02 أكتوبر 2026 ترجمات

عنوان المقال الأصلي: Escape the Echo Chamber (لماذا يُعدّ الهروب من غرف الصدى فخًّا؟)

الكاتب: سي ثي نغوين

(C. Thi Nguyen) المصدر: مجلّة إيون (Aeon)

لينك المقال الأصلي: https://aeon.co/essays/why-its-as-hard-to-escape-an-echo-chamber-as-it-is-to-flee-a-cult

 

فلنبدأ بالفقاعات المعرفيّة، فقد تصدّرت هذه الظاهرة واجهة الاهتمام مؤخّرًا، ولا سيّما في كتاب إيلي باريزر «فقاعة الفلترة» الصادر عام 2011، وكتاب كاس سنستين «جمهوريّة الهاشتاغ: الديمقراطيّة المنقسمة في عصر وسائل التواصل الاجتماعيّ» الصادر عام 2017. وجوهر الفكرة العامّ يكمن في أنّنا نتلقّى شطرًا كبيرًا من أخبارنا عبر تغذيات فيسبوك وما يماثلها من شبكات التواصل؛ وتتألّف تلك التغذيات في معظمها من أصدقائنا وزملائنا الذين يشاطرنا أغلبهم رؤانا السياسيّة والثقافيّة، كما نتردّد بدورنا على مدوّناتنا ومواقعنا المفضّلة التي توافق هوانا الفكريّ. وفي الوقت نفسه، تعمل خوارزميّات متعدّدة خلف الكواليس، كتلك القابعة في محرّك بحث جوجل، على إضفاء طابع شخصيّ غير مرئيّ على عمليّات بحثنا، ممّا يجعلنا عرضةً لرؤية ما نرغب في رؤيته فحسب، وتفرض هذه العمليّات برمّتها مرشّحات تحجب تدفّق المعلومات وتفرزه.

وليست هذه المرشّحات شرًّا بالضرورة، إذ يفيض العالم بكمّ هائل من المعلومات يتعذّر على المرء فرزه بمفرده، ممّا يجعل الاستعانة بمصادر خارجيّة للتنقية أمرًا لا مفرّ منه. ولهذا نعتمد جميعًا على شبكات اجتماعيّة ممتدّة تمدّنا بالمعرفة، بيد أنّ أيّ شبكة معلوماتيّة من هذا القبيل تقتضي قدرًا ملائمًا من الاتّساع والتنوّع كي تؤدّي دورها؛ فلو أنّ شبكة اجتماعيّة تألّفت حصرًا من عشّاق أوبرا أذكياء وشديدي الهوس بها، فإنّها ستمدّني بكلّ معلومة أبتغيها عن مشهد الأوبرا، لكنّها ستعجز حتمًا عن تنبيهي إلى أنّ بلادي، على سبيل المثال، باتت تجتاحها موجة متصاعدة من النازيّين الجدد. قد يكون كلّ فرد في شبكتي مصدرًا موثوقًا على نحو فائق في مجاله المعرفيّ الخاصّ، غير أنّ الشبكة بوصفها بنية كلّيّة تفتقر إلى ما يدعوه سانفورد غولدبيرغ في كتابه «الاعتماد على الآخرين» الصادر عام 2010 بـ «موثوقيّة التغطية»، فهي لا تقدّم لي تغطية واسعة وممثّلة بالقدر الكافي لجميع المعلومات ذات الصلة.

كما تهدّدنا الفقاعات المعرفيّة بخطر ثانٍ يتمثّل في الثقة المفرطة بالذات؛ فداخل الفقاعة، نصادف مقادير مبالغًا فيها من الإجماع والموافقة، بينما تنحسر مستويات الخلاف وتُكبت. وتكمن قابليّتنا للتأثّر في أنّ لدينا في واقع الأمر أسبابًا وجيهةً تدفعنا للاهتمام بما إذا كان الآخرون يوافقوننا الرأي أو يخالفوننا، إذ يعدّ التماس التأييد من الآخرين وسيلة بديهيّة للتحقّق ممّا إذا كان استدلالنا صائبًا أم فاسدًا، ولهذا السبب ننجز فروضنا المنزليّة في مجموعات دراسيّة، ولهذا تعيد المعامل والمختبرات المختلفة إجراء التجارب ذاتها. غير أنّ أشكال التأييد لا تحمل كلّها المعنى نفسه؛ إذ يقول لودفيغ فيتغنشتاين: تخيّل أنّك تتصفّح حزمة من نسخ متطابقة لصحيفة واحدة، وتتعامل مع عنوان كلّ نسخة تالية بوصفه سببًا إضافيًّا لزيادة يقينك، ولا شكّ أنّ هذا خطأ بيّن، فنشر صحيفة نيويورك تايمز لخبر ما يعدّ سببًا لتصديقه، لكنّ مصادفة نسخ إضافيّة من الصحيفة عينها لا ينبغي أن تمنحك أيّ دليل إضافيّ.

