logoPrint

الموضوعية في تفسير النصوص الدستورية

المشاهدات : 1644

بقلم : القاضي كاظم عباس

ان موضوع تفسير النص الدستوري أو القانوني يعتبر من المواضيع الحيوية في فقه القانون لما له من اثر على تطبيق القانون لذا يجب توخي الدقة والحذر عند القيام بذلك ولهذا يجب ان يكون التفسير علمياً وموضوعياً متزناً .

هدفه احترام النص الدستوري أو القانوني و أعماله بدون أي افتراضات لا سند لها من الدستور أو القانون وبعيدة كل البعد عن المصلحة الشخصية مجرداً من العواطف وفوق كل هذا وذاك الثبات على التفسير وعدم التراجع عنه وان لا تتلاعب الأهواء بالعملية التفسيرية لان مدى نجاح هذه العملية ترتبط مصيرياً بموضوعية التفسير وما يترتب على ذلك من سيادة حكم القانون .

ان هناك نصوص دستورية وقانونية لا تحتاج إلى وقفة طويلة في فهم محتواها أو تفسير نصوصها ومن هذه النصوص ما جاء في قانون المحكمة الاتحادية التي شكلت بموجب الأمر رقم (30) لسنة 2005 والنافذ (قبل نشره) بتاريخ صدوره في 24/شباط/2005 والمنشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد (3966) في 17/آذار/2005 وقد حدد هذا القانون تكوين المحكمة ونصابها القانوني وطرق ترشيح وتعين قضاتها والجهة المختصة بذلك ومدة خدمتهم وباشرت المحكمة أعمالها واستمرت بعد إقرار وصدور دستور جمهورية العراق والمنشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد (4012) في 28/كانون الأول/2005 وقد استمر عمل المحكمة الاتحادية المشكلة بموجب القانون (30) لسنة 2005 بالاستناد إلى حكم المادة (130) من الدستور والتي نصت صراحة (تبقى التشريعات النافذة معمولاً بها ما لم تُلغ أو تعدل وفقاً لإحكام الدستور) ووفقاً لهذا الإلزام الدستوري والذي يعتبر من النظام العام فان جميع التشريعات التي صدرت قبل إقرار وصدور الدستور تبقى نصوصها نافذة ومعمول بها ومنها قانون المحكمة الاتحادية رقم (30) لسنة 2005 من حيث تشكيلة المحكمة والجهة التي ترشح قضاة هذه المحكمة وهو مجلس القضاء الأعلى بموجب صراحة نص المادة (3) من القانون .

وبنظرة بسيطة إلى المادة (130) من الدستور فإنها قد وردت بصياغة واضحة لا يكتنفها الغموض مطلقاً ولا تحتاج إلى تفسير وقد استندت المحكمة الاتحادية العليا واستمدت شرعيتها من صراحة نص هذه المادة وقد أكد على ذلك بالقرار الصادر من المحكمة الاتحادية العليا بالعدد (37/اتحادية/2010) في 14/4/2010 وجاء في حيثيات القرار (...... وتلتزم المحكمة الاتحادية العليا , وغيرها من مؤسسات الدولة بتطبيق أحكام (الدستور) وعدم تجاوزها استناداً لإحكام المادة (13) منه مادام قانونها نافذاً بموجب المادة (130) من الدستور , وان عدم صدور قانون جديد للمحكمة لا يعني عدم ممارسة مهامها التي نص عليها القانون والدستور . وهذا ما سار العمل عليه بالنسبة لشؤون الدولة الأخرى ..... فمؤسسات الدولة تبقى قائمة وتمارس مهامها المنصوص عليها في قوانينها وفي الدستور أو في القوانين حتى تلغى قوانينها أو تعدل استناداً إلى أحكام المادة (130) من الدستور وذلك تأميناً لسير العمل في هذه المؤسسات واستقرار شؤون الدولة ومصالح شعبها ......) .

لذا فانه بعد هذا الوضوح الذي جاء به قرار المحكمة الاتحادية العليا والذي أكد نفاذ القانون رقم (30) لسنة 2005 لا يمكن قبول ما يصدر من أصوات وادعاءات غريبة ظهرت مؤخراً والتي تدعوا إلى الاستغراب والتعجب وتثير الدهشة والحيرة والتي تروج إلى اعتبار المادة (3) من القانون أعلاه ملغاة وذلك بتفسير غير موضوعي طغت عليه وتحكمت به الاعتبارات الشخصية لاسيما وان هذا التفسير لا يتعلق بنصوص الدستور بل يتعلق بجزئية صدور الدستور واثر نفاذه على القوانين السابقة رغم ان المادة (3) لا تحتاج إلى قرار لتفسير نفاذها لأنها نافذة حالها حال بقية مواد القانون استناداً إلى المادة (130) من الدستور .

