«فوضى الأشياء»: حين يصير الصدقُ عُرياً
قصة: زرياف المقداد — قراءة وفق منهج الوعي النقدي
قبل القراءة
الكاتب يصنع المتعة، والناقد يحوّلها إلى معرفة. القصة تمنحنا لذّة القراءة، والنقد يسأل: ماذا تفعل هذه اللذة بوعينا؟ وأيّ إنسان تصنعه فينا؟
لذلك لا تقف هذه القراءة عند سؤالَي: ماذا يقول النص؟ وكيف بُني؟ بل تسأل: أيّ وعي يسكن هذا النص؟ وأيّ إنسان يقترحه علينا؟
الوعي هنا ليس الذكاء ولا كثرة المعرفة. إنه الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه والعالم والناس، وتظهر في مشاعره وقيمه واختياراته. وفي قلبه الشعور المسيطر: شعور عميق ثابت تدور حوله قرارات الإنسان، ولا يتغير إلا بصدمة كبيرة أو بجهد طويل. أما الغضب والبكاء والفرح العابر فهي علامات تدلّ عليه، وليست هو.
الثابت والمتغير: هناك ما يتفق عليه القرّاء مهما اختلفوا، وهو تحليل الوعي داخل النص (الثابت). وهناك ما يختلف من قارئ إلى آخر، وهو ما يجذب كل واحد منهم إلى النص (المتغير).
القصة باختصار
رجل يناديه الناس «السيد»، يعيش كما يريد الآخرون أن يروه: يلبس الألوان الداكنة، ويجامل جارته، ويسكت عن غشّ صاحب الدكان، وعن أطباء يعطّلون أجهزة المستشفى عمداً، ويرى صوت زوجته يخفت يوماً بعد يوم.
في شهر شباط يتمرد جسده، فيبدأ بالكلام: يلبس ما يحب، ويدندن، وينسى تحية جارته، ويبصق في وجه الطبيب. فيُستدعى للتحقيق بتهمة السير عارياً. يرفض المحقق شهوده لأنهم من أهله، فيقدّم شاهده الأخير: «ما زال لي وطن»، فيتلقى لطمة. وتنتهي القصة بشمس تصعد من أسفل الوادي، حتى لا يعود يرى شيئاً من شدة الضوء.
ما الذي شدّني إلى النص؟ (الخطاف الجمالي)
الخطاف الجمالي هو ما يجذب القارئ إلى النص: صورة، أو حدث، أو سؤال. ومنه يعبر وعي النص إلى القارئ.
الجمال يخطف. وكل جملة جميلة في النص قد تكون خطافاً، لكنها لا تصبح خطافاً فعلاً إلا حين تشدّ قارئاً بعينه.
الذي شدّني هنا مفارقة تحيط بالقصة من أولها إلى آخرها. في البداية يقول البطل: «أنا هو الأعمى الذي يرى كلَّ شيء حوله»؛ أي إنه يرى كل شيء ويسكت، فكأنه أعمى. وفي النهاية يقول: «صِرتُ من فرط الضوء لا أرى شيئاً»؛ أي إن قول الحقيقة، مثل الشمس القوية، يُعمي هو أيضاً.
وبين البداية والنهاية تأتي تهمة العُري «إلا من ورق التوت». كشف البطل كل ما يمكن كشفه، لكن دون إسفاف ودون تجاوز للحدود، وهو يقول للمحقق: «لم أنبذْ العاداتِ والتقاليد، ولم أخالفْ الأعراف». ومع ذلك رأى المجتمع في صدقه المهذّب عُرياً وفضيحة. حتى الحقيقة المؤدّبة تُعامَل هنا كأنها اعتداء.
بصمة الوعي: ماذا تقول اللغة؟
بصمة الوعي هي هوية النص العميقة، ونعرفها من لغته.
• الضمير المنقسم: بعد بداية قصيرة، يسيطر ضمير المخاطب «عليكَ، إيّاكَ». إنه صوت المجتمع يأمر الرجل من داخله، حتى صار يراقب نفسه بنفسه: «انتبهْ أنتَ بدأتَ بالحديث عن الوطن». ثم يتحول الضمير إلى «أنا» أمام المحقق، فتستعيد الذات صوتها.
• الخجل من اللسان: «لساني الذي تجمّد فترةً طويلة، وأصبح سميكاً، بل وأخجلُ منه أثناء بلع الطعام». حتى أداة الكلام صارت مصدراً للخجل.
• الخوف من النظرة: يختار ألوانه «لتتناسب مع سنّك ومركزك»، ويوصي نفسه: «إيّاك أن تنظرَ في عينيها لئلا ترى العتبَ والتعبَ فيهما». العار لا يمنعه من رؤية فساد العالم، بل يمنعه من النظر في عيني من يحب، ومن أن يراه أحد.
ما هو العار؟
تعتمد هذه القراءة على سلّم الوعي الذي وضعه الطبيب والباحث الأمريكي ديفيد هاوكينز. يرتّب هذا السلّم مشاعر الإنسان من الأدنى إلى الأعلى، ويعطي كل شعور درجة. وفي أسفل السلّم كله يقف العار (20)، ويليه مباشرة التأنيب أو الذنب (30).
والعار عند هاوكينز ليس الخجل العابر الذي نشعر به حين نتعثر أمام الناس. فهو يرى أن العار يولد حين ينكر الإنسان حقيقته: قيمته كإنسان، والنور الإلهي الذي فيه. وقد يمرّ بنا العار لحظةً في الحياة اليومية ثم يزول، لكنه حين يصير الشعور المسيطر يتحول إلى عقبة كبيرة أمام نموّ الإنسان، وإذا اشتدّ قد يهدد بقاءه نفسه.
ويصف هاوكينز صاحب هذا المستوى بأنه منجذب إلى «الذات العقابية»: يقسو على نفسه، ويراها بلا قيمة، ويدينها، وينكمش ويختفي، ويضخّم أخطاءه حتى يراها غير قابلة للغفران. وهو في الوقت نفسه ينفر مما يحرّره: أن يسامح نفسه، وأن يختار الحياة، وأن يسلّم أمره لرحمة الله.
وأوضح علامات العار رغبة الإنسان في ألّا يُرى. صاحب العار يريد أن يختفي، أن يمرّ دون أن يلحظه أحد. وهذا بالضبط ما يفعله «السيد»: يلبس الداكن كي لا يلفت النظر، ويخجل من لسانه، ويهرب من عيني زوجته.
أما التأنيب فدرجة أعلى قليلاً، والفرق بينهما بسيط وعميق: العار يقول «أنا سيئ»، والتأنيب يقول «أنا فعلتُ شيئاً سيئاً». في العار تكون الذات كلها هي المشكلة، وفي التأنيب يصبح الخطأ فعلاً يمكن الاعتراف به ومواجهته. ولهذا يُعدّ الانتقال من العار إلى التأنيب صعوداً، وإن كان مؤلماً.
التشخيص: الشعور المسيطر عند البطل هو العار متنكّراً في هيئة الوقار. أما الخوف فأداة وليس الأصل: الخوف هو «الحكومة المؤقتة»، والعار هو «الدولة العميقة».
