم،ذو تجربة شعرية رائدة تستحقّ الإشادة والاهتمام.في مجموعته الشّعرية الموسومة بـ بوح وتناهيد يحاكي فيها الشّعر الكلاسيكي والقصيدة العمودية ذات الشّطرين التّي تخضع للقواعد الخليلية.بلغة شفيفة تقوم على المباشرة والوضوح يعبر عن ذاته وعالمه المشحون بالحب والشّجن والفقد والغياب والموت.افتتح مجموعته الشّعرية بإهداء ثم مقدمة كتبها الشّاعرعصام أبو شعلان الهواري يشيد فيها يتجربة النعيمي الشّعرية.
بداية نقف عند العنوان كعتبة نصية مهمّة للولوج إلى المتن. العنوان مشكّل من كلمتين ،بوح وتناهيد والبوح في اللغة والاصطلاح هو الكشف وإظهار ماهو مكتوم من مشاعر.والتّناهيد جمع تنهيدة ،وهي صوت شجن يصدره المتألم من عمق روحه.والشاعر النعيمي في بوح وتناهيد يكشف عن مشاعره العميقة.يعزف على وتر الكلمات فتنتحر بين أنامله تأثرا بسمفونية الألم التّي تحكي تجربة إنسانية تتعلق بالذّات الشّاعرة التي لا تقتصر على ذاتها بل تعبّر عن الآخرباعتباره جزء منها،هذا الآخرلذّي يحضربشكل طاغ ومتعدّد في قصائد النعيمي. قصيدة أَأُمّاه تفيض بمشاعر الحزن والوجع والغياب يبكي الشّاعر بحرقة موت أمّه ،وقد بلغ شوقه لها مداه فأصبح ينتظر الموت ليلتقيها .يقول :أنام على شوق اللّقاء لعلّني/أراك بروحي حين أغفوبنوميا.ويبقى طموحي في حياتي كلّها/وآمال عمري أن تحين وفاتيا.فالشاعر لم يستوعب رحيل أمّه الأخير.وأوجع من هذا صديق يحبّني/أراه جاء فيك معزيا.فكيف حبيب جاء يسعى بدمعه/ويطلب منّي نسيان روحيا.فهذه الأبيات تصف كيف كان وقْع عبارات التعزية من أحبته وأًصدقائه على نفسه كشظايا جمر تحرق قلبه وتقضي على آخر شريان يصله من أمّه كان يمدّه بالحياة.وفي هذه المرثية نفسها يحضرالغرض الغزلي ويتجلى ذلك في معجم العاطفة الذي يوظفه الشّاعرتوظيفا دلاليا بارعا، أأُمّاه ياناري وجمر صبابتي/وحرّاشتياقي في الغرام وعشقيا.نرى هنا كأنّ المخاطَب يقصد به محبوبته المتيّم بعشقها،فقد اختار عبارات الغزل ليرتقي بمشاعره إلى أسمى درجات الانسانية فتتحول الأم إلى حبيبة يتمنى أن يعيش بقربها في حياته وبعد الموت.يركّز النعيمي في قصائده على التّكرارالذّي يؤكّد على المعنى ويمنح نصوصه شعرية مغرية تلامس وجدان القارئ.نقف عند قصيدة سلواي في حبّه لمحبوبته يقول فيها: ماخشيت عيون النّاس ترقبني/أوخفت من قصة تحكي أمانينا.لأنّ حبّك مابين الورى شرف/فمرحبا بعذول في تلاقينا. نلحظ أنّ الشّاعريصرّح بحبّه الطّاهر ولا يخشى أحدا في ذلك، فيقول:ماعاد جيش ولاسيف ولاوتر/ولاركاب ولاسرج لإفرامي.ياقاضي الحبّ إنّ القلب محكمتي/فمعبد القلب فيه قدسي وأقداسي.شريعة العشق آيات لنا كتبت/ فيها العطاء بحبّ شرعة الناس.في هذه الأبيات من قصيدة ياقاضي الحبّ يحتكم الشّاعر إلى سلطان قلبه الذّي يقدس الحبّ ويرى أنّ شريعة العشق آيات تتلى في محراب القلب فتلامس أوتاره بكل رقة وصدق.ويصل به الأمرإلى درجة الاستسلام لمشاعره فيقول:سلمت في العشق درعي بعد أسلحتي / وكسرت في صخور الصّد أقواسي.في الشّطر الأخير نقرأ مشاعره التّي لا تستجيب لها محبوبته رغم كل الحبّ، فترسم عليها صور الألم والانكسار.الشّاعر بطبعه مرهف الاحساس إذا قوبلت مشاعره بالصد والجفاءيتألم ويحزن وينعكس ذلك على قصائده .في قصيدة طعنة القلب يعترف الشّاعر بهزيمته في معركة الحب،واصفا حزنه ووجعه في مشاهد شعرية بليغة،ياطعنة القلب من ظلمي وتكذيبي/وذبحتي غفلة من مخالب الذّيب.ياقبضة الرّوح مات القلب من كمد/والنّبض في الصّدرمن أقوى الأعاجيب.ورغم قساوة محبوبته وجفائها إلا أنّه يظل متشبّثا بها.حيث يقول:وبلّغوه بأنّ الرّوح مسكنه/وأنّه لم يزل في القلب محبوبي.فهو يفضل أن يعيش في خدعة الحب ،يفكرفي محبوبته ويحلم بلقائها ،ودعني أعيش العمر في خدعة الهوى/وفي عالم الأحلام أحيا بوهيميا.
شعر أبو كبرياء النعيمي هو شعر للبوح الانساني يبدو فيه كلاسيكيا محافظا على نظام القصيدة ذات الشّطرين،في زمن تغيرت فيه الذّائقة الشعرية لصالح الشّعر الحداثي الذّي يدعوإلى التحررمن القيود الخليلية.النعيمي من خلال مجموعته الشّعرية بوح وتناهيد يريد إعلاء صوت القصيدة الكلاسيكية والاحتفاء بها،وهي تجربة شعرية تسجل حضورا لافتا للشّاعر،ثرية باللغة المعجمية والمجازية والصّور البيانية والاستعارات،بتوظيف تيمات تلائم موضوعات قصائده، كالحب والحزن والفقد والأمل.تقوم هذه القصائد على وحدة الايقاع .أمّا الظاهرة الصوتية فهي تجمع بين تكرارأصوات معينة منها المهموسة كالحاء والسين والثاء ومنها المجهورة كالعين والغين والميم والقاف.وكلها حروف تؤدّي وظيفة صوتية تشدّ انتباه السّامع وتجعله بتفاعل مع نبراتها في ارتفاعها وانخفاضها.إنّ المتأمّل في البناء الهندسي لقصائد النعيمي يجدها ذات طابع غنائي درامي، اعتمد فيها على الانسياب العاطفي المتدفّق الذّي أثرى تجربته الشّعرية ومنحها شرعية جمالية، تؤكّد حضور شاعريجعل من قصائده لغة للحب والبوح،يجمع بين جودة الألفاظ وجمال اللّغة في تخيره للصّور والأوصاف لكل مشهد شعري .