غير أنّ النسخ المتطابقة ليست المشكلة الوحيدة هنا؛ فلنفترض أنّني مقتنع بأنّ حمية العصر الحجريّ (الباليو) هي أفضل نظام غذائيّ عرفه التاريخ، فأنشأت مجموعة على فيسبوك سمّيتها «حقائق صحّيّة مذهلة!» وملأتها حصرًا بأشخاص يعتقدون مسبقًا أنّ هذه الحمية هي المثلى، إنّ إجماع كلّ أعضاء تلك المجموعة معي لا ينبغي أن يرفع منسوب يقيني ولو بمقدار ذرّة. فهم ليسوا مجرّد نسخ مكرّرة، بل ربّما توصّلوا إلى قناعاتهم باستقلاليّة تامّة، لكنّ اتّفاقهم يمكن تفسيره بالكامل عبر طريقة انتقائي لهم. إنّ إجماع المجموعة ليس سوى صدى لمعيار اختياري، ويسهل علينا أن ننسى كيف فُحص الأعضاء واختيروا بعناية مسبقة، وكيف يجري تهذيب الدوائر المعرفيّة وصقلها على منصّات التواصل لتوافق نمطًا محدّدًا سلفًا.

ولحسن الحظّ، فإنّ الفقاعات المعرفيّة يسهل تقويضها وتفتيتها، إذ نستطيع تفجير فقاعة معرفيّة بمجرّد تعريض أعضائها لتلك المعلومات والحجج التي غابت عنهم. أمّا غرف الصدى، فظاهرة أشدّ فتكًا وأعتى مقاومةً بكثير.

يعدّ كتاب جاميسون وكابيلا أوّل دراسة تجريبيّة تبحث في كيفيّة عمل غرف الصدى؛ ويبيّن تحليلهما أنّ غرف الصدى تعمل عبر عزل أتباعها عزلًا منهجيًّا عن المصادر المعرفيّة الخارجيّة كافّة. ويرتكز بحثهما على حالة راش ليمبو، وهو مذيع محافظ حقّق نجاحًا كاسحًا في الولايات المتّحدة، إلى جانب شبكة فوكس نيوز ووسائل الإعلام المرتبطة بها. يستخدم ليمبو أساليب تهدف عمدًا إلى تحويل بوصلة الثقة لدى مستمعيه، فما هجماته المتواصلة على «الإعلام السائد» إلا مساعٍ لإسقاط مصداقيّة جميع ينابيع المعرفة الأخرى، إذ يعمل بطريقة منهجيّة على تقويض نزاهة أيّ شخص يتبنّى رأيًا مغايرًا من أيّ نوع. والناس في الخارج، في هذا التصوّر، ليسوا مجرّد مخطئين، بل هم أشرار ومخادعون ويسعون جاهدين لتدمير ليمبو وأتباعه. والرؤية الناتجة عن هذا كلّه تصوّر العالم في صورة صراع قوى متناحرة، حرب صفريّة شاملة بين الخير والشرّ، فكلّ من لا ينتمي إلى زمرة أتباع ليمبو يقف حتمًا في خندق الباطل، وبالتبعيّة لا يستحقّ ذرّة من ثقة.

هم يقرؤون مصادر الأخبار الليبراليّة والسائدة لكنّهم لا يسلّمون بها، ويسمعون الأصوات الخارجيّة لكنّهم يتجاهلونها.

وتكشف هذه النتيجة عن تماثل مذهل مع تقنيّات العزل العاطفيّ المعتادة في عمليّات التلقين العقائديّ داخل الجماعات المغلقة؛ إذ يؤكّد متخصّصو الصحّة النفسيّة في معالجة ضحايا تلك الجماعات، ومنهم مارغريت سينغر ومايكل لانغوني وروبرت ليفتون، أنّ التلقين يقتضي دفع المنتسبين الجدد إلى إسقاط الثقة عن أيّ إنسان خارج جماعتهم، ممّا يشكّل جدار صدّ اجتماعيًّا يحبط أيّ محاولة لانتشال الشخص وتخليصه من قبضة الجماعة.

ولا تحتاج غرفة الصدى إلى ضعف في الاتّصال أو حجب تقنيّ كي تعمل، إذ يتمتّع أتباع ليمبو بوصول كامل إلى مصادر المعلومات الخارجيّة، وتكشف بيانات جاميسون وكابيلا أنّ أتباعه يطالعون بانتظام مصادر الأخبار السائدة والليبراليّة، لكنّهم لا يقبلون ما فيها. إنّهم معزولون لا بفعل التعرّض الانتقائيّ، بل نتيجة تحوّلات طالت هويّة من يرتضونهم مراجع وخبراء ومصادر موثوقة؛ فهم يسمعون الأصوات الخارجيّة لكنّهم ينبذونها، ورؤيتهم للعالم قادرة على الصمود أمام التعرّض لتلك الأصوات لأنّ منظومتهم العقائديّة حصّنتهم مسبقًا لمواجهة مثل هذا الاجتياح الفكريّ.

