logoPrint

( مجلس الوزراء يخالف الدستور )

المشاهدات : 4953

كتب القاضي كاظم عباس عضو محكمة التمييز الاتحادية عن مخالفات مجلس الوزراء العراقي للدستور قائلاً :
انطلاقا من قدسية الرسالة التي يحملها مجلس القضاء الاعلى الممثل الوحيد للقضاء العراقي العادي بمختلف تشكيلاته ومسمياته (قضاء , مدني , جنائي , احوال شخصية , تجاري , عمل) جعلته دائما ينأى بنفسه عن بهرجة السلطة ومقامات الرئاسة.
هاجسه تطبيق احكام القانون, وهمه تحقيق العدالة, وسعيه فض النزاعات بين الخصوم, ولقد تصدى وبمسؤولية لمكافحة الارهاب والفساد ، ان مجلس القضاء الاعلى في العراق الذي شكل بموجب المادة (1) من قانون مجلس القضاء الاعلى رقم (45) لسنة 2017 هو الوريث الشرعي لقيم وتاريخ القضاء العراقي الرصين والذي اتسم على مر العصور بانه قضاءً عالياً يترفع عن كل ما يخدش كرامته ، مهابا في حركته وسكونه ، صفته الزهد في كل شئ ، وهويته العمل بصمت بعيداً كل البعد عن الاضواء الزائفة التي استهوت فاقدي الحكمة بعد سنة 2003 والذين للاسف الشديد يواصلون الليل بالنهار بحثا عن منصب هنا او التامر للبقاء على كرسي سلطة هناك وليس في قاموس حياتهم اي مصلحة ونفع للبلاد او العباد همهم الاول التشبث بكرسي الرئاسة.
ولقد جاء سن قانون مجلس القضاء الاعلى رقم (45) لسنة 2017 والذي صدر بإرادة الشعب العراقي الكريم عن طريق ممثلية اعضاء مجلس النواب ، ليضع النقاط على الحروف.
وكان ما كان وتم فصل المحكمة الاتحادية العليا عن مجلس القضاء الاعلى وفتح القانون الجديد افق واسعة للقضاء العراقي العادي ولاول مرة لترسيخ مبدأ استقلال القضاء استقلالاً تاماً وحقيقياً، ولان القوانين التي صدرت سابقاً المتعلقة بالشأن القضائي قد منحت محكمة التمييز الاتحادية قصب السبق في رئاسة السلطة القضائية ولاهمية الدور الريادي الذي تضطلع به محكمة التمييز الاتحادية في حماية مبدأ سيادة القانون باعتبارها أعلى هيئة قضائية في العراق وتمارس الرقابة القضائية على جميع قرارات المحاكم وذلك استناداً لصراحة نص المادة (12) من قانون التنظيم القضائي وبغية اعادة الامور لوضعها الطبيعي فقد تم تسمية رئيس محكمة التمييز الاتحادية رئيساً لمجلس القضاء الاعلى وهو بهذا العنوان له الاسبقية في نظام المراسم رقم (4) لسنة 2016 ، وذلك استناداً لصراحة نص المادة (1) و(2) من النظام اعلاه قبل التعديل والتي كانت متفقة واحكام الدستور ، الا انه بعد صدور قانون مجلس القضاء الاعلى وبناءً على اقتراح وطلب من رئيس المحكمة الاتحادية العليا اصدر مجلس الوزراء نظام التعديل الاول لنظام المراسم رقم (4) لسنة 2018 وذلك بدوافع شخصية بحته ضارباً عرض الحائط الدستور وجاء بمخالفة صريحة وواضحة للعيان لنص المادة (89) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 والتي عددت مكونات السلطة القضائية بحسب تسلسل اهميتها بقولها (مجلس القضاء الاعلى ، والمحمكة الاتحادية العليا ، ومحكمة التمييز الاتحادية ، وجهاز الادعاء العام ، وهيئة الاشراف القضائي ، وباقي المحاكم الاتحادية الاخرى) ومن صراحة هذا النص الذي لا يحتاج الى اي تفسير ولا يحتمل اي تأويل فان مجلس القضاء الاعلى له العلوية على المحكمة الاتحادية العليا وباقي مكونات السلطة القضائية . ومن خلال نظرة حيادية وتحليل بسيط لما جاء به التعديل الاول لنظام المراسم تم تعديل الفقرة (ثانياً) من المادة (2) من النظام وبموجبها تم حشر عنوان رئيس المحكمة الاتحادية العليا واعطائه الاسبقة على عنوان رئيس مجلس القضاء الاعلى .
