حركة الوعي
حركة الوعي تعني تتبّع انتقال الشخصية من شعور مسيطر إلى آخر، صعوداً أو هبوطاً.
العار: يرى كل شيء ويسكت ← صدمة شباط ← التخفّف من العار ← التأنيب: يقول الحقيقة ولا يرى
• صدمة شباط: التحول لم يكن قراراً منه، بل تمرّداً من جسده: «فقط هي خلايا جسدي، سحقاً لها». صدمة وجودية حرّكت الشعور المسيطر من مكانه.
• التخفّف من العار: الألوان التي يحبها، والدندنة، ونسيان تحية الجارة، ودعوة أطفاله إلى اللعب بالتراب. كل واحدة منها كسرٌ لعادة من عادات العار. واللسان السميك «أصبح الآن رقيقاً».
• التأنيب: حين سقط العار، رأى في زوجته ما كان ممنوعاً من رؤيته: «الشيبُ غزا رأسها، وبطنها مترهل». ورأى ما فعله بها: «أندمتُ؟ ربّما سيدي… أظنُّ أنني قتلتُ زوجتي»؛ قتل طائر الفينيق فيها. هنا انتقل من «أنا معيب» إلى «أنا أخطأت». لكنه لا يُعفي المجتمع من نصيبه: «هي تريدُ منّي ومن الكلِّ توقيعاً بأنَّها زوجةٌ صالحةٌ ومطيعة». وحتى تقرير المحقق يشهد على هذا التأنيب: «تعترفُ بذنوبك وبلسانك».
• محاولة إعادته إلى العار: يتهمه المجتمع بالعُري في اللحظة نفسها التي تحرّر فيها من الخجل، فيقول: «ولا دموع تغسلُ عرييّ. كادَ لساني يتورمُ من جديد.. لكنني قضمتُه». يرفض أن يعود لسانه سميكاً ولو جرح نفسه. ثم يتذكر ضحكة أطفاله، فيتكلم: «سيدي مازال لي وطن».
وعي النص كله
وعي النص ليس مجموع وعي شخصياته، بل نستخرجه من بنائه، ومن خاتمته، ومن الطريقة التي يوزّع بها العدالة.
وعي هذا النص يمدح العار، ويُدين الصعود منه.
يبدأ النص بجملة فيها شيء من الفخر: «أنا هو الأعمى الذي يرى كلَّ شيء حوله». حين كان البطل في العار كان يرى كل شيء: الحليب المغشوش، وجهاز الرنين المعطّل عمداً، وجهاز تفتيت الحصى الذي تعطّل حين احتاجته زوجته. وينتهي النص بالخسارة: «صِرتُ من فرط الضوء لا أرى شيئاً». حين صعد إلى التأنيب صار يتكلم ويقول الحقيقة، لكنه فقد بصره.
وبهذا يثبّت النص العار: يجعله مكاناً للرؤية، لا قاعاً للوعي.
أيّ إنسان يقترحه النص؟
إنسان يرى كل شيء، لكنه يعيش في العار. يرى غشّ صاحب الدكان، والأطباء الذين يعطّلون الأجهزة لمصلحتهم، ويسكت عن ذلك كله، لأنه «لا يقوى أن يقول له: يا رجل الحليب مغشوش».
وحين يصعد إلى التأنيب يدفع بصره ثمناً: يقول الحقيقة فيُعميه ضوؤها. كأن النص يضع الإنسان أمام خيارين: أن يرى ويسكت، أو أن يتكلم ويعمى. ثم يختار الأول، ويحنّ إليه.
ولا عدالة على الأرض تنقذه: شهوده مرفوضون، وشاهده الأخير يقابَل باللطم. العدالة الوحيدة كونية: آذار يستيقظ، و«الرّيح تُعيدُ ترتيبَ الضوء والعتمة فينا».
القارئ أمام النص
التحايل الوعيي أن يفسّر القارئ النص بطريقة تريحه، كي لا يواجه ما يكشفه النص عنه.
ضمير المخاطب في بداية القصة موجّه إلى القارئ أيضاً. وكثيرون سيهربون إلى القراءة السياسية وحدها، كي لا يواجهوا عارهم اليومي: المجاملة، والسكوت عن الغش، والحنان الذي نخفيه عن أبنائنا.
والقراءة السياسية ليست تحايلاً في حدّ ذاتها، فالنص يصوّر فساداً وقمعاً حقيقيين. لكنها تصبح تحايلاً حين نستخدمها لنُبعد السؤال عن أنفسنا، فنرى عار السلطة ولا نرى عارنا.
لهذا لا يكتفي المنهج بسؤال القارئ: ماذا فهمت؟ بل يسأله: ما الذي سمح لك هذا الفهم أن تراه؟ وما الذي أعفاك من رؤيته؟
خاتمة
«فوضى الأشياء» قصة عن ثمن الصدق في مجتمع يسمّي الحقيقة عُرياً، حتى حين تكون حقيقة مهذّبة لا تتجاوز حدودها. ترفع القصة العار عن بطلها فتضعه أمام ذنبه، وتمنحه قول الحقيقة فيُعميه ضوؤها، ثم يلتفت إلى الوراء حنيناً إلى زمن كان يرى فيه كل شيء.
وهكذا تتحول المتعة إلى معرفة: أن العار قد يسكننا ونحن نسمّيه وقاراً، وأن النص الذي يجعل أدنى درجات الوعي مكاناً للبصيرة، ويجعل الصعود منه عمى، يغري قارئه بالبقاء في العار. إنه يقترح إنساناً لم يجد بعدُ الطريق إلى أن يرى ويتكلم معاً.