بل إنّ التعرّض للآراء المخالفة قد يرسّخ قناعاتهم في واقع الأمر؛ فقد يطرح ليمبو على أتباعه نظريّة مؤامرة مفادها أنّ كلّ من يوجّه إليه نقدًا إنّما ينفّذ أوامر عصبة سرّيّة من النخب الشرّيرة التي بسطت سيطرتها بالفعل على الإعلام السائد. وهكذا يصبح أتباعه محصّنين ضدّ التعرّض المجرّد للأدلّة المخالفة؛ فكلّما كشفت وسائل الإعلام السائدة عن عدم دقّة ليمبو، جاء ذلك في نظرهم تأكيدًا إضافيًّا لصدق نبوءاته. وعلى نحو مقلوب ومفارق، يمكن للتعرّض إلى المخالفين في الرأي أن يزيد من ثقة أعضاء غرفة الصدى في مصادرهم الداخليّة، ومن ثمّ يعمّق تمسّكهم برؤيتهم للعالم. ويطلق الفيلسوف إندري بيغبي على هذا الأثر مصطلح «الاستباق الدليليّ»، وما يحدث هنا شبيه برياضة الجودو الفكريّة، حيث يُستغلّ زخم الأصوات المعارضة وحيويّتها ليُنقلبا ضدّ تلك الأصوات نفسها، عبر بنية اعتقاديّة داخليّة محكمة الصياغة والتفخيخ.

قد يغري هذا التحليل بعضهم بالظنّ أنّ المخرج يكمن في مزيد من الاستقلاليّة الفكريّة؛ فما دامت غرف الصدى تنشأ نتيجة إفراطنا في الثقة بالآخرين، فإنّ الحلّ هو أن نشرع في التفكير بأنفسنا. غير أنّ ذلك النمط من الاستقلاليّة الفكريّة الجذريّة ليس سوى وهم بعيد المنال؛ فإن كانت دراسة المعرفة في الفلسفة قد علّمتنا شيئًا طوال نصف القرن المنصرم، فهو أنّنا معتمدون على بعضنا بعضًا بصورة لا فكاك منها في كلّ ميدان معرفيّ تقريبًا. ويكفي أن نتأمّل حجم اعتمادنا على الآخرين في تفاصيل حياتنا اليوميّة؛ فقيادة السيّارة مرهونة بالثقة في عمل المهندسين والميكانيكيّين، وتناول الدواء يستند إلى الثقة في قرارات الأطبّاء والصيادلة وعلماء الأحياء، وحتّى الخبراء أنفسهم يعتمدون على شبكات هائلة من خبراء آخرين. فعالم المناخ الذي يحلّل عيّنات الجليد يعتمد على فنّي المختبر الذي يشغّل جهاز استخلاص الهواء، وعلى المهندسين الذين صنعوا تلك الأجهزة، وعلى الإحصائيّين الذين وضعوا المنهجيّة المؤسّسة لذلك البحث، وهكذا دواليك.

وكما يجادل إيليا ميلغرام في كتابه «الإظلام الكبير» الصادر عام 2015، فإنّ المعرفة المعاصرة قائمة على الثقة بسلاسل ممتدّة من الخبراء، وليس في وسع فرد بمفرده أن يقف على موثوقيّة كلّ حلقة في تلك السلسلة. اسأل نفسك: هل يسعك التمييز بين عالم إحصاء بارع وآخر عاجز؟ أو التمييز بين عالم أحياء كفء وآخر رديء؟ وهل تستطيع الحكم على جدارة مهندس نوويّ، أو اختصاصيّ أشعّة، أو خبير في الاقتصاد الكلّيّ؟ قد يفلح أيّ قارئ بطبيعة الحال في الإجابة إيجابًا عن سؤال أو اثنين، لكن لا أحد يستطيع تقييم هذه السلسلة الطويلة كلّها بمفرده. وبدلًا من ذلك، نظلّ مرتهنين لبنية اجتماعيّة بالغة التعقيد قوامها الثقة. لا مندوحة لنا إذن عن الثقة بالآخرين، غير أنّ تلك الثقة، كما تقول الفيلسوفة أنيت باير، تجعلنا معرّضين للأذى والهشاشة. وتتصرّف غرف الصدى بوصفها طفيليًّا اجتماعيًّا يقتات على تلك الهشاشة، مستغلّةً واقعنا المعرفيّ واعتمادنا الاجتماعيّ المتبادل.

تركّزت جلّ الأمثلة التي سقتها حتّى الآن، اقتداءً بجاميسون وكابيلا، على غرفة صدى الإعلام المحافظ، بيد أنّه ما من دليل يحصر غرف الصدى في هذا الجانب وحده؛ إذ يغلب على يقيني أنّ ثمّة غرف صدى وفيرة لدى اليسار السياسيّ أيضًا. والأهمّ من ذلك أنّ غرف الصدى لا تحصر نفسها في حلبة السياسة بتاتًا؛ فعالم مناهضة اللقاحات يمثّل بوضوح غرفة صدى تخترق الاصطفافات السياسيّة، وقد عاينت بنفسي غرف صدى في موضوعات متنوّعة تشمل الأنظمة الغذائيّة (مثل حمية الباليو!)، وأساليب التدريب الرياضيّ (مثل الكروس فت!)، وقضايا الرضاعة الطبيعيّة، وبعض التقاليد الفكريّة الأكاديميّة، وغيرها الكثير. وثمّة اختبار أساسيّ هنا: هل تعمل المنظومة الفكريّة لمجتمع ما على تقويض مصداقيّة أيّ طرف خارجيّ لا يسلّم بعقائدها الجوهريّة؟ إن كان الأمر كذلك، فالأرجح أنّنا حيال غرفة صدى.