وما يدعم ذلك ان مجلس القضاء الأعلى وبعد صدور الدستور وتأكيداً على التزامه بنفاذ المادة (3) من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم (30) لسنة 2005 فقد طبق نص المادة أعلاه في مناسبات عديدة منها على سبيل المثال ترشيح مجلس القضاء الأعلى القاضي السيد حسين عباس أبو التمن عضواً أصلياً في المحكمة الاتحادية العليا المشكلة بموجب القانون رقم (30) لسنة 2005 وبناءً على هذا الترشيح صدر المرسوم الجمهوري رقم (3) في (19/شباط/2007) بتعينه عضواً أصلياً في المحكمة الاتحادية العليا . وعلى ذات المنوال رشح مجلس القضاء الأعلى القضاة السادة سامي المعموري وخليل ابراهيم خليفة سنة 2009 والقضاة عاد هاتف جبار وسليمان عبد الله ومحمد رجب الكبيسي سنة 2014 أعضاء احتياط للمحكمة الاتحادية العليا المشكلة بموجب القانون رقم (30) لسنة 2005 وصدرت المراسيم الجمهورية بتعينهم أعضاء احتياط في المحكمة الاتحادية العليا المشكلة بموجب القانون رقم (30) لسنة 2005 والاستفهام الذي يطرح نفسه بقوة إذا كانت المادة (3) من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم (30) لسنة 2005 ملغاة تحت ذريعة (تفسير صدور الدستور بعدها) فكيف تم الاستناد عليها بترشيح الأعضاء المذكورة أسمائهم سلفاً وعلى أي أساس قانون تم ترشيحهم لعضوية هذه المحكمة؟ ومن هو المسؤول عن ذلك؟! والجواب على هذا السؤال بغاية البساطة لان المادة (3) من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم (30) لسنة 2005 ما زالت نافذة وملزمة لمجلس القضاء الأعلى بترشيح رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا ولحد ألان . ولان من بديهيات تدريس علم القانون للمبتدئين من تلاميذ كليات الحقوق وجوب احترام وتقديس مبدأ (بأن أي تشريع لا يلغى أو يعدل إلا بتشريع لاحق) يصدر من السلطة التشريعية ممثلة بمجلس النواب في العراق والذي له الصلاحية الحصرية بتعديل قانون المحكمة الاتحادية رقم (30) لسنة 2005 ورغم ذلك فان مجلس النواب لم يشرع أي قانون بإلغاء أو تعديل القانون أعلاه كما انه ومنذ صدور الدستور ولحد ألان لم يشرع قانون المحكمة الاتحادية العليا بصيغته المنصوص عليها في المادة (92) من الدستور والتي جاء فيها (تتكون المحكمة الاتحادية العليا من عدد من القضاة وخبراء في الفقه الإسلامي وفقهاء القانون يحدد عددهم وتنظم طريقة اختيارهم وعمل المحكمة بقانون يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب) على الرغم من عرض مشروع القانون على مجلس النواب لثلاث دورات نيابية متتالية . والسؤال الذي يوجه إلى من يروج إلى أكذوبة إلغاء المادة (3) من القانون رقم (30) لسنة 2005 وكذلك بتفسير غير موضوعي يتناقض مع ما تبناه سابقاً هو أي قانون تستند عليه المحكمة الاتحادية العليا بتكوينها ونصابها وخدمة قضاتها منذ سنة 2005 بعد صدور الدستور ولحد ألان ؟ والجواب الذي لا يختلف اثنان عليه وببساطة شديدة ان المحكمة الاتحادية العليا تشكيلتها الحالية ونصابها تعمل بالاستناد على القانون النافذ رقم (30) لسنة 2005 فأن مجرد تشكيل المحكمة الاتحادية العليا من رئيس وثمانية أعضاء يعتبر إقراراً منها بنفاذ القانون رقم (30) لسنة 2005 بكافة مواده ومنها المادة (3) التي أعطت لمجلس القضاء الأعلى حق ومسؤولية ترشيح رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا الحالية وهذا الاختصاص حصري لمجلس القضاء الأعلى ولا يمكن للمحكمة الاتحادية العليا المشكلة بموجب القانون رقم (30) لسنة 2005 ممارسة هذه الصلاحية الحصرية لمجلس القضاء الأعلى وإزاء هذا فان هذه المحكمة لا تملك صلاحية ترشيح أي قاضي لعضويتها حتى ولو كان عضواً احتياطاً طالما لم يتم تشريع قانون المحكمة الاتحادية العليا بصيغته المنصوص عليها في المادة (92) من الدستور ونفاذ المادة (3) من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم (30) لسنة 2005 والقول بخلاف ذلك على فرض صدق نية من يتبنى هذا القول واعتماده على (مشروع قانون) يعد خرقاً واضحاً لإحكام المادة (130) من الدستور .

