في القرى الجبلية القديمة لا تقف الجدران الحجرية بوصفها بقايا بناء فحسب. فهي جزء من حكاية اختيار المكان، وتوزيع المساحات، والتعامل مع الأرض والماء والرياح. قد تُظهر الصورة حجارة رُصفت فوق بعضها، لكنها لا تستطيع وحدها أن تخبرنا من جمعها، ومن استخدم المكان، وكيف تبدلت وظيفة المبنى عبر السنين. ولهذا يبدأ التوثيق من الصورة، لكنه لا ينتهي عندها.
احتفظت في أرشيفي الشخصي بصور التُقطت عام 1985 لبيئة جبلية في وادي ملحة برأس الخيمة. تظهر فيها جدران ومنشآت حجرية وأجزاء من المشهد المحيط. تعيدني الصور إلى زمن التصوير، لكنها تضعني أيضاً أمام أسئلة لم تكن تخطر للمصور بالضرورة لحظة الضغط على زر الكاميرا: ماذا كان اسم الموضع عند أهله؟ وهل كانت المنشأة مسكناً أم مرفقاً ذا وظيفة مختلفة؟ وما العناصر التي تغيرت بعد ذلك؟
تحتاج الإجابة إلى حذر. فمن الخطأ تحويل كل تجويف في الحجارة إلى أثر مؤرخ، أو كل علامة على سطح صخري إلى نقش ذي دلالة ثابتة. الصورة شاهد على ما ظهر في إطارها وقت الالتقاط، لا شهادة مكتملة عن تاريخ الموقع كله. وهي تصبح أكثر فائدة حين يُسجل معها تاريخ التصوير ومكانه ومصدرها وحقوق استخدامها، وما نعرفه وما لا نعرفه.
يُضيف الحديث مع سكان المكان بعداً لا تمنحه الصورة وحدها. قد يعرف أحدهم الاسم المحلي للطريق أو موضع الماء، أو يذكر وظيفة جدار لم تعد واضحة للزائر. لكن الرواية الشفوية تحتاج هي الأخرى إلى مقارنة وتحقيق، فذاكرة الناس قد تختلف، وقد تختلط مراحل زمنية متعددة في سرد واحد. لا ينبغي إقصاء الرواية لأنها غير مكتوبة، ولا قبولها دون فحص لأنها رواية شاهد مسن.
أفضل مقاربة أن نضع مصادر المعرفة جنباً إلى جنب: الصورة، وشهادة السكان، والخريطة، ووصف الرحالة إن وجد، وما تسمح به الدراسة الميدانية المتخصصة. قد تتفق هذه الشواهد، وقد تظهر بينها فجوات. وتلك الفجوات ليست عيباً ينبغي إخفاؤه، بل هي موضع السؤال البحثي الذي يساعد على الوصول إلى تفسير أدق.
للمباني التقليدية أيضاً قيمة معرفية تتعلق بطرق التكيف مع البيئة. اختيار موضع على مرتفع أو عند سفح، واستعمال الحجر المحلي، والاهتمام بالممرات والمصاطب كلها عناصر يمكن دراستها في سياقها. لكن لا يجوز استنتاج الغرض الهندسي من المشهد وحده من دون معرفة الموقع وطبيعة استعماله. فالتواضع في الوصف يحمي قيمة الأثر أكثر من المبالغة في تفسيره.
تواجه المواد التراثية اليوم مفارقة؛ فسهولة نشر الصورة تجعل انتشارها أسرع من توثيقها. قد تنتقل من هاتف إلى منصة، ثم تُنسخ مع وصف مقتضب أو تاريخ غير صحيح، وبعد سنوات يبدو ذلك الوصف كأنه حقيقة متوارثة. وحماية التراث الرقمي تتطلب حفظ الأصل، وإبقاء بيانات المصور، وفصل المعلومة المؤكدة عن الاستنتاج اللاحق. لا تُقاس القيمة بعدد مرات مشاركة الصورة، بل بقدرتها على أن تبقى شاهداً أميناً لمن يأتي بعدها.
ولهذا أقترح أن تتبنى المشروعات المحلية لجمع الصور القديمة سجلاً بسيطاً لكل صورة: اسم الموقع كما يعرفه صاحبها، والتاريخ المؤكد أو التقريبي، واسم المصور، والموضوع المرئي، وأي رواية مصاحبة مع اسم صاحبها وتاريخ تسجيلها. ثم تُراجع التفاصيل التي تحتاج إلى تحقق منفصل. هذه الخطوات الصغيرة تمنع ضياع معلومات قد يصبح استعادتها مستحيلاً بمرور الوقت.
ليس المقصود تحويل كل صاحب صورة إلى باحث آثار، ولا مطالبة الأسر بإتاحة أرشيفها دون ضوابط. بل الاعتراف بأن الأرشيف الشخصي قد يحمل تفاصيل لا توجد في الصور الرسمية: زوايا بناء اندثرت، أو طرق تغيرت، أو مساحات بقيت أسماؤها في ذاكرة أهلها. وإذا أُتيحت هذه المواد بإذن أصحابها وتوثيق مسؤول، فإنها توسع ما يمكن للباحثين دراسته لاحقاً.
الجدار القديم صامت بالفعل، لكنه ليس بلا شهادة. ما نحتاج إليه هو أن نقرأ ما بقي منه بحذر، وأن نسأل من عرف المكان، وأن نحفظ الصورة بمعلوماتها الأصلية، وألا نملأ فراغات التاريخ بالخيال. فبعض ما نخسره لا يعود، أما ما نوثقه اليوم بدقة فقد يمنح الأجيال المقبلة فرصة لطرح أسئلة أفضل مما استطعنا طرحه نحن.
عبدالله سعيد الحبسي، MIoL، عضو معهد القيادة البريطاني، كاتب وباحث في الأمن والتراث والمخاطر وغرف العمليات.