ومن المؤسف أنّ كثيرًا من التحليلات المعاصرة قد خلطت بين الفقاعات المعرفيّة وغرف الصدى وصهرتهما في ظاهرة واحدة، في حين يظلّ التمييز بينهما ضرورة بالغة الأهمّيّة؛ فالفقاعات المعرفيّة هشّة البنيان متداعية، تنشأ سريعًا وتنهار بسهولة، أمّا غرف الصدى فظاهرة أشدّ خبثًا وأكثر رسوخًا، حتّى لتبدو كأنّها كائنات حيّة بذاتها، إذ تمنحها منظوماتها الاعتقاديّة تماسكًا بنيويًّا ومرونة وقدرة على الردّ الفاعل ضدّ الهجمات الخارجيّة. ولا شكّ أنّ أيّ جماعة قد تجمع بين الأمرين معًا، غير أنّ الظاهرتين قد توجدان مستقلّتين أيضًا، والواقع أنّ ما يثير قلقنا ومخاوفنا الأكبر ينبع من ارتدادات غرف الصدى التي تقف وراء معظم المعضلات.

وبات تحليل جاميسون وكابيلا طيّ النسيان في أيّامنا هذه، بعدما اختُطف المصطلح ليغدو مجرّد مرادف آخر لفقاعات الفلترة؛ وينصبّ تركيز كثير من أبرز المفكّرين على تأثيرات الفقاعات وحدها، فتراهم، كما يفعل سنستين في طروحاته البارزة، يفسّرون الاستقطاب السياسيّ والتطرّف الدينيّ حصرًا من زاوية ضعف التعرّض وسوء الاتّصال. وتأتي توصيته في كتابه «جمهوريّة الهاشتاغ» بالدعوة إلى إنشاء مزيد من المنتديات العامّة للحوار لنتصادم فيها مع الآراء المخالفة بصورة متكرّرة، غير أنّ هذا المسعى سيغدو عديم الجدوى في أحسن أحواله إن كنّا نواجه في الأصل غرفة صدى، بل قد يسهم في إحكام قبضتها.

كما ظهرت مؤخّرًا موجة مقالات تزعم أنّه لا وجود أصلًا لغرف الصدى أو فقاعات الفلترة، لكنّ هذه المقالات تدمج الظاهرتين أيضًا بطريقة إشكاليّة، وتتجاهل إلى حدّ كبير احتماليّة وجود تأثيرات غرف الصدى؛ إذ تكتفي بقياس الاتّصال ونسب التعرّض عبر شبكات التواصل، وتظهر البيانات الجديدة بالفعل أنّ روّاد فيسبوك يطّلعون على منشورات المعسكر الآخر، أو أنّ الناس يزورون مواقع ذات توجّه سياسيّ معاكس. وإن صحّ هذا، فقد لا تشكّل الفقاعات المعرفيّة ذلك التهديد الجسيم، لكنّ أيًّا من هذه المعطيات لا ينفي وجود غرف الصدى، ولا ينبغي إسقاط خطر غرف الصدى استنادًا إلى أدلّة تتعلّق بمجرّد الاتّصال والتعرّض الخارجيّ فحسب.

والأمر الجوهريّ هنا أنّ غرف الصدى تقدّم تفسيرًا ناجعًا للأزمة المعلوماتيّة الراهنة يعجز مفهوم الفقاعات المعرفيّة عن تقديمه؛ إذ يدّعي كثيرون أنّنا ولجنا عصر «ما بعد الحقيقة»، فلا يقتصر الأمر على تجرّؤ بعض الساسة على الحديث باستخفاف فجّ بالحقائق، بل يتعدّاه إلى عجز البراهين عن تحريك أنصارهم قيد أنملة، حتّى بدا للبعض أنّ الحقيقة لم تعد ذات شأن.

وهذا التفسير يستند إلى افتراض لاعقلانيّة مطلقة، ولكي تسلّم به، يتعيّن عليك الاعتقاد بأنّ جموعًا غفيرة من البشر قد فقدت اهتمامها بالأدلّة والاستقصاء، وتنكبّت سبل العقل. غير أنّ ظاهرة غرف الصدى تمنحنا تفسيرًا أقلّ قسوة وأكثر تواضعًا بكثير؛ إذ يمكن فهم موقف «ما بعد الحقيقة» الظاهريّ باعتباره ثمرة للتلاعب بمنظومة الثقة الذي تحدثه غرف الصدى. فنحن لسنا بحاجة إلى نسبة الزهد الكامل في الحقائق والأدلّة والمنطق إلى هؤلاء الأفراد، بل يكفي أن نعزو إلى جماعات بعينها خريطة متباينة جذريًّا من المرجعيّات الموثوقة.

أعضاء غرفة الصدى ليسوا فاقدين للعقل، بل جرى تضليلهم بشأن الموضع الذي يودعون فيه ثقتهم.

استمع إلى الكيفيّة التي يرفض بها الناس الحقائق الجليّة، وستجد أنّها لا تبدو لاعقلانيّة فجّة؛ إذ يشير طرف إلى معلومة اقتصاديّة، فيردّ الطرف الآخر برفض تلك المعلومة عن طريق نسف مصدرها، متّهمًا تلك الصحيفة بالانحياز، أو زاعمًا أنّ النخب الأكاديميّة التي أنتجت البيانات فاسدة. إنّ غرفة الصدى لا تميت رغبة أعضائها في الحقيقة، وإنّما تتلاعب بمن يثقون به وتغيّر هويّة المؤسّسات والمصادر التي يقبلونها مراجع صادقة.