لان من المحال ويخالف المنطق القانوني السليم الاعتماد في التفسير على (مشروع قانون) ما زال في إدراج مجلس النواب ولثلاث دورات نيابية لم يقر لحد ألان والتمسك بهذا عبث وفوضى وضحك على الذقون . وعلى فرض إننا نساير مع من يتمسك بإلغاء قانون المحكمة الاتحادية العليا (30) لسنة 2005 بصدور الدستور (وهذه فرضية غير موجودة ولا أساس لها من الدستور والقانون) فمعنى ذلك قطعاً بان الفقرة الثالثة من المادة (6) من القانون أعلاه ملغاة حالها حال من يتمسك بإلغاء المادة 3 من القانون اذا من أين استمد ويستمد رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا المشكلة بموجب القانون (30) لسنة 2005 بقائهم في الخدمة رغم تجاوزهم جميعاً السن القانوني الذي حده الأعلى هو سن (68 سنة) للإحالة على التقاعد بموجب قانون التنظيم القضائي رقم (160) لسنة 1979 وقانون تمديد خدمة القضاة رقم (39) لسنة 2012 ؟!

ان القضاة بشراً اولاً وقبل كل شيء ولو فرضنا بان واقعا قد حصل يتمثل برغبة احد قضاة المحكمة الاتحادية العليا التسعة المستمرين بالخدمة حالياً طلب إحالته إلى التقاعد أو توفى بأجله الموعود وما ينتج عن ذلك اختلال النصاب القانوني للمحكمة مما يتعذر تشكيلها فما هو الحل ؟ قطعاً لا يمكن ان تبقى كذلك مختلة النصاب وهنا تنهض مسؤولية مجلس القضاء الأعلى لسد النقص وترشيح القاضي الذي يرتأى اختياره ويطبق نص المادة (3) من قانون المحكمة الاتحادية العليا (30) لسنة 2005 كما طبقها سابقاً عند ترشيحه القاضي السيد حسين ابو التمن وآخرين .

بالأمس القريب وعندما كان يدار مجلس القضاء الأعلى من رئيس المحكمة الاتحادية العليا قدم رئيسه مشروع قانون مجلس القضاء الأعلى وعدد من جملة مهام المجلس قيامه بترشيح رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا ولظهور واقع قانوني جديد على الساحة القضائية افرز تغير عنوان رئيس مجلس القضاء الأعلى من رئيس المحكمة الاتحادية العليا إلى رئيس محكمة التمييز الاتحادية وما تبع ذلك من تغير في الأشخاص فهل من الصحة بشيء ان هذا التغير يجعل الثوابت الدستورية والقانونية والقضائية في التفسير وفهم النصوص تتغير بين عشية وضحاها لأسباب شخصية بحتة تتقاطع مع ما يحتمه النهج السليم بإدارة أهم مؤسسة من مؤسسات الدولة وإذا كان رأي رئيس المحكمة الاتحادية العليا آنذاك بان مجلس القضاء الأعلى غير مختص بترشيح رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا لمخالفته للدستور فكيف ولماذا تبنى هذا الرأي وطبقه وهو يعلم علم اليقين بمخالفته للدستور , وهل من الموضوعية بالتفسير او المهنية ان تتحكم الانتقائية في تفسير النصوص واعتبار ان هذا النص نافذاً وذلك النص ملغياً من ذات القانون وبحسب مقاسات معينة تتناغم وتتداخل معها الأهواء الشخصية بما يجر من مغنم هنا أو ربح هناك , دون الالتفات لقدسية رسالة التفسير والذي يجب ان يكون موضوعياً .

