الأيتام

نيكولاي ألكسييفيتش كاساتكين — 1891

العنوان الأصلي: Осиротели — Osiroteli

الخامة:  زيت على قماش

الأبعاد:  51 × 88 سم

المكان:  المتحف الروسي، سانت بطرسبرغ

الفترة: أواخر القرن التاسع عشر

المدرسة: الواقعية الروسية

الاتجاه: الواقعية الاجتماعية — ضمن تقاليد جماعة البرفدنيكي (المعارض الفنية المتنقلة).

الايتام))

طفلان يقفان أمام قبر

لا شيء تقريبًا يحدث

لا حركة درامية، لا صرخة، لا انهيار، ولا جسد ميت نراه أمامنا. هناك فقط طفلان، وتربة، وصلبان، وسماء مفتوحة، وطبيعة فقدت شيئًا من حيويتها.

لكن في هذا الصمت كله توجد مأساة كاملة

ربما لهذا تبدو اللوحة في اللحظة الأولى بسيطة، ثم تبدأ في إيلامنا كلما طال النظر إليها

لأن كاساتكين لم يرسم لحظة الموت

(رسم اللحظة التي تأتي بعده)

حين يصبح الطفل أكبر من عمره

رُسمت «الأيتام» سنة 1891، في مرحلة مهمة من تاريخ الواقعية الروسية، وفي الوقت الذي كان فيه نيكولاي كاساتكين يقترب بصورة أكثر وضوحًا من موضوعات الفقر والحياة الشعبية والطبقات المهمشة. وفي العام نفسه أصبح عضوًا في جماعة المعارض الفنية المتنقلة، وهي الجماعة التي ارتبطت بتحويل الفن الروسي من عالم الموضوعات الأكاديمية المغلقة إلى الاقتراب من الحياة اليومية ومشكلاتها الإنسانية والاجتماعية.

لكن كاساتكين لا يقدم لنا الفقر في صورة خطاب مباشر.

إنه يضعنا أمام نتيجته الإنسانية.

طفلان في مقبرة.

المتحف الروسي يصف المشهد بسماء رمادية، وصلبان، وطبيعة ذابلة، ويرى أن هذه العناصر تبدو وكأنها كل ما تبقى للأخوين بعد فقدان أقرب إنسان إليهما. كما يشير إلى أن الفنان يتجنب السرد التفصيلي ويجعل الفقر خلفية أساسية للدراما.

وهنا تحديدًا تبدأ قوة اللوحة

فلو كان كاساتكين يريد أن يحكي لنا قصة، لأعطانا تفاصيل أكثر

من مات؟

كيف مات؟

أين الأب أو الأم؟

كيف يعيش الطفلان؟

ماذا سيحدث لهما غدًا؟

لكنه يحذف كل ذلك.

لأن السؤال الذي يهمه ليس: ماذا حدث؟ بل: مااذا يفعل الفقد باللذن بقوا ماذا يفعل بالايتام ؟؟

من وجهة نظري كفنانة تشكيلية، هذا الحذف شديد الذكاء لإنه يترك فراغا سرديا لكن هذا الفراغ لا ييبقي فارغا فنحن نملؤه بخيالنا , ننظر الي الطفلين فنبدء في تخيل م ال تقوله اللوحة لنا بل ماذا احسسنا من ريشة الفنان .

وربما يكون هذا أحد أسباب قسوة المشهد: الطفلان لا يبكيان

هناك شيء أكثر ألمًا من البكاء؛ أن يقف الطفل أمام الموت ولا يعرف حتى كيف يعبر عنه

أحدهما يبدو أكثر نضجًا، والآخر أصغر، وبينهما علاقة صامتة تشبه الحماية. إنهما لا يقفان فقط بجوار قبر؛ إنهما يقفان أمام عالم جديد بدأ فجأة، عالم لم يعد فيه أحد أكبر منهما يحميهما.

وهنا يصبح عنوان اللوحة بالغ الأهمية . انهم حقا ايتام .

كاساتكين لا يسميها (عند القبر)أو (في المقبرة)»

بل يسميها الايتام

أي أن الصفة الإنسانية أصبحت هي الحدث.

القبر ليس الموضوع بل الاطفال الذين اصبحوا ايتام , اليتم هو الموضوع .