وفي وجوه عدّة، يتّبع أعضاء غرف الصدى مسارات بحث عقلانيّة ومنطقيّة؛ فهم ينخرطون في استدلال نقديّ، ويسائلون المصادر ويفحصونها بأنفسهم، ويقيّمون المسالك المختلفة للمعلومة، بل إنّهم يفحصون بنظرة ناقدة كلّ من يدّعي الخبرة والموثوقيّة بالاستعانة بما يعرفونه سلفًا عن العالم. الفارق الوحيد أنّ أساس التقييم لديهم، أي قناعاتهم الخلفيّة حول من يستحقّ الثقة، مختلف جذريًّا؛ فهم ليسوا خارجين عن جادّة العقل، وإنّما ضُلّلوا بطريقة منهجيّة حول الموضع الذي يضعون فيه ثقتهم.

وانتبه إلى المباينة الشاسعة بين ما يجري هنا وبين «لغة التضليل المزدوج» الأورويلية، تلك اللغة الغامضة عمدًا والمشحونة بالتعابير الملطّفة لإخفاء مقاصد المتحدّث؛ فاللغة المزدوجة لا تكترث بالوضوح أو الاتّساق أو الحقيقة، وهي بحسب جورج أورويل لغة البيروقراطيّين والساسة العاجزين ممّن يحاكون فعل الكلام دون التزام بأيّ ادّعاء جوهريّ حقيقيّ. أمّا غرف الصدى فلا تتاجر بأشباه كلام هلاميّ ملتبس، بل ينبغي لنا أن نتوقّع منها تقديم ادّعاءات قاطعة وواضحة لا لبس فيها حول من يُؤتمن ومن يُخوَّن. وهذا تحديدًا ما رصده جاميسون وكابيلا داخل غرف الصدى: نظريّات مؤامرة واضحة المعالم، واتّهامات جليّة الصياغة تصوّر العالم الخارجيّ مستنقعًا للفساد والخيانة.

وحين تبسط غرفة الصدى نفوذها على شخص ما، فإنّ آليّاتها تعزّز ذاتها بذاتها؛ ففي الحياة المعرفيّة السليمة، يضع تنوّع مصادرنا حدًّا أعلى لما نحن مستعدّون لمنحه من ثقة لأيّ فرد مفرد، فالجميع عرضة للخطأ، والشبكة المعلوماتيّة الصحيّة تكشف زلاّت الناس وتشير إليها، ممّا يفرض سقفًا أعلى لمدى الثقة الممنوحة حتّى لأكثر القادة محبّةً وقربًا. أمّا داخل غرفة الصدى، فإنّ هذا السقف يتلاشى تمامًا.

والوقوع في حبائل غرفة الصدى لا ينجم دومًا عن كسل أو سوء نيّة؛ فلنتخيّل، على سبيل المثال، إنسانًا نشأ وتعلّم بالكامل داخل غرفة صدى؛ لقد لُقّن ذلك الطفل معتقدات الغرفة، وعُلّم الثقة بالقنوات التلفزيونيّة والمواقع التي تعزّز تلك المعتقدات ذاتها. ومن البديهيّ والمشروع للطفل أن يثق بمن يتولّون تربيته، وحين يحتكّ أخيرًا بالعالم الأوسع، في سنّ المراهقة مثلًا، تكون رؤية غرفة الصدى للعالم قد استقرّت في وجدانه استقرارًا متينًا. وسينتهي ذلك المراهق إلى إسقاط الثقة عن جميع المصادر الواقعة خارج غرفته، وقد بلغ تلك النتيجة عبر اتّباع المسارات الطبيعيّة للثقة والتعلّم.

ويبدو سلوك تلك الفتاة المراهقة عقلانيًّا إلى حدّ بعيد؛ إذ قد تمضي في حياتها الفكريّة بحسن نيّة تامّة، مقبلةً على التعلّم بنهم، باحثةً عن مصادر جديدة لتستقصيها وتقيّمها بالاعتماد على ما تعرفه سلفًا. إنّها لا تثق ثقة عمياء، بل تفحص جدارة المصادر الأخرى بنشاط مستندةً إلى قناعاتها الخلفيّة، والمأزق الحقيقيّ أنّها وقعت في شرك فكريّ، إذ انحرفت مساعيها الصادقة في الاستقصاء بسبب تنشئتها والبنية الاجتماعيّة التي انغمست فيها.

