«نخلة».. تصير الشجرة ذاكرة، والاستوديو ملاذًا
في معرضها الجديد «نخلة»، تواصل الفنانة التشكيلية المعاصرة دينا ترجم بحثها في العلاقة بين الطبيعة والمكان والذاكرة، عبر مجموعة من الأعمال التي تجعل من النخلة والطبيعة والاستوديو مفردات بصرية تتجاوز حدود المشهد الواقعي، لتتحول إلى حالات شعورية وذاكرة شخصية. إنها تجربة فنية تنطلق من الطبيعة لتتجه نحو الإنسان وذاكرته وعلاقته بالمكان، حيث تصبح النخلة رمزًا للثبات، والاستوديو ملاذًا، والضوء عنصرًا متحركًا في بناء الصورة.

نخلة أمام الاستوديو: من المشهد اليومي إلى رمز الثبات…
في تجربة دينا ترجم، تمثل الطبيعة نقطة انطلاق لا موضوعًا نهائيًا؛ إذ تعيد الفنانة تشكيل الشجرة أو الزهرة أو المساحات الخضراء بحسب الأثر الذي تتركه في داخلها. ومن هنا تتصدر «النخلة» المشهد في معرضها الجديد، لتصبح محورًا بصريًا تتقاطع حوله أسئلة المكان والسكينة والزمن.
في البداية كانت النخلة تقف أمام الاستوديو كجزء طبيعي من المشهد اليومي، لكنها مع الوقت اتخذت موقعًا مختلفًا في تجربة الفنانة. فتكرار رؤيتها، وتحولها مع الضوء والفصول وساعات النهار، ربطها بمرحلة مهمة من حياتها وبالمكان الذي تعمل فيه. ومع تراكم هذه العلاقة، صارت النخلة رمزًا للثبات والاستمرار في عالم دائم التغير.
تقول ترجم إن النخلة أصبحت بالنسبة إليها «أكثر من مجرد جزء من المشهد»؛ فهي جزء من القاهرة بكل حركتها وضوضائها، وفي الوقت نفسه تمنحها إحساسًا بالهدوء والاستمرار. ومن هنا بدأت في رسمها كصورة تحمل الإحساس والذاكرة والخيال، وصولًا إلى لحظة تقول فيها: «لم أعد أرسم النخلة التي أراها فقط، بل النخلة كما أشعر بها».

من الأسفل إلى السماء: حضور ضخم ومنظور نفسي
تمنح الفنانة النخلة في عدد من الأعمال حضورًا ضخمًا يتجاوز حجمها الطبيعي، مستخدمة زوايا رؤية منخفضة تجعلها تبدو ممتدة فوق المشاهد ومحيطة به. ويعكس هذا التحوير في المنظور حجم الحضور النفسي الذي اكتسبته النخلة في تجربتها.
من الأسفل، تبدو النخلة أكثر اتساعًا وقوة؛ جذورها متصلة بالأرض، بينما تتجه سعفاتها نحو السماء. وبين الاتجاهين تتشكل صورة تجمع الثبات بالحركة، والأرض بالفضاء، وهو التناقض الذي يميز كثيرًا من أعمال ترجم.
العمارة والفرشاة: نظام التكوين وعفوية الجسد
لا تنفصل هذه الرؤية عن التكوين الأكاديمي للفنانة؛ فقد درست الهندسة المعمارية والفنون البصرية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وهو ما ترك أثرًا واضحًا في علاقتها بالبناء والتكوين والنسب والإيقاع المكاني. ورغم أن لوحاتها تبدو في كثير من الأحيان تلقائية وحرة، فإن خلف هذه الحرية وعيًا بالعلاقات بين المساحات والكتل والفراغات وحركة العين داخل العمل.
تقيم ترجم حوارًا مستمرًا بين خلفيتها المعمارية والطبيعة العضوية التي تستحوذ على اهتمامها؛ فالعمارة منحتها حساسية تجاه النظام والتوازن، بينما يتيح لها الرسم الزيتي مساحة للتحرر من المخطط المسبق، وترك الفرشاة تقود العمل إلى احتمالات جديدة.

