logoPrint

الكاتب وحدود الحرية

المشاهدات : 39

نقصد بالكاتب هنا هو كاتب المقال وليس الصحفي . حيث ان الاخير ينقل الخبر والحدث كما هو على ارض الواقع . ويتسم بالحيادية  . اما الكاتب فانه لاينقل الاخبار او الاحداث ، انما يعلق عليها . . وهنا 
لايمكننا ان نطالب الكاتب بالحيادية . لانه ليس ناقلا للاخبار وانما محللا لها ومعلقا عليها . مع بيان رايه وتوقعاته ان وجدت . . واذا كان كذلك فهل يحق له ان يقول مايشاء بحرية مطلقة . ام ان هناك ضوابط ومحددات 
اننا نجد في كثير من الاحيان كتابا يكتبون مايشاؤون خصوصا بعد التطور التكنولوجي في مجال الميديا او وسائل الاعلام المتعددة . وان هناك فسحة من الحرية في الكتابة لمسناها في السنوات الاخيرة في مجتمعاتنا 
ان اعطاء الحرية للكاتب في ان يكتب مايشاء  لا تعني الحرية المطلقة ، او التزمت بالرأي . على اعتبار ان رايه هو عين الصواب وراي غيره مجانبا له  . . لقد قيل ان حرية الفرد تنتهي عند بدء حرية الاخرين .. وهذا ما يجب ان يطبق على الكاتب . بمعنى انه يستطيع بيان رأيه دون ان يفرضه على الآخر ، او يسفه الرأي المقابل . لا بل ان الواجب الاخلاقي والادبي يحتم عليه اعطاء فسحة للآخر ليعبر عن وجهة نظره او مخالفة رايه
اكتب هذا بعد ان وجدت ان هناك صراعات خفيه قد امتدت لوقت ليس بالقصير بين الكتاب والمثقفين . . وبدلا من ان يساهم المثقف بتنوير عقول وافكار المواطنين فانه يحرضهم على التزمت والتعصب . . اننا نعيش في مجتمعاتنا العربية في ازمات مذهبية ودينية واثنية . وقد انعكست هذه الازمات على الكاتب والمثقف عندنا فنجده يتطرف هو الآخر ، ويتحزب الى دينه او قوميته بطريقة واسلوب متعصب لايخلو من العنصرية والاستعلاء على من يخالفه الرأي . . كما ان  كثير من الكتاب  يستعينون باطروحات تاريخية بالية ومتحجرة ليؤكد فيها وجهة نظره ، ومصادرة الراي الآخر . بالاضافة الى ان هناك من يتحيز الى دولة ما على حساب انتمائه الوطني للدولة التي آوته ويعيش في كنفها ، وفيها مستقبله ومستقبل اولاده واحفاده 
ونجد احيانا في موقع ثقافي واحد حوارات ونقاشات  متشنجة وتتسم بالمذهبية والاثنية على حساب الموضوعية ، وكل طرف يفند الآخر بطريقة غير حضارية ، تنعدم فيها احيانا اخلاقيات الحوار او آداب النقاش ، وتشم منها رائحة التعصب الذي لايليق بالمثقف في هذا العصر المفعم بالتطور العلمي والثقافي . ولم يعد احدهم يطيق الآخر نتيجة اصراره على صحة رايه على حساب الراي الآخر . حتى اصبح لايستطيع التواصل الا مع الذين يتماهون مع فكره وتحزبه الضيق . وقد تسببت هذه الظاهرة في القطيعة بين بعض الكتاب ، وهم على مستوى من الثقافة يفرض عليهم ان يكونوا بعيدين ومنزهين عن مثل هذا السلوك المتخلف 
ان بامكان الكاتب التعبير عن رأيه بشكل واضح وجلي بعيدا عن الهمز واللمز الذي يحرج المقابل او يسفه رأيه . . اننا لانطالب هنا بحيادية الكاتب ، بل ان الكاتب ملزم بالتعبير عن وجهة نظره تجاه الاحداث والاوضاع السياسية والثقافية والاجتماعية دون تأثير او تسلط من اية جهة كانت . . ولكننا نطالب الكاتب باحترام القارئ وعدم استفزازه . حيث ان التطرف في كل اشكاله معادي للانسانية ، وللفكر المتحضر ولحرية الارادة . فما بالك بالتطرف بالاديان والمذاهب ونحن على فوهة بركان من الحروب الاقليمية والداخلية ، بالنيابة وبالمباشرة 
ان اطلاق النعوت و جلب الامثلة واجترار الماضي لن يفيدنا بشئ . . انه يزيد من تعصب المقابل تجاهنا ويستفزه مما يدفعه الى العدوانية ، حيث يتجاوز احيانا على قواعد اللياقة والخلق السليم في الكتابة . او ينزوي ويتكتل مع من هم على شاكلته في الدين والمذهب والرأي .
اننا نرغب في مشاهدة كتاب على مستوى عال من الثقافة والتحضر ، منزهين ومترفعين عن صغائر الامور ، ويتصفون  بسعة الافق وروح التسامح ، تبعدهم عن التحزب المذهبي او الاثني الضيق . . وفي الوقت الذي  نطالب فيه  مجتمعنا بنبذ التطرف والغلو الا اننا نمارسه يوميا عبر كتاباتنا . . اننا يجب ان نكون قدوة للمواطن الذي لم ينل حظه من التعليم والثقافة ، لا ان ندفعه اكثر الى التزمت والتطرف ونكران الاخر ومصادرة رأيه ، لاننا في هذه الحالة سنكون كمن يشاهد نفسه في المرآة . . ونعدم التنوع الثقافي والقومي والحضاري بالوانه المختلفة . كما يتوجب علينا ان نخرج من تقوقعنا وننفتح على آفاق ادبية وعلمية وفنية عالمية بعيدة عن التفاصيل العقائدية المحلية الضيقة . وان نتفهم الآخر ونحثه على السمو والترفع عن التطرف والتعصب مهما كان شكله . لننعم بالامن والسلام . وهذا هو واجب الكاتب والمثقف تجاه مجتمعه ومحيطه 


بقلم ادهم ابراهيم