أمّا بالنسبة لمن لم يترعرعوا داخل غرفة صدى، فإنّ دخولهم إليها قد يستلزم رذيلة فكريّة بيّنة، كالكسل الذهنيّ أو إيثار الطمأنينة على طلب الحقيقة. ومع ذلك، فبمجرّد أن تستقرّ المنظومة الاعتقاديّة لغرفة الصدى في نفوسهم، فإنّ سلوكهم المستقبليّ قد يبدو منطقيًّا بينما يظلّون أسرى الفخّ. وقد تعمل غرف الصدى بطريقة تشبه الإدمان وفق بعض التفسيرات؛ فقد يكون الانزلاق إلى الإدمان تصرفًا أخرق، لكنّ الأمر لا يتطلّب سوى غفلة عابرة، فإذا ما وقع الإدمان، أُعيد ترتيب المشهد النفسيّ الداخليّ بالقدر الذي يجعل الاستمرار فيه يبدو منطقيًّا ومبرّرًا لدى صاحبه. وعلى المنوال ذاته، لا يتطلّب دخول غرفة الصدى سوى هفوة مؤقّتة في اليقظة الفكريّة، وبمجرّد الدخول، تعمل المنظومة الفكريّة لغرفة الصدى كفخّ محكم، بحيث لا تؤدّي أيّ ممارسة لاحقة لليقظة الذهنيّة إلا إلى ترسيخ رؤية الغرفة للعالم.

بيد أنّ ثمّة مسلكًا واحدًا محتملًا للنجاة على الأقلّ؛ إذ يعتمد منطق غرفة الصدى على الترتيب الزمنيّ لمصادفتنا الأدلّة. فبمقدور غرفة الصدى أن تدفع مراهقتنا إلى نبذ المعتقدات الخارجيّة لمجرّد أنّها صادفت مزاعم غرفة الصدى أوّلًا. وتخيّل معي نظيرةً لتلك الفتاة نشأت خارج غرفة الصدى وتعرّضت لطيف واسع من المعتقدات؛ لا شكّ أنّ هذه النظيرة المتحرّرة، حين تصادف غرفة الصدى تلك، ستدرك سريعًا عيوبها الكثيرة. وقد ينتهي الأمر بكلتا المراهقتين إلى الاطّلاع على الحجج والبراهين ذاتها، لكنّهما تصلان إلى نتائج متناقضة تمامًا بسبب الترتيب الذي وردت به تلك الأدلّة. وبما أنّ مراهقة غرفة الصدى صادفت عقائد الغرفة أوّلًا، فإنّ تلك القناعات ستوجّه الكيفيّة التي تفسّر بها جميع الأدلّة اللاحقة.

غير أنّ في هذا الطرح ما يثير الريبة والشكّ؛ فلماذا ينبغي للترتيب الزمنيّ أن يكتسب كلّ هذه الأهمّيّة؟ يجادل الفيلسوف توماس كيلي بأنّ الترتيب لا ينبغي أن يحظى بهذا الوزن، لأنّ ذلك يجعل هذا الاستقطاب الجذريّ حتميّة عقليّة لا مهرب منها. وهنا يكمن المنبع الحقيقيّ للاعقلانيّة لدى من قضوا أعمارهم داخل غرف الصدى، وهو أمر في غاية الدقّة والخفاء؛ فالواقعون في أسر الغرفة يمنحون وزنًا هائلًا للأدلّة التي صادفوها أوّلًا، لمجرّد أنّها سبقت غيرها. ومن منظور عقلانيّ، يتعيّن عليهم إعادة النظر في معتقداتهم بعيدًا عن هذا التفضيل الاعتباطيّ، ولكن كيف يتسنّى للمرء فرض مثل هذا التجرّد المعرفيّ عن سياق التلقّي التاريخيّ؟

تأمّل مجدّدًا حال تلك المراهقة الأسيرة داخل غرفة الصدى؛ فكلّ جزء من منظومتها الفكريّة مهيّأ لرفض شهادات المخالفين في الخارج، ولديها في كلّ لقاء مسوّغ يدعوها لإسقاط أيّ دليل مخالف يرد إليها. أضف إلى ذلك أنّها لو قرّرت تعليق حكمها بشأن أحد معتقداتها بعينه لإعادة النظر فيه مستقلًّا، فإنّ مجمل قناعاتها الخلفيّة سيعيد تثبيت ذلك المعتقد الإشكاليّ في مكانه. سيتعيّن على مراهقتنا إذن أن تُقدم على خطوة أشدّ راديكاليّة بكثير من مجرّد فحص معتقداتها واحدًا تلو الآخر؛ إذ يجب عليها تعليق معتقداتها كلّها دفعة واحدة، والبدء في استئناف مسار تحصيل المعرفة من نقطة الصفر، عبر معاملة المصادر كافّة على قدم المساواة في الموثوقيّة. وهذا مشروع هائل وشاقّ، وربّما يفوق ما يمكن توقّعه بإنصاف من أيّ إنسان، كما أنّه قد يبدو للمشتغلين بالفلسفة مألوفًا على نحو لافت؛ فمسلك النجاة هنا ليس إلا صيغة معدّلة من منهج رينيه ديكارت الشهير.

اقترح ديكارت أن نتخيّل وجود شيطان ماكر يخدعنا في كلّ شيء، وشرح المغزى الكامن وراء هذا المنهج في السطور الأولى من كتابه «تأمّلات في الفلسفة الأولى» الصادر عام 1641؛ إذ أدرك أنّ كثيرًا من المعتقدات التي تلقّاها في مقتبل عمره كانت باطلة. ولمّا كانت المعتقدات الأولى تفضي إلى سائر القناعات الأخرى، فإنّ أيّ زيف قَبِله في طفولته قد سرى حتمًا إلى بقيّة بنيته المعرفيّة. وخشي ديكارت أنّه إن نبذ معتقدًا واحدًا بعينه، فإنّ العدوى الكامنة في سائر معتقداته ستعيد إنتاج مزيد من الأفكار الفاسدة، ورأى أنّ الحلّ الوحيد يكمن في إلقاء معتقداته كافّة جانبًا، والبدء من جديد من نقطة الصفر.

