تتجاوز تجربة الفنانة التشكيلية جوليت فايد حدود الصورة المسطحة، لتقدم معالجة بصرية تستعيد ملامح الحارة المصرية في عوالم الأديب نجيب محفوظ، عبر تقنية الصناديق الضوئية (Shadow Boxes)، التي تجمع بين التفريغ الورقي وتعدد الطبقات والإضاءة الخلفية. وفي معرضها الذي استضافته قاعة الفنون بكلية الفنون الجميلة، تتشكل العلاقة بين الأدب والفن التشكيلي من خلال بناء بصري يستلهم ذاكرة المكان وتفاصيله المعمارية والإنسانية، ويعيد تقديمها بلغة تستند إلى الضوء والظل والعمق المكاني.

لا تتعامل فايد مع الحارة باعتبارها خلفية للأحداث الروائية، وإنما كونها نسيجًا بصريًا يحمل ملامح الحياة اليومية وتراكمات الذاكرة. ومن خلال توظيف الخامات الورقية والتقنيات الرقمية والقص الدقيق، تعيد بناء هذا العالم في صياغة تشكيلية تمنح التفاصيل المعمارية حضورًا مجسمًا، وتتيح للمتلقي الاقتراب من المكان عبر مستويات متداخلة من الرؤية.
• تعدد الطبقات.. من سطح الصورة إلى عمق المكان
تعتمد التجربة على تفكيك المشاهد بصريًا باستخدام برنامج «Photoshop»، ثم إعادة تركيبها من خلال طبقات ورقية متعاقبة، تفصل بينها مسافات محسوبة تسمح بتكوين عمق حقيقي داخل العمل. وبهذه المعالجة، تتحرر الصورة من استواء السطح، لتصبح بناءً تتفاعل داخله العناصر المفرغة مع المساحات المعتمة والفراغات البينية.
ويكتسب هذا التكوين أهميته من العلاقة بين ترتيب الطبقات وتوزيع الضوء؛ فكل مستوى يضيف بُعدًا جديدًا إلى المشهد، بينما تسهم المسافات الفاصلة في تشكيل الظلال وإبراز تفاصيل العمارة. وتتيح هذه التقنية استحضار الأزقة والنوافذ والأقواس والمباني في صورة تجمع بين الإيهام بالعمق والحضور المادي للخامة.
كما يفتح البناء الطبقي مجالًا لقراءة الحارة باعتبارها فضاءً تتداخل فيه مستويات متعددة من الحياة والذاكرة، وهو ما ينسجم مع ثراء العوالم الاجتماعية والإنسانية التي ارتبطت بأدب نجيب محفوظ.

• دراما الضوء والظل.. ذاكرة المكان في تشكيل بصري
تؤدي الإضاءة الخلفية دورًا محوريًا في أعمال الصناديق الضوئية، إذ تتجاوز وظيفتها إظهار التفاصيل إلى المشاركة في بناء الصورة وتحديد إيقاعها البصري. فالضوء النافذ عبر الأجزاء المفرغة يبرز بعض العناصر، بينما تمنح الظلال المتراكبة بقية التكوين كثافته وامتداده المكاني.
وتكتسب النوافذ والمشربيات والزخارف المعمارية حضورًا خاصًا في هذا السياق؛ إذ تتحول فتحات الورق إلى منافذ ضوئية تستدعي أجواء البيوت القديمة، فيما تسهم الظلال في تعميق الإحساس بالأزقة والممرات. وينشأ من هذا التفاعل توازن بين المساحات المضيئة والمناطق المعتمة، يوجّه عين المشاهد ويمنحه فرصة لاكتشاف التفاصيل تدريجيًا.

وتظهر أهمية هذا التوازن في معالجة بورتريه نجيب محفوظ والعناصر المعمارية المحيطة به، حيث تتداخل الملامح الشخصية مع ذاكرة المكان الذي ارتبط بعوالمه الروائية. وهنا يكتسب الضوء وظيفة تعبيرية، إذ يحدد العلاقات بين العناصر ويمنح التكوين إيقاعه، فيما يصبح الظل عنصرًا بنائيًا يشارك في صياغة العمق، وليس مجرد نتيجة للإضاءة.
• التكنولوجيا والصنعة اليدوية.. تكامل في بناء العمل
تجمع تجربة جوليت فايد بين المعالجة الرقمية والتنفيذ اليدوي، في مسار تتكامل فيه دقة التخطيط مع حساسية التعامل مع الخامة. فبعد إعداد التصميم وتحديد مستوياته، تتيح تقنية القص بالليزر تنفيذ التفاصيل الدقيقة للزخارف والعناصر المعمارية، بما يساعد على تحقيق انتظام الحواف ودقة التفريغ.
غير أن الجانب التقني لا ينفصل عن القرارات التشكيلية المرتبطة باختيار الورق وسمكه، وتحديد المسافات بين الطبقات، وطريقة ترتيبها وتثبيتها. فهذه الاختيارات تؤثر مباشرة في مرور الضوء وشكل الظلال ودرجة العمق التي يكتسبها المشهد.
وتبرز هنا أهمية العمل اليدوي في ضبط العلاقات بين الأجزاء، وتحقيق التوازن بين الكتل والفراغات، وصولًا إلى التكوين النهائي. فالآلة تنفذ التفاصيل وفق التصميم، بينما تتحدد النتيجة البصرية من خلال تفاعل الخامة مع الضوء، وطريقة بناء الطبقات، وحساسية الفنانة في تنظيم عناصر العمل.

• من الرواية إلى الرؤية التشكيلية
تستند التجربة إلى استلهام عالم نجيب محفوظ، مع الاحتفاظ باستقلالية التشكيل عن السرد الأدبي المباشر. فالعناصر المستمدة من أغلفة الروايات ومفردات الحارة، مثل الأشجار والأزقة والأقواس والعمارة القديمة، تتحول إلى مكونات بصرية يعاد تنظيمها داخل فضاء العمل، وفق علاقات تحكمها الكتلة والفراغ والضوء والظل.
وتكمن أهمية هذا التوجه في انتقال المرجعية الأدبية من مستوى الحكاية إلى مستوى البناء التشكيلي؛ فالمشهد لا يسعى إلى استعادة الرواية حرفيًا، وإنما يستثمر ما تحمله من دلالات مكانية وإنسانية في صياغة مرئية لها منطقها الخاص. وبذلك تتشكل العلاقة بين الأدب والفن عبر الذاكرة البصرية والإيحاء، لا عبر نقل الأحداث والشخصيات إلى صورة توضيحية.
وتمنح الصناديق الضوئية هذا التحول بعدًا إضافيًا، إذ يصبح العمل تجربة مكانية تتغير قراءتها تبعًا لموقع المشاهد وطريقة انكشاف التفاصيل أمامه. فالعين لا تستقبل الصورة دفعة واحدة، وإنما تنتقل بين مستوياتها، وتكتشف تدريجيًا العلاقات التي تنظم عناصرها.
في المحصلة، تقدم تجربة جوليت فايد معالجة تشكيلية تجمع بين التجريب التقني واستلهام الذاكرة الأدبية والمكانية. وتتمثل أبرز إمكاناتها في توظيف الضوء والطبقات الورقية لتجاوز حدود الصورة المسطحة، وتحويل التفريغ إلى عنصر فاعل في بناء التكوين. كما تفتح التجربة مجالًا للتأمل في قدرة الوسائط التشكيلية المعاصرة على إعادة قراءة التراث الروائي، وصياغة عوالمه في لغة بصرية تستند إلى خصوصية الخامة وفاعلية الضوء والظل.

