تكاد الصور القديمة تكون أول ما نبحث عنه إذا أردنا استعادة بيت طفولتنا. نفتح صندوقًا أو هاتفًا، فنتوقف أمام باب خشبي، أو فناء صغير، أو وجه جدّة لم تعد تجلس في مكانها المعتاد. تساعدنا الصورة على تذكر شكل الأشياء، لكنها لا تستطيع وحدها أن تعيد إلينا الأصوات التي ملأت المكان، ولا الكلمات التي كانت تجعل البيت بيتًا.
قد نعرف من صورة قديمة كيف كان المجلس مرتبًا، وأين وُضع إبريق الشاي، ومن جلس قرب النافذة. وما لا نعرفه من الصورة هو الحديث الذي دار بين الجالسين، أو الحكاية التي كان كبير العائلة يعيدها ولا يمل الناس سماعها، أو المثل الذي كانت الأم تردده كلما اختلف الأطفال. هذه التفاصيل الصغيرة لا تُحفظ في الألبومات، ومع ذلك قد تكون أقرب إلى روح المكان من جدرانه وأثاثه.
لا يرتبط هذا الأمر ببلد واحد. في القرى المصرية وفي مدن الخليج وبيوت كثيرة حول العالم، عرفت العائلات مجالس تتكرر فيها القصص، وتنتقل فيها الخبرة من جيل إلى آخر دون أن تحمل عنوان درس أو محاضرة. كان الطفل يستمع إلى رواية عن رحلة أو موسم حصاد أو جار ساعد جاره، فيتعلم شيئًا عن الشجاعة أو الكرم أو الصبر دون أن يدرك أن ما يسمعه جزء من تاريخ أسرته. وقد يكتشف بعد سنوات أن تلك الحكاية هي آخر ما بقي له من صوت شخص عزيز.
ومع تغير إيقاع الحياة، أصبح توثيق الصور أسهل من أي وقت مضى، بينما قد يزداد جمع الحكايات صعوبة. نصور الاحتفالات والمناسبات ونشاركها خلال دقائق، لكننا نؤجل الجلوس مع كبار السن لسؤالهم عن أسماء الأماكن القديمة، وأسباب بعض العادات، والقصص التي لم تدوَّن. نقول إن الوقت لا يزال متاحًا، ثم يفاجئنا غياب من كان يعرف الإجابة. عندها يصبح السؤال الذي لم نطرحه أثقل من كل الصور التي احتفظنا بها.
وليس المقصود أن تتحول جلسات العائلة إلى مقابلات رسمية تُفقد الحديث عفويته. يمكن أن يبدأ الأمر بسؤال بسيط: كيف كانت تُقضى الأعياد في هذا الحي؟ لماذا كان هذا الطريق يحمل اسمًا معينًا؟ من علّم الجد مهنته الأولى؟ وما العبارة التي كانت الجدة تقولها في المواقف الصعبة؟ قد تستدعي الإجابة قصة قصيرة، ثم تستدعي القصة أسماء وأماكن وتفاصيل لم تكن في الحسبان. ويمكن، بعد الاستئذان، تسجيل بعض هذه الذكريات صوتيًا، أو تدوينها بلغة قريبة من صاحبها دون تصنع.
وللأطفال مكان مهم في هذا العمل. فالطفل الذي يسأل عن كلمة قديمة أو لعبة شعبية لا يطلب معلومة معجمية فقط؛ إنه يفتح بابًا للتواصل مع جيل آخر. وإذا وجد من يجيبه بالصبر والحكاية، شعر أن تاريخ أسرته ليس مادة بعيدة في كتاب، بل حياة عاشها أشخاص يعرف وجوههم وأسماءهم. وهكذا تتحول الذاكرة من شيء نعرضه في مناسبة تراثية إلى علاقة يومية بين الناس.
وقد نخشى أن يؤدي توثيق الحكايات إلى كشف اختلاف الروايات أو نسيان بعض التفاصيل. وهذا أمر طبيعي، فالذاكرة البشرية ليست سجلًا قضائيًا، وما يرويه الأشخاص عن تجربة واحدة قد يختلف باختلاف أعمارهم ومواقعهم منها. بدلًا من حذف الاختلاف يمكن الإشارة إليه، والتمييز بين ما يتذكره الراوي وما تؤكده الوثائق. بذلك نحافظ على صدق الحكاية بوصفها شهادة إنسانية، دون أن نحمّلها ما لا تحتمل من يقين تاريخي.
نحتاج أيضًا إلى احترام رغبة من لا يريد التسجيل، وإلى عدم نشر الصور والأصوات الخاصة من دون موافقة أصحابها. فالمحافظة على الذاكرة لا تعني تحويل حياة الأسرة كلها إلى مادة متاحة للجميع. قد تكفي نسخة يحتفظ بها الأبناء، أو دفتر صغير تكتب فيه الأم أسماء الأشياء كما عرفتها، أو تسجيل قصير لا يغادر حدود العائلة. الأهم أن نمنح هذه الذاكرة فرصة للاستمرار.
في المستقبل قد ينظر أبناؤنا إلى صورنا كما ننظر اليوم إلى صور من سبقونا. سيعرفون ألوان الملابس وأشكال البيوت، وربما يضحكون من أدوات كنا نظنها حديثة. أما السؤال الأهم فسيظل: هل سيعرفون ما الذي كنا نحبه ونخشاه ونحلم به؟ الصورة تحفظ لحظة من العمر، لكن الحكاية تمنح تلك اللحظة معنى. وحين نجمعهما معًا، نترك لمن يأتي بعدنا أكثر من ملامح وجوهنا؛ نترك شيئًا من أصواتنا أيضًا.
نبذة عن الكاتب
عبدالله سعيد الحبسي، MIoL، كاتب وباحث إماراتي متخصص في الأمن والتراث وإدارة المخاطر وغرف العمليات والقيادة. عضو معهد القيادة البريطاني (Member of the Institute of Leadership – UK)، وله إسهامات في المقالات والبحوث والكتب العربية والإنجليزية. التوقيع الأدبي: A.S. Alhebsi.