فلم يكن الشيطان الماكر إذن سوى أداة إجرائيّة، تجربة ذهنيّة تعينه على التخلّص من معتقداته كلّها، ليستأنف مسيرته متجرّدًا من الثقة في أيّ شيء أو أيّ أحد، باستثناء ما يبلغه اليقين التامّ، مستأصلًا تلك الأباطيل المتسلّلة إلى الأبد. ولنطلق على هذا الإجراء: «إعادة الضبط المعرفيّ الديكارتيّ». ولاحظ مدى الشبه بين معضلة ديكارت ومأزق مراهقتنا البائسة، ومدى النفع الذي يحمله هذا الحلّ؛ فمراهقتنا، مثلها مثل ديكارت، تحوز معتقدات إشكاليّة اكتسبتها في طفولتها المبكّرة، وتفشّت تلك القناعات إلى الخارج ملوّثةً منظومتها الفكريّة برمّتها، وتحتاج مراهقتنا هي الأخرى إلى إلقاء كلّ شيء بعيدًا، والبدء من جديد.

نشأ منذ نعومة أظفاره ليكون زعيمًا للنازيّين الجدد، ثمّ فارق الحركة بإجراء ضبط اجتماعيّ شامل.

لقد هجر معظم الفلاسفة المعاصرين منهج ديكارت، لأنّنا في واقع الأمر لا نستطيع الانطلاق من العدم؛ إذ لا بدّ لنا من افتراض أمر ما والثقة في شخص ما للبدء. غير أنّ الجزء النافع لنا يكمن في فعل «إعادة الضبط» ذاته، حين نلقي بكلّ شيء جانبًا لنستأنف الرحلة مجدّدًا، أمّا الجزء الإشكاليّ فيقع في المرحلة اللاحقة، حين لا نقبل إلا تلك المعتقدات التي نتيقّن منها يقينًا مطلقًا مع الاعتماد الحصريّ على التفكير الفرديّ المستقلّ والمنعزل.

ولنسمِّ النسخة المعاصرة من منهج ديكارت: «إعادة الضبط الاجتماعيّ المعرفيّ». فلكي يُبطل عضو غرفة الصدى مفاعيلها، ينبغي له تعليق معتقداته كلّها بصورة مؤقّتة، ولا سيّما خريطته عمّن يثق به وما يثق فيه، والبدء من نقطة الصفر مرّة أخرى. لكن حين ينطلق من تلك النقطة، لن نطالبه بألا يثق إلا بما يتيقّن منه بالكامل، ولن نفرض عليه خوض الدرب وحيدًا؛ ففي إعادة الضبط الاجتماعيّ، يمكنه المضيّ قُدمًا، بعد نبذ كلّ شيء، بطريقة طبيعيّة وعفويّة تمامًا، فيثق بحواسه ويثق بالآخرين. بيد أنّ عليه أن يبدأ بداية جديدة على المستوى الاجتماعيّ، فيعيد النظر في جميع مصادر المعلومات الممكنة بعين تلتزم المساواة والإنصاف المسبق. عليه أن يتّخذ هيئة وليدٍ معرفيٍّ جديد، منفتحٍ وواثقٍ بالسويّة في جميع المصادر الخارجيّة. وبالمعنى الدقيق، لقد كان في هذه المحطّة من قبل؛ فنحن لا نطلب من الناس في إعادة الضبط الاجتماعيّ تغيير مناهجهم الأساسيّة في تعلّم شؤون العالم، بل يُسمح لهم بأن يثقوا، وأن يمنحوا ثقتهم بحرّيّة، على ألا تظلّ تلك الثقة بعد إعادة الضبط محصورة في نطاق ضيّق ومرتهنة بتلك الفئة المحدّدة التي تصادف أن نشأ بين كنفها.

قد تبدو إعادة الضبط الاجتماعيّ ضربًا من الخيال، غير أنّها ليست بعيدة عن الواقع، إذ يبدو أنّ مثل هذا التطهير الجذريّ والعميق لمنظومة المرء الاعتقاديّة برمّتها هو الشرط الفعليّ للفكاك. ويكفي أن نتأمّل القصص الكثيرة لمن فارقوا الجماعات المغلقة وغرف الصدى؛ خذ مثلًا تجربة ديريك بلاك في فلوريدا، الذي ربّاه والد من غلاة النازيّين الجدد، وأُعدّ منذ طفولته ليصبح زعيمًا لتلك الحركة. غادر بلاك الحركة عبر إقدامه، في جوهر الأمر، على تنفيذ إعادة ضبط اجتماعيّ؛ إذ تخلّى تمامًا عن كلّ ما كان يؤمن به، وقضى سنوات يبني منظومة فكريّة جديدة من العدم. وانغمس على نحو واسع ومنفتح في كلّ ما فاته من ثقافة شعبيّة، وأدب عربيّ، وإعلام سائد، وموسيقى الراب، مستندًا في ذلك كلّه إلى موقف عامّ قوامه الكرم المعرفيّ والثقة. لقد كان ذلك مشروعًا استغرق سنين طويلة وفعلًا جليلًا من أفعال إعادة بناء الذات، غير أنّ تلك المشاقّ الاستثنائيّة قد تكون تحديدًا ما يقتضيه محو آثار التنشئة داخل غرف الصدى.