يجب ان يعرف الجميع وبيقين راسخ ان التفسير الموضوعي الوحيد لنفاذ قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم (30) لسنة 2005 برمته ومن ضمن ذلك المادة (3) منه هو تفسير المحكمة الاتحادية العليا بموجب قرارها المرقم (37/اتحادية/2010) في 14/4/2010 والذي أكد نفاذ وإلزامية قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم (30) لسنة 2005 برمته ولا يمكن إلغاءه او تعديله إلا بقانون . وعلى ضوء هذا التفسير فما تم طرحه بتعديل الفقرة ثالثاً من المادة (6) من القانون أعلاه في مجلس النواب مؤخراً قد جاء منسجماً ونفاذ القانون بالاستناد إلى صراحة نص المادتين (61/اولاً) و(130) من الدستور وبغض النظر فيما إذا تم هذا التعديل من عدمه فان هذه الخطوة هي خطوة صحيحة تحسب لمجلس النواب في سعيه الحثيث بتنفيذ شعار الإصلاح الذي رفعه وتبناه في دورته الحالية وفي كافة المجالات ومنها تحقيق العدالة والمساواة بين العناوين القضائية من حيث السن القانوني بالإحالة إلى التقاعد وذلك بتشريعه القانون الذي يضمن ذلك لان المحكمة الاتحادية العليا ومع جل احترامنا لها هي هيئة قضائية ولم يرد أي نص في الدستور أو القانون بعلويتها مثلما عليه محكمة التمييز الاتحادية التي اعتبرها المشرع العراقي بأنها أعلى هيئة قضائية ولا تدانيها في هذه العلوية أي محكمة أخرى بما فيها المحكمة الاتحادية العليا وقد نصت على ذلك المادة (12) من قانون التنظيم القضائي بقولها (محكمة التمييز هي الهيئة القضائية العليا التي تمارس الرقابة القضائية العليا على جميع المحاكم ما لم ينص القانون على خلاف ذلك ...) ورغم هذه الأهمية والعلوية لها وتصديها وفضها للمنازعات القضائية المتنوعة المدنية والجزائية والشرعية والتجارية وقضاء العمل ... الخ . وما تنظره من دعاوى من حيث الكم والنوع والتي نجد من الإجحاف لها ان تقارن بها من هذه الجهة المحكمة الاتحادية العليا ورغم ان تعين قضاة محكمة التمييز الاتحادية تشترك إرادة الشعب العراقي الكريم عن طريق التصويت عليهم داخل قبة مجلس النواب من قبل ممثلي الشعب العراقي في هذا المجلس طبقاً لإحكام المادة (61/خامساً/أ) من الدستور (مع تحفظنا على هذا النص الدستوري) إلا ان أعضائها محددين بسن قانوني للإحالة على التقاعد لا يتجاوز هذا السن (68) سنة وفقاً لإحكام قانون التنظيم القضائي رقم (160) لسنة 1979 المعدل وقانون تمديد خدمة القضاة رقم (35) لسنة 2012 لذا فان أهمية الدور الذي تقوم به أي محكمة لا يمكن ان يكون سبباً لعضوية تلك المحكمة مدى الحياة دون تحديد سن قانوني محدد للإحالة للتقاعد والقول عكس ذلك يتقاطع مع نواميس الحياة لذا نشد اليد على القرار المسؤول والتاريخي المتخذ من مجلس القضاء الأعلى بجلسته الاعتيادية المنعقدة بتاريخ 17/3/2019 بتأييد مقترح قانون تعديل الفقرة (ثالثاً) من المادة (6) من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم (30) لسنة 2005 باعتبار ان مجلس القضاء الأعلى هو المختص بترشيح قضاة المحكمة الاتحادية العليا وفقاً لإحكام المادة (3) من القانون أعلاه لان خير الأمور أوسطها فلا يقبل منطقاً تحديد مدة محددة لعضوية المحكمة الاتحادية العليا بسنوات محددة بالقانون كأربع أو ست سنوات كما يرغب البعض وفي ذلك تضييق من جهة ولأجعل الأمور مطلقة دون تحديد سن قانوني لهم من جهة أخرى فالتضييق والإطلاق مرفوض .

ان مرجعية القضاة في جميع أنحاء العراق هو مجلس القضاء الأعلى وإذا كان من ينظر إلى الأمور من زاوية أخرى وبتفسير ما انزل الله به من سلطان عليه إقناع الرأي العام ومجلس النواب الذي تبنى معظم نوابه مقترح التعديل أعلاه على تقديم ما يثبت عكس الحقائق التاريخية والأدلة الدامغة والمعززة بإحكام المحكمة الاتحادية العليا والتي تم عرضها سلفاً بشرط عدم التعكز على الاسطوانة المشروخة بوجود استهداف سياسي للسلطة القضائية عند تقديم أو مناقشة أي مشروع يتعلق بإقرار قانون المحكمة الاتحادية العليا بصيغته وفق المادة (92) من الدستور أو تعديل قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم (30) لسنة 2005 .