تعمل الفنانة على لوحات كبيرة الحجم، تتحرك حولها أثناء إنجازها؛ تقترب منها وتبتعد، وتغيّر زاوية النظر إليها مع تطور التكوين. وتصبح حركة الجسد حول اللوحة جزءًا من عملية الرسم ذاتها، فتظهر الضربات الحرة والعلامات الحركية كسجل للحركة والانفعال، لا كأثر تقني للفرشاة فقط. ويتصل هذا الحضور الجسدي بالضوء الطبيعي الذي يغيّر ملامح الاستوديو على مدار اليوم؛ فالألوان والظلال والإحساس بالمكان تتبدل مع تغير الضوء، وهو ما جعل الفنانة أكثر اهتمامًا بالتجربة الحية للمكان من تثبيت لحظة بصرية واحدة.
الاستوديو واللون: ملاذ السكينة وذاكرة الأدوات
في أعمالها الأخيرة، اتجهت ترجم إلى استكشاف الاستوديو نفسه، باعتباره الفضاء الذي تشكلت فيه علاقتها بالطبيعة والرسم. فالنوافذ والأبواب في لوحاتها تعمل كمساحات عبور بين الداخل والخارج؛ إذ يتنفس الاستوديو من خلال الضوء والطبيعة والحركة المحيطة به. حتى الأدوات اليومية، مثل عربة الألوان ومستلزمات العمل، تجد طريقها إلى اللوحة باعتبارها أجزاءً من ذاكرة المكان؛ تفاصيل تحمل آثار الوقت والعمل، وتكشف الجانب الإنساني من عملية الإبداع.
وهنا يصبح «الملاذ» الذي تبحث عنه الفنانة مرتبطًا بما يحدث داخل المكان بقدر ارتباطه بالمكان ذاته: ساعات العمل، الألوان، الفوضى، الأدوات، وآثار اليد على سطح اللوحة.

وتكشف أعمال «نخلة» عن تحول لافت في بالته ترجم اللونية؛ فقد انتقلت تدريجيًا من درجات أكثر هدوءًا إلى ألوان أغنى وأكثر تشبعًا، غير أن هذا التحول يُعد إعادة تعريف للسكينة. ترى الفنانة أن اللون القوي يمكن أن يحمل إحساسًا بالهدوء، وأن السكينة لا تحتاج بالضرورة إلى ألوان خافتة؛ لذا تبدو الأعمال الجديدة أكثر دفئًا وثقة، مع احتفاظها بحس التأمل الذي يميز تجربتها.
وتتسع هذه الرؤية لتشمل الزهور والنباتات والأشكال العضوية؛ إذ تتحرر العناصر الطبيعية من وظيفتها التمثيلية لتتحول إلى لغة تعبر عن الداخل. فالزهرة ليست بالضرورة ما تراه العين، وإنما ما تتركه في النفس من إحساس؛ ولذلك تمنح الفنانة لنفسها الحرية في تغيير اللون والحجم والشكل متى اقتضى الأمر الاقتراب من جوهر التجربة.
يقدم معرض «نخلة» تجربة فنية تنطلق من الطبيعة لتتجه في النهاية نحو الإنسان وذاكرته وعلاقته بالمكان. فالنخلة هنا تجسد معنى الثبات، والاستوديو يتحول إلى ملاذ، والضوء يصبح عنصرًا متحركًا في بناء الصورة، بينما تتحول الأدوات والنباتات والزهور إلى شواهد على زمن عاشته الفنانة داخل فضائها الخاص.
وتؤكد تجربة دينا ترجم أن الرسم بالنسبة إليها محاولة لتحويل الإحساس إلى لون وحركة وملمس. ومن هذه المسافة بين الواقع والشعور، تنشأ أعمال «نخلة»؛ أعمالٌ تبحث عن مكان تستطيع فيه الفنانة أن تتوقف قليلًا، لتنظر، وتتأمل، ثم تعيد صياغة العالم وفق الطريقة التي تشعر بها تجاهه.
أُفتتح المعرض في الرابع من أكتوبر بجاليري بيكاسو بالزمالك، ويستمر حتى العشرين من الشهر نفسه.