وهذه نقطة مهمة جدًا في فهم واقعية كاساتكين: الإنسان عنده ليس مجرد شخصية داخل مشهد، بل المشهد كله يمكن أن يتحول إلى مرآة لظروفه الاجتماعية والإنسانية.

لقد كان كاساتكين في هذه المرحلة يتجه أكثر فأكثر إلى تصوير حياة الفقراء والعمال، وستصبح حياة الفقراء والعمال لاحقًا من الموضوعات الأساسية في أعماله. كما تصف الموسوعة الروسية أعماله في هذه الفترة بأنها ذات ألوان أرضية رمادية قاتمة، وتكوينات بسيطة، واهتمام واضح بالحياة الداخلية للشخصيات.

وهذا بالضبط ما نراه هنا: البساطة الخارجية للمشهد الفني الذي نتأمل فيه يخفي تعقيدا داخليا هائل الحجم يخفي داخله معاناة ايتام.

 

 لون الأرض وواقعية الصمت

لو أردنا أن نفهم «الأيتام» تشكيليًا، فعلينا أن نبدأ من اللون

كاساتكين لا يستخدم اللون لكي يجعل المشهد جميلًا بل يستخدمه لكي يجعل المشهد صادقا لمن يراه,

الأرض بنية، والسماء تميل إلى الرمادي، والخضرة محدودة وخافتة، والألوان عمومًا منخفضة النبرة. لا توجد ألوان احتفالية، ولا مساحات لونية مشرقة تستولي على العين.

وهذا ليس فقرًا في لوحة الألوان,

بل هو اختيار جمالي شديد الوعي.

كلما خفت اللون، اقتربنا من الإحساس بالفقد..

حتى الطبيعة نفسها تبدو وكأنها فقدت قدرتها على الاحتفال بالحياة.

وهذه المعالجة تنتمي بوضوح إلى الحس الواقعي الروسي في نهايات القرن التاسع عشر، خصوصًا الواقعية المرتبطة بالبرفدنيكي، الذين منحوا الحياة اليومية والموضوعات الاجتماعية والإنسان العادي مكانة مركزية في الفن. والمتاحف الروسية تصنف العمل صراحة ضمن «فن النوع» وتربطه بجماعة المعارض الفنية المتنقلة وعصر ألكسندر الثالث

المدرسة الفنية

الواقعية الروسية — الواقعية الاجتماعية ضمن تقاليد البرفدنيكي.

لكن كاساتكين لا يمارس الواقعية باعتبارها نقلًا فوتوغرافيًا للعالم انه ينتقي , يحذف , يصمت ثم يعيد ترتيب الواقع حتي يصبح اكثر قدرة علي التعبير حتي نشعر بإحساس اليتم من مجرد التأ/ل الصامت ..

وهنا يأتي التكوين

اللوحة أفقية، وهو اختيار مناسب جدًا للمشهد؛ فالأفق الطويل يجعل الشخصيتين تبدوان صغيرتين أمام امتداد المكان. الأرض تمتد، والسماء تمتد، والمقبرة تمتد، بينما يقف الطفلان في مساحة تبدو أكبر منهما.

وهذه النسبة بين الإنسان والفراغ مهمة للغاية

الفراغ أكبر من الطفل

وهذه ليست ملاحظة جمالية فقط؛ إنها تكاد تكون ترجمة بصرية لليُتم

حين يفقد الطفل والديه، يصبح العالم فجأة أوسع من قدرته على احتماله

الأشجار والصُلبان والخطوط الأرضية تقود العين داخل المشهد، لكنها لا تقودها إلى مخرج. العين تتحرك، ثم تعود إلى الطفلين

كأن المكان كله محاصر في دائرة من الصمت

والصليب هنا لا يعمل فقط بوصفه علامة دينية أو عنصرًا من عناصر المقبرة؛ إنه يدخل في بناء الإيقاع البصري للوحة. الصلبان المتناثرة تكرر فكرة الغياب، بينما وجود القبر الحديث في المقدمة يجعل الموت حاضرًا دون أن نراه

 

وهذا من أجمل الحلول الدرامية في اللوحة الفنية

كاساتكين يرسم الموت من خلال الأشياء التي تركها.