ان هذا التعديل قد خرق احكام الدستور العراقي والرأي العام على يقين ثابت بان وراء صدور هذا التعديل قد تم بناءً على ضغوط شخصية ولتطيب خواطر وكأننا لسنا في دولة مؤسسات من عناوين تشبثت للبقاء وتستهويها الاضواء حتى ولو في الامور الشكلية فقط ان الجانب الشخصي والمصلحي فقط كان وراء تعديل نظام المراسم متجاهلاً الجانب المؤسساتي للدولة وعناوينها الدستورية وهذا يتقاطع مع ما يجب عليه ان تكون هيبة مؤسسات الدولة في المناسبات الرسمية ولا يمت باي صلة مع ما عليه البروتوكولات المتعارف عليها اقليمياً ودولياً.
ولان مجلس القضاء الاعلى ولثقل مسؤولياته وانشغاله بما هو اكبر واهم من تعديل نظام المراسم وما جبل عليه من تجاهل لصغائر الامور لم يعر أي اهمية للموضوع . الا ان الامر خرج عن طوره في الفترة الاخيرة وبدأت الامور وبقصد تاخذ منحى اخر وذلك بالترويج الى مفهوم اكذوبة علوية المحكمة الاتحادية العليا على مجلس القضاء الاعلى تارة وتارة اخرى الترويج لمفهوم اكذوبة اعتبار المحكمة الاتحادية العليا بأنها اعلى هئية قضائية في العراق وهذه الاكاذيب لا سند لها  لا من الدستور ولا من القانون لان المادة (89) من الدستور قد حسمت ذلك بعلوية مجلس القضاء الاعلى على المحكمة الاتحادية العليا.
ان علوية مجلس القضاء الاعلى وفقاً للنصوص الدستورية والقانونية شمس لا يمكن حجبها بغربال ومن يحاول صرف هذه الحقيقة واطلاقه التصريحات المغلوطة جزافاً وغير المسؤولة والتي ما هي الا اوهام في ذهن من تبناها فقط بالاستناد على تعديل لم يكن خطأً فقط بل خطيئة لنظام المراسم فان وراء هذه المغالطات في التفسير ايادي خبيثة تمرست على بث الفوضى وعيون لا تعرف سوى لغة الحقد والمؤامرات ، وعقول فارغة لا تفكر سوى بمصالحها الشخصية الضيقة والكيد للاخرين .
ولان تعديل نظام المراسم رقم (4) لسنة 2018 قد تعلق فقط بالمحكمة الاتحادية العليا ورئيسها والذي هو كان وراء مقترح التعديل وسعى له جاهداً . والسؤال الذي يطرح نفسه وبقوة ان هذا التعديل مخالف للدستور واذا كانت هناك جهة تروم الطعن بعدم دستورية التعديل فكيف يتم نظر الطعن الدستوري والخصم والحكم واحد؟!!!.
اننا لا نعدو الحقيقة اذا قلنا ان وراء مثل هذه الممارسات نوايا سيئة لا تريد للمؤسسة القضائية خيراً وما يترتب على ذلك من جر البلد الى الخراب والفوضى.
لذا لا بد من وقفة تصحيح يتبناها جميع الشرفاء ويقيناً لا تستقيم الامور الا بمعالجة الخطأ الفادح الوارد بالامر الصادر من مجلس الوزراء (قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم 30 لسنة 2005) والذي بموجبه تم تشكيل المحكمة الاتحادية العليا واعتبر الخدمة فيها للرئيس والاعضاء مدى الحياة ، لقد آن الآوان لتصحيح ذلك وعلى مجلس النواب العراقي تحمل مسؤولياته وعلى وجه السرعة بتعديل قانون المحكمة الاتحادية العليا المذكور وذلك بتحديد سن معين لاحالة رئيس واعضاء المحكمة الى التقاعد اسوة ما عليه جميع قضاة وموظفي الدولة العراقية كما ادعو مجلس القضاء الاعلى الموقر الى ترشيح رئيس واعضاء جدد للمحكمة الاتحادية العليا عملاً بأحكام المادة (3) من القانون اعلاه بعد تعديله وفق ما تقدم ومن ثم تشريع قانون المحكمة الاتحادية العليا وفقاً لما جاء بالدستور.