فهل بوسعنا إذن أن نصنع شيئًا لمساعدة عضو غرفة الصدى على إعادة الضبط؟ لقد تبيّن لنا سلفًا أنّ تكتيكات الهجوم المباشر، عبر قصف العضو بوابل من «الأدلّة»، عديمة الجدوى؛ فأعضاء غرف الصدى محصّنون ضدّ هذه الهجمات، بل إنّ منظومتهم الفكريّة ستستخدم مهارات الجودو لتوظيف تلك الضربات في تعزيز رؤية الغرفة وترسيخها. وبدلًا من ذلك، يتعيّن علينا مهاجمة الجذر نفسه، أي منظومات إسقاط المصداقيّة ذاتها، واستعادة الثقة ببعض الأصوات الخارجيّة.

وغالبًا ما تدور قصص النجاة الفعليّة من غرف الصدى حول لقاءات شخصيّة فارقة، لحظات يشرع فيها الفرد الواقع في أسر الغرفة بالوثوق في شخص ما من الخارج. وحالة بلاك شاهد ناصع على ذلك؛ فمع بلوغه المرحلة الثانويّة، كان قد غدا نجمًا في إعلام النازيّين الجدد ويدير برنامجه الإذاعيّ الحواريّ الخاصّ. ثمّ انتقل إلى الجامعة مجاهرًا بنازيّته الجديدة، فقاطعه ونبذه تقريبًا كلّ طالب آخر في كليّته المجتمعيّة. غير أنّ ماثيو ستيفنسون، وهو طالب جامعيّ يهوديّ وزميل له في الدراسة، شرع في دعوة بلاك إلى مآدب عشاء عطلة السبت اليهوديّة. وفي رواية بلاك، كان ستيفنسون رقيقًا ومنفتحًا وكريمًا على الدوام، واكتسب ثقة بلاك رويدًا رويدًا، وكانت تلك هي البذرة، كما يروي بلاك، التي فجّرت ثورة فكريّة عارمة، وإدراكًا تبلور ببطء لمدى التضليل الجسيم الذي كان يحيط به. خاض بلاك تحوّلًا شخصيًّا استمرّ سنوات، وبات اليوم متحدّثًا مناهضًا للنازيّة. وعلى النحو ذاته، نادرًا ما ترتبط شهادات من تخلّصوا من ركام العداء الممنهج للمثليّين بمصادفة حقائق معلنة في تقارير مؤسّسيّة، بل تدور في العادة حول لقاءات وتجارب إنسانيّة، كمجاهرة ابن، أو فرد من العائلة، أو صديق حميم بحقيقته، وتكتسب هذه اللقاءات وزنها لأنّ الرابطة الإنسانيّة تأتي مشحونة برصيد وافر من الثقة.

ولماذا تحتلّ الثقة هذه المكانة الجوهريّة؟ تطرح باير وجهًا رئيسيًّا لذلك: الثقة كلٌّ لا يتجزّأ؛ فنحن لا نثق بالناس لمجرّد أنّهم خبراء متعلّمون في حقل ما، بل نعتمد على حسن نيّتهم وسلامة مقصدهم. ولهذا السبب تحديدًا تعدّ الثقة، لا مجرّد الموثوقيّة الأدائيّة، المفهوم المفتاح؛ فالموثوقيّة قد تقتصر على ميدان بعينه؛ فكون المرء ميكانيكيًّا موثوقًا، على سبيل المثال، لا يقدّم أيّ دلالة عمّا إذا كانت آراؤه السياسيّة أو الاقتصاديّة ذات قيمة، أمّا حسن النيّة، فسمة عامّة تطبع شخصيّة المرء؛ فإن أثبتُّ حسن طويّتي بالفعل والسلوك، غدا لديك سبب وجيه للاعتقاد بأنّني أحمل حسن النيّة ذاته في قضايا الفكر والمعرفة. ولذا، إن استطاع المرء أن يُظهر حسن النيّة لعضو غرفة الصدى، كما فعل ستيفنسون مع بلاك، فقد يفتح بذلك ثغرة لاختراق تلك الغرفة.

ويمكن لمثل هذه المداخلات القادمة من أطراف خارجيّة تحظى بالثقة أن تتكامل مع مسار إعادة الضبط الاجتماعيّ، غير أنّ الدرب الذي أرسم معالمه هنا طريق وعر وضيق وهشّ؛ إذ لا ضمانة على الإطلاق لإمكانيّة غرس مثل هذه الثقة، ولا سبيل واضحًا لتأسيسها بطريقة منهجيّة منظّمة. وحتّى مع وضع ذلك كلّه في الحسبان، فإنّ ما توصّلنا إليه هنا ليس مخرجًا بالمعنى الحقيقيّ، إذ يظلّ مرتهنًا بتدخّل طرف آخر؛ فهذا الدرب ليس مسارًا يستطيع عضو غرفة الصدى أن يسلكه بمفرده، وإنّما هو مجرّد رجاء خافت في نجاة تأتي من الخارج.

 

شارك المقال: فيسبوك تويتر