القبر بدل الجسد

الصمت بدل البكاء

الطبيعة الذابلة بدل الحزن المعلن

والطفلان بدل الحكاية كلها

أما البيئة فهي بيئة ريفية روسية فقيرة، في زمن كانت فيه الواقعية الروسية شديدة الحساسية تجاه الفوارق الاجتماعية والحياة اليومية للفئات الفقيرة. وكاساتكين نفسه، الذي تتلمذ على يد فاسيلي بيروف وإيلاريون بريانيشنكوف، جاء من تقليد فني يرى في الحياة الشعبية موضوعًا جديرًا بأن يكون مركزًا للفن، لا هامشًا له

ولذلك لا يمكن فصل جماليات اللوحة عن موقفها الإنساني

حتى بساطة التكوين تحمل موقفًا

ماذا يعني أن تصبح يتيمًا؟

هناك لوحات تصور الحزن

وهناك لوحات تجعلنا نفكر في معنى الحزن

 الأيتام» من النوع الثاني , الذي يجعلما نفكر في حجم المأساة ومعني الحزن الذي يصيب الطفل حين يفقد امه او اباه

لأن اليُتم هنا لا يبدو مجرد فقدان شخص

إنه فقدان المكان الذي كان يجعل العالم مفهومًا وآمنًا

الطفل لا يعرف المستقبل كما يعرفه الإنسان البالغ. لذلك حين يفقد والديه، لا يفقد شخصين فقط؛ يفقد جزءًا من تعريفه للعالم

وهنا يصبح وقوف الطفلين أمام القبر فعلًا فلسفيًا من دون أن يقصدهما

إنهما أمام سؤال لا يستطيعان الإجابة عنه : كيف تستمر الحياة حينما يتغير معناها ونصبح بلا اب او ام نصبح وحيدين في مواجهة العالم نصبح ايتام ؟

واللوحة لا تجيب

السماء لا تجيب

القبر لا يجيب

الطبيعة لا تجيب

وهذه نقطة شديدة الأهمية في الفن الواقعي الروسي: ليس مطلوبًا من اللوحة أن تقدم حلًا للمأساة؛ يكفي أحيانًا أن تجعلنا نرى الإنسان داخلها بصدق .

لكن هناك طبقة أخرى أكثر قسوة

الطفلان لا يقفان في قصر، ولا في حديقة جميلة، ولا في بيت دافئ

إنهما في مقبرة ريفية بسيطة

الفقر موجود في الخلفية، كما يقول المتحف الروسي صراحة، بوصفه سببًا من أسباب الدراما المصورة

وهكذا يتحول الموت الفردي إلى سؤال اجتماعي

فليس كل طفل يواجه اليُتم بالطريقة نفسها

هناك طفل تحيط به الأسرة، والمال، والتعليم، والحماية

وهناك طفل لا يملك بعد فقد والديه سوى أخيه

ومن هنا تصبح المسافة بين الطفلين وبين العالم المحيط بهما أكثر إيلامًا من القبر نفسه

إنهما صغيران جدًا أمام الحياة

ومع ذلك، يبدو أنهما مضطران إلى أن يكبرا بسرعة.

وهنا أرى أن أجمل ما في اللوحة ليس الحزن بل في الرفقة رفقة الأخ لأخيه .

فهما يتيمان، لكنهما ليسا وحدهما

هناك طفلان يقفان معًا في مواجهة عالم فقدا فيه الشخص الذي كان يجمعهما بالحياة

وهذا يمنح العنوان معنى آخر

ربما لا يقول كاساتكين فقط: هؤلاء فقدوا والديهم, ربما يقول ايضا لنا عبر ريشته : حينما يسقط السند قد يصبح الانسان سندا لمن بقي معه ولهذا لا تنتهي اللوحة عند القبر ’ القبر هو النقطة التي بدأت منها حياة جديدة قاسية ومجهولة لطفلين لم يعودا كما كانا قبل هذه اللحظة بل اصبحوا ايتاما ,

وفي النهاية، تبدو الطبيعة أوسع من المأساة، والسماء أعلى من قدرتنا على الفهم، لكن الإنسان الصغير يظل واقفًا

وهنا تكمن قوة كاساتكين

لم يحتج إلى صرخة

لم يحتج إلى دموع

لم يحتج إلى خطاب

اكتفى بأن يضع طفلين أمام قبر، ثم ترك الصمت يقوم بالباقى .

في الفن  احيانا يكون الصمت ابلغ من الكلام .

